من الفيلم التونسي "بيت الحس" لليلى بو زيد (ملف الفيلم) ثقافة و فنون المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة by admin 1 مارس، 2026 written by admin 1 مارس، 2026 48 “بيت الحس” يجمع بين المجالين السياسي والخاص ويروي كيف تتسلل السلطة إلى أعمق المشاعر اندبندنت عربية / هوفيك حبشيان المخرجة الأربعينية التي دشنت مسارها قبل نحو عقد بـ”على حلّة عيني”، ذاك العمل الذي دارت أحداثه في الفترة المتوترة السابقة على الثورة التونسية، تشق طريقها إلى قلب مدينة سوسة، مستحضرة أسئلة مؤجلة في المجتمع التونسي، حول الجسد والرغبة والحق في الاختلاف، خارج الأطر والهويات التي تعترف بها سلطة الدولة والمجتمع والعائلة. الفيلم الذي عرض ضمن مسابقة الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي، نوع من مرثية عائلية تبدأ من موت ملتبس لتفتح مساراً من التحقيق الحميمي في حياة أُجبرت على الاختفاء. تعود ليليا (آية بوترعة) إلى سوسة لحضور جنازة خالها دالي (كريم رمادي) الذي عثر عليه ميتاً في الشارع في ظروف غامضة بعض الشيء. الجنازة سريعة، مطوقة بالأعراف، كأن العائلة تحاول طي الصفحة سريعاً، غير أن ما سيدفن ليس الجسد وحده، بل سيرة كاملة من الكتمان، فدالي كان مثلياً في بلد يجرم المثلية قانونياً بموجب الفصل 230 من المجلة الجزائية، وهو نص يعود لعام 1913 إبان الانتداب الفرنسي، ولا يزال يستخدم لمعاقبة العلاقات المثلية. في هذا السياق، تتحول الحياة الحميمية إلى شأن أمني، وتطارد الدولة “المخالفين” من الدنيا إلى الآخرة. نساء في مواجهة ذاكرة رجل هادئ (ملف الفيلم) تمنع بوزيد نفسها من إنجاز فيلم عن قضية، بقدر ما تركز على أثر هذه القضية في النسيج العائلي والاجتماعي. والحكاية تُروى عبر نساء العائلة، جدّة وأم وخالة ليليا، وكل واحدة تقدم قطعة من فسيفساء رجل غائب. ودالي لا يظهر إلا عبر شذرات الذاكرة، فيتشكل حضوره من غيابه. المنزل في شارع قرطاج بمدينة سوسة أكثر من مجرد جدران للحكاية، إنه بيت جدّة المخرجة نفسها. فالأثاث العتيق والنباتات وغيرها من التفاصيل عناصر تمنح المكان طاقة معينة. تقول بوزيد إنه منذ بداياتها في صناعة الأفلام، كانت تحلم بالتصوير داخل هذا المنزل. وتتذكر “إمكاناته من ناحية الحركة والانسياب وتعدد الزوايا، والضوء القوي المتباين بين الظل والنور، والأثاث الذي أنهكه الزمن… كل شيء في هذا المنزل يصرخ سينما. الغطاء النباتي الكثيف الذي يكاد يبتلعه يمدّه بهالة سريالية وسحرية. هذا المنزل يبث طاقة غامضة، طاقة الأرواح التي عاشت فيه ثم غادرت والتي تحاول الكاميرا أن تلتقط سرها. منذ مراهقتي، كنت أصور فيه فيديوات، ألتقط خلوده خارج الزمن، ولذلك كان من الطبيعي أن يلهمني لإنجاز فيلمي الروائي الثالث، خصوصاً أنه سيباع قريباً ويهدم، ليستبدل بعمارات سكنية أخذت تتكاثر في هذا الحي. بالنسبة لي، يتجذر الفيلم في فضاءين، المنزل ومدينة سوسة اللذين يجسدان معاً التوتر القائم بين التقاليد والحداثة”. المخرجة ليلى بو زيد (اندبندنت عربية) انطلاقاً من حكاية الخال التي تشكل نقطة انطلاق للأحداث، يتناول الفيلم أيضاً قصة ليليا التي تعيش علاقة عاطفية مع امرأة فرنسية (ماريون باربو)، لكنها تخفي هذا الجانب من حياتها عن عائلتها. وبحثها عن حقيقة موت خالها يتحول تدريجاً إلى مواجهة مع ازدواجيتها الخاصة. فلا تستطيع احتمال الجهل بحقيقة خالها الراحل، فيما هي تمارس الكتمان ذاته. وهنا يطرح الفيلم سؤالاً محاولاً كسر هذه الحلقة المفرغة، كيف تنتقل “التابوهات” عبر الأجيال وكأنها إرث؟ خضع الخال دالي لضغط العائلة والمجتمع وارتدى القالب المفروض عليه، فدفع الثمن عزلة واختناقاً. وليليا تدرك أن تكرار السيناريو ممكن ما لم يُكسر منطق الصمت. بذلك يصبح التحقيق في موت الخال تحقيقاً في إمكان حياة أخرى لها. وتقول بوزيد إن هاتين المرأتين العاشقتين “لا وجود لهما” في المخيال العام التونسي ولا في السينما العربية، وإن الشاشة قادرة، عبر التمثيل والتماهي، على فتح الأبواب المغلقة ومنح وجود لمن يجبرون على الاختباء. من هنا، لا يكتفي الفيلم بتشريح النفاق الاجتماعي، لكنه يمارس أيضاً فعلاً رمزياً عبر الصورة والصوت لمن حرموا منهما. في أفلام بوزيد السابقة مثل “على حلّة عيني” و”قصة حب ورغبة”، كان هناك خيط واضح يربط بين المجالين السياسي والخاص يروي كيف تتسلل السلطة إلى أعمق المشاعر. وفي جديدها، يتواصل هذا الخيط، لكن عبر نبرة أكثر هدوءاً وتأملاً. فالسياسة هنا لا تظهر في جانبها الخطابي، بل تتغلغل في الأجساد والعلاقات. الفيلم لا يعد المشاهد بخلاص شامل، ولا يبالغ في تفاؤل ساذج. والمجتمع، كما تصوره بوزيد، لحسن الحظ ليس كتلة واحدة، فيه المتشدد والمتعاطف والرافض والمتردد. ولا أحد يختزل في وظيفة رمزية. الجميع أسرى تربية وسياق اجتماعي وسياسي وديني، والجميع أيضاً قادرون، ولو ببطء على التحول. واختيار الطفل في الختام ليس تفصيلاً، وإنما هو اقتراح رمزي لإعادة إدماج التسامح في نواة المجتمع التونسي، أي العائلة. والرحلة تمتد من موت إلى ولادة، ومن جسد مدان إلى حياة جديدة تطالب بالشرعية والاعتراف. وفي هذا المشهد الأخير، يلمح الفيلم إلى أن ثمة مجتمعات ليست مستعدة بعد لسماع الحقيقة كاملة. ربما يكفي نصفها الآن، حتى إشعار آخر. ويكفي أن تخرج الهمسات إلى حيّز السمع، وأن ينتقل العشاق من العتمة إلى النور. فصحيح السينما لا تغيّر القوانين، لكنها تسهم في تغيير النظرة. المزيد عن: مخرجة تونسية فيلم المجتمع السياسة المشاعر الإنسانية السلطة أسئلة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ next post كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في إيران… تكرار التاريخ في اللحظة الأخيرة You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026 “ريتا” ومحمود درويش: حب في غرفة محاصرة بالبنادق 1 مارس، 2026