ثقافة و فنون فادي ناصر الدين يكتب من بيروت عن: ” جنريك المقهى “ by admin 19 February، 2026 written by admin 19 February، 2026 104 مقالة للشاعر والكاتب والسينمائي فادي ناصر الدين في موقع ” عكس السير ” تحت عنوان ” جنريك المقهى ” بين المنطق واللامنطق شعرةٌ، قطعها الذكاء الاصطناعي. تلك الشعرة المقطوعة ليست شعرة معاوية، بل شعرةٌ هرّت من رأس الإنسان الاصطناعي وهو يمارس طبيعيّته. الحقيقة أني بدأت أشك بأصدقائي اليوميين، أصدقاء المقهى من كتّاب وشعراء وفنانين وباحثين. أشك أنهم ذكائيون آليون. لكن حين أحدِّق بالشيخ الشاعر نعيم تلحوق الستيني، وأسأله.. كيف لك أن تبقى طبيعياً كل هذا الوقت؟ فيجيبني.. من قال لك إنني طبيعي؟ وحين أنظر في وجه الثمانيني السيد الفقيه إسماعيل الأمين (ق س)، وأتمحصه جيداً، يثبت لي بالدليل القاطع أنه يستحيل أن يكون آلياً. لو كان آلياً، لماذا لا نسمع “زيزقة” كلما حرّك عضواً من اعضائه؟ لا، ليس منطقياً ما يخيَّل إليّ. السيد رجل من لحم ودم، وبئر أفكار، ومضخات سرديّة، ومعارك لا تنضب. لكن أبا المعنى الشيخ نعيم تلحوق يشكك في الوجود نفسه، رغم أنه يبحث عن المعنى بشكلٍ مستمر، في وقتٍ لم يعد لأي شيء من معنى. يحذرني الروائي الجليل الشاب التسعيني الياس العطروني، المثقف الذي تعلّمنا منه الكثير، والذي أجلس في المقهى غالباً بينه وبين الشيخ نعيم، يهمس أبو طارق في أذني اليسرى.. لا تستمع إلى الشيخ نعيم في كل ما يقوله، فهو يعلم علم اليقين أن ما يبحث عنه مفقود، وأن المعاني لو علمت بأنه يبحث عنها لفقدت معناها، ولفقد نعيم معناه. غالباً ما يصل البعض منّا إلى المقهى قبل وصول عبدالله الصاروط، صاحب مقهى وحانة “الحمرا إكسبرس”. لعبدالله تحيته المعهودة يرميها علينا قبل شروعه في تحضير قهوتنا. وتحية عبدالله المعتادة.. “أسعد الله أعضاءكم”. “وأعضاءك أيضاً يا عبدالله”، يجيبه الجميع. بعد تبادل الأمنيات مع عبدالله، يبادر الكاتب الثمانيني والشيوعي العتيق التائب نهاد حشيشو ليخبرنا عن الأسباب الرئيسية التي سببت انهيار الاتحاد السوفياتي، بعد سردٍ دقيقٍ وطويل عن الثورة البلشفية. قد يمتعض الدكتور الفتي السبعيني الذي لا يُقهر، قاسم قاسم، من بعض جوانب السرد التاريخي، فهو، كروائي وأستاذ جامعي كتب في الخيال العلمي، لا يريد للوقت أن يسبقه. ينشد المستقبل ويرنو إليه، ويستخدم التاريخ للاستدلال على ما هو آتٍ دون أن يغرق فيه. وللدكتور قاسم مواهب عديدة ليس من الحكمة تعدادها هنا. يقاطع النقاش الدائر فجأةً الدكتور غسان مراد الستيني، الأستاذ الجامعي والمحاضر في الذكاء الاصطناعي في الكثير من المنابر الإقليمية والدولية، الذي واظب على تثقيفنا في المقهى حول الذكاء الاصطناعي وآخر ما توصلت إليه التكنولوجيا، ولا ينسى أن يذكرنا بعد كل درسٍ أن الحياة مرّت علينا ومضت، وما نحن سوى فتات الماضي الذي مضى. يوافقه الدكتور حبيب معلوف الستيني، الكاتب والأستاذ الجامعي والخبير البيئي العريق، الذي، شأنه شأن الدكتور قاسم في المواهب المتعددة، يؤكد حبيب نظرية غسان لكن من وجهة نظر مخالفة، أو أوسع، أو ربما أكثر سوداوية، وهي أنه ليس فقط نحن الذين في المقهى من أصبح من الماضي، بل هذا الكوكب الفضيحة، برمته، أصبح من الماضي، وما نحن سوى عيّنات مجهريّة في طبق الكون الطائر هذا، وهذا الكلام يُعتبر تفاؤلياً من قِبَل الدكتور حبيب معلوف نسبةً للعدمي الشيخ الشاعر نعيم تلحوق. الدكتور قصي الحسين في منتصف السبعين من عمره، أستاذ جامعي متقاعد من التعليم لكنه يمارسه بأشكال أخرى. يقرأ كل كتاب جديد يصدر في المدينة ويكتب عنه، ويكتب عن إصدارات أصدقائه في المقهى وخارج المقهى، ويكتب في السياسة والمجتمع والحياة، وفي اللغة والأدب والفنون. يحبنا جميعاً ونحبه جميعاً. ماذا لو وصل فجأة المخرج المسرحي رئيف كرم السبعيني وضبطنا في مشهد الحب هذا ؟ لكان رفع يديه نحو السماء كراقص باليه، وصرخ عالياً.. ما هذا الحب “الخنتريشي”؟! وحده الأنتروبولوجي ابن الخمسة والسبعين عاماً، الأستاذ الجامعي المتقاعد إدوار القش، كان قادراً على فهم رئيف “الهايبر أكتيف”. لكن إدوار غادر المدينة عائداً إلى زحلة لدواعٍ حياتية. تشتاقه الجلسة ويشتاقها، لكن الله غالب. كما تشتاق الجلسة لكلٍّ من الفنان التشكيلي محمد عوالي وشريكته الفنانة التشكيلية صونيا، التي كانت بلسماً لجلساتنا في المقهى، قبل أن يذهبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. بسفرهما هذا، فقدت جلسة المقهى نعومة صونيا ولباقتها، وفقدت أيضاً الدكتور محمد عوالي كضابطٍ لإيقاع الجلسة. الكاتب والمترجم والصحافي الذي لا يزال في ريعان شبابه، والذي تعشقه الكاميرا ويعشقها، والذي تعدى الثمانين عاماً، ولم يقتله احدٌ لغاية الآن. صالح قشمر، لا تناسبه الطاولات الهادئة، يعمل دائماً على إشعالها بنار الفتنة، ويوقد ناره تحت الطاولات وفوقها، ولا شيء يردعه حتى لو اتفقنا جميعاً على قتله. وحده أبو سعيد فوزي بعلبكي، خمسة وثمانون سنة، الفنان التشكيلي وأعظم من رسم بورتريهاً في جمهوريتنا العليّة، ينفضُّ عن مجلسنا معتبراً إيانا وجلستنا “مضيعةً للوقت”، وفي هذا شيء من الحقيقة، أو كلّلها. تنقلب الأمور والنقاشات رأساً على عقب حين يصل العاشق الأزلي الشاعر شوقي بزيع، ولا داعي هنا لذكر العمر، فهذا شيء غير مستحب مع شاعرٍ عاشقٍ لكل خطوة أنثى مرّت على رصيف المقهى، أو في الحياة، أو على شاشة التلفاز، أو في جمل الآخرين، أو في سحب خياله. تتفجر النميمة الغنّاء، وأعان الله كل من ليس في الجلسة أو من غادرها باكراً، فلن يرحمه شوقي كما عوّدنا ألا يرحم نفسه من نميمته. يصل الشاعر عباس بيضون الثمانيني. لا مشكلة هنا في ذكر عمر عباس، فعباس يعيش خارج جلباب العمر والمسافة والزمن، وخارج جسده بالطبع. حال وصوله تنفجر نبعة عذبة من زاوية المقهى، كنافورة حداثة، وتسيل كنهر بين الطاولات والكراسي، مكملةً طريقها نحو البحر المالح. من زاويته، مولانا صالح الرفاعي السبعيني، الأستاذ الجامعي والفوتوغرافر الذي وثّق كل مآسينا وتحولاتنا في هذه الجمهورية، مُصرٌّ على توثيق خيباتنا وتقلباتنا بعينه وقلبه وبأشياء أخرى لا يعرف قيمتها سوى فاقدها. أما يوسف رقة، المخرج الإذاعي والمسرحي، والناشط في تغطية جميع النشاطات الثقافية في بيروت وجوارها وجوار جوارها، فيعمل جاهداً على تهدئة أي اشتعال داخل الجلسة كإطفائي بكامل “نربيشه”، لكن غالباً ما تستعر النار بين يديه! قبل أن تنفضَّ الجلسة، وبعد أن استمع جيداً إلى كل ما دار فيها. يجد حسن سرور، الكاتب الستيني، نفسه مضطراً للتوضيح أو التأكيد على امرٍ ما، مر خلال حديثٍ ما، قبل ساعتين من الزمن، فيبادر بالحديث. ولحسن طريقته الخاصة في الكلام، من جهة الإيقاع اللفظي البطيء القاتل، أهمس في أذن نعيم.. هل أنت متأكد يا نعيم من أن حسن رجل حقيقي من لحم ودم، أم رجل آلي؟ يسألني نعيم.. لماذا تعتقده آلياً؟ أجيبه.. استمع إليه وهو يتكلم. ينصت نعيم قليلاً ثم يبتسم ويقول.. لا استطيع الجزم.. ربما. فنضحك، وينتبه حسن أننا نضحك، فيقطع حديثه ويضحك معنا. أما أحمد قعبور، السريع البديهة في اللعب على الكلمات والمفردات، والذي واظب في يومياته على خلق أغنية جديدة، كمن اشترط عليه النوم، نغمة ما قبل النوم، فلا تنتهي أحاديثه عن الموسيقى وبيروت. أحمد في هذه الأيام غائب عن المقهى لسبب صحي. نفتقده وندعو له بالسلامة والعودة إلى موسيقاه وإلى كرسيه بيننا. في ختام الجلسة، كما كل جلسة، ننفضُّ كلٌّ إلى بيته ككائنات آلية تكرر ذاتها في إيقاعٍ يومي ثابتٍ لا يهزه منطق ولا أحداث ولا ذكاء اصطناعي، ولا سقوط الكوكب من عليائه، ولا أي من التكنولوجيات السريعة التي تناطح بطئنا، وكون المستقبل أصبح خلفنا، وما أصبح أمساً لا غد له. وحده غياب صديق عنّا يجعلنا نرتعش لبرهة حين يغادرنا، آخذاً معه بعضاً منّا.. نفلش إرثه الأدبي على طاولة المقهى أمامنا بين أعقاب السجائر وفناجين القهوة، والمناديل الناعمة البيضاء. مثمنين ارثه أو مستخفيّن به، وبالحالتين ساخرين من الحياة والموت معاً غير آبهين… فادي ناصرالدين. / بيروت / شباط ٢٠٢٦ 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post دلال البزري تكتب من تورنتو عن: الضفة الغربية مستقبل جنوبي لبنان وسورية next post واشنطن بوست: ترامب مستعد لشن هجوم على إيران You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026