Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » الأنا تسكن المنظر الطبيعي في لوحات مارون الحكيم

الأنا تسكن المنظر الطبيعي في لوحات مارون الحكيم

by admin

“غابة الحرية” معرض لوحات تستعيد شغف الضوء وتؤسس واقعية داخلية

اندبندنت عربية / مهى سلطان

ضوضاء ترى من بعيد، وزحف بقع وألوان نحو أفق عال، تعلوه سماء شحيحة وغيوم تشق المدى. تظن حين ترى لوحات الفنان مارون الحكيم في معرضه الجديد “غابة الحرية” المقام في ريبورث بيروتRebirth Beirut  (شارع غورو – الجميزة) أنك ترى ثيمات ثلاث، من خلال المنظر الطبيعي، منظر واحد لكنه متعدد الفصول، باذخ بما فيه من رؤى وأثواب عشق للأرض والتراب والمطر والنبات والأزهار. تدرك حينها أنك أمام فنان ينتمي إلى تلك السلالة من الرسامين، الذين لم يتوقف هدير عطائهم على رغم مآسي الحروب. بهذا التفاؤل نرى الرسام بعين النحات أحياناً، نلمس ضرباته الناتئة على سطح القماش، ورشقاته اللونية، وانفعالاته اللحظية، وبصمات ريشته وهي تتنزه في مراعي اللون. وهو المعروف كنحات كرس أخيراً لأعماله وتماثيله متحفاً خاصاً، في مسقط رأسه (مزرعة يشوع) يستعيد ذكريات الزمن الجميل، لنحات لمع اسمه منذ سبعينيات القرن الـ20 كأحد المجددين في التجريد اللبناني الحديث في تلك الحقبة.

رحابة المنظر الطبيعي في اللوحة (خدمة المعرض)

هو الأزرق مفتاح السماء، والطين كروح من مادة الإنسان وعلاماتها ومظهرها. أما الرحلة فهي رحلة الأرض المطرزة بإشارات دالة على الرغبة، كأنها دقات قلب وحنين غامض إلى شيء مجهول، ما زال قيد البحث والتكرار والذهاب والإياب. لا يرتوي هذا العطش للرسم أبداً، فكأنه حالة ارتماء وجودي. والفنان كعاشق يعيش في الطبيعة كواحد من كائناتها، يبحث في زوايا الذاكرة عن صور تدعو من يراها إلى الألفة والاستراحة من تعب السفر، يبحث عن امرأة هي رمز للحرية والحلم، والولادات الجديدة.

انفجار لوني

أصفر وأخضر وأحمر وأزرق، ضربات ناتئة تخرج نقية من فوهات أنابيب اللون، مندفعة كبصمات أصابع، تتبوأ مكانها كطبقات مضافة فوق سطح مكتظ بالنقاط اللونية واللمسات المبعثرة، والرذاذ المنتشر بين أمطار اللون التي تكسو السطح واحياناً تحجبه، بين الضوء الناعس في السهل والغيوم التي تغلف الجبال بشيء من السحر والغموض. لكأننا أمام انطباعية جديدة منبثقة من طبيعة لبنان التخييلية، مدمجة بـ “التنقيطية” ونفحات من ضربات فان غوخ مع تقطير ينتمي لفن “الأكشن”  (Action Painting) على طريقة بوللوك. وفي غمرة هذا المشهد، تبدو بصمات اللون على السطح الأول بمثابة عجينة الطين بين يدي النحات أثناء تشكيله قطعة الفخار، ولعلها تأكيد للحضور والأسلوب والهوية، بوصفها فعلاً ينبع من باب التجريب والانفعال، أكثر مما تعبر عن ضرورات جمالية. قد نجدها أحياناً عملاً مضافاً نافراً، يبدو للوهلة الأولى بلا طائل فوق السطح المتناغم، أو شيئاً زائداً عن الفائض، ولكن من دونها قد يفقد المنظر سطوة “الأنا” التي تصرخ في “غابة الحرية” بلا رقابة، لأنها تتحرك بدافع الحب، وصدق الطوية، وعشق النار التي تدفع كل الاحتمالات نحو حرائقها الدائمة.

مارون الحكيم أمام إحدى لوحاته (خدمة المعرض)

“رسام للطبيعة”، بوصفها عصفاً وحركة، وسهلاً وجبلاً، وواقعاً وحلماً، ومهرجانات ألوان وأضواء، وربيعاً وشتاءً عاصفاً، وغيوماً ناصعة على أسرة بيضاء تعبر في فضاء التحولات. والسؤال الذي يجدر التوقف عنده: لماذا يرسم الفنان الطبيعة كموضوع ظن البعض أن الزمن تخطاه في غمرة المعاصرة؟ يقول الحكيم: “كانت الطبيعة وستبقى النبع الأول في بنائية أعمالي. ففي مهرجان الضوء وصخب ألوانه، تصحو الأنا الخلاقة فتشرق الخاصية الفنية لتحول المشاعر الشخصية ولعاً وفكراً يوقظ خبايا الجمالية. ومن رحم هذا الجو المنبهر برهبة الألوان، وسكونها وهيجانها وطيرانها، تنشأ دوامة من الشغف وتيارات التفلت المتحررة من كل قيود موروثة. أعيش يومي على وقع الزمن ومندرجاته، وأنجز عملي متأثراً بما أحياه”.

تتجلى في أعمال الحكيم تجربة بصرية تعيد صياغة مفهوم “المشهد الطبيعي” عبر لغة لونية تتأرجح بين الذاكرة الحسية والتجريد العاطفي. فاللوحات تستعير من الانطباعية “شغف الضوء” و”تحلل الكتلة”، لكنها تنفيها في الوقت ذاته لتؤسس لواقعية داخلية تتجاوز مجرد رصد اللحظة العابرة، إذ يرسم السهول بلون ذهب السنابل، والقرى قبل أن تستيقظ الشمس، بلطافة بقع الضوء الصغيرة، جاعلاً من اللون مصدر التنوير، فالريشة لا توثق أثر الشمس على الأسطح، بل تبدو القرى وكأنها تنبعث من عتمة الفجر بفيض لوني ذاتي. والبقع الزرقاء، والصفراء، والحمراء المترامية في الأسفل ليست مجرد أزهار أو بيوت، بل هي “نبضات” القرى التي تستبق الفجر.

بين الجسد والطبيعة

ألوان حية تتفجر في فضاء اللوحة (خدمة المعرض)

في لوحاته القائمة على البعد الواحد أو البعدين، يبتعد الفنان عن الخطوط الواضحة ليغرق في “تنقيطية” حديثة، حيث تتداخل السماء مع الأرض في مزيج ترابي، مما يوحي بأن الطبيعة والإنسان وحدة واحدة لا تتجزأ. وتتحول الطبيعة من تقميش خطوطي وبقعي وتنقيطي إلى “نص موسيقي”، حيث يستبدل المنظور البصري بمنظور “لمسي”. فالألوان تبدو وكأنها منضودة أو متراكمة، مما يمنح اللوحة بعداً وجودياً. والفنان هنا لا يرسم “منظراً”، بل يرسم “شعوراً” بالخضرة والنمو. إنها طبيعة تعاش من الداخل، لا تشاهد من الخارج. وأكثر ما يلفت في مشهدية الطبيعة تلك الغيوم البيضاء التي تحتشد في زرقة السماء بما يوحي بحركة ريح قوية، يقابلها في الأسفل بحر من الألوان المتفجرة. هنا يكون اللون هو “سيد الموقف”. والضربات اللونية العريضة والسميكة تمنح اللوحة ثقلاً مادياً ينفي الطبيعة “الهوائية” للمنظر. إنها ليست مجرد “مراع”، بل هي فضاء لتحرر اللون من قيود التشبيه.

كثيراً ما يؤنسن مارون الحكيم الطبيعة، مكرساً حضور جسد المرأة في بعده الرمزي، بما يتجاوز المحاكاة البصرية. فالأجساد تكتب قصائدها كألحان لونية مسطحة على بعد واحد بلا أعماق، لذا تظهر المرأة كأطياف من خطوط إيقاعية، تسبح في فضاء لوني كثيف. فالأجساد لا تقف في الطبيعة، بل “تنبثق” منها، والضربات اللونية التي تكسو الأجساد هي ذاتها التي تشكل الخلفية، مما يخلق تماهياً كاملاً بين الجسد والفضاء المحيط. في أعماله لا يكتفي مارون الحكيم بما تراه العين، بل بما تستحضره الذاكرة، محولاً اللوحة من “نافذة على العالم” إلى “مرآة للداخل”، حيث تحل الطبيعة كأناشيد ألوان وزغاريد أفراح ومواسم، لكأنها هوية فنية نسكنها، تعبر عن ذاكرة الأرض واهتزازات الروح.

إن أعمال م. حكيم تمثل “انطباعية وجدانية”؛ هي تنفي الانطباعية كـ”رصد بصري” وتثبتها كـ “انفعال حسي”. الفنان هنا لا يكتفي بما تراه العين، بل بما تشعر به الذاكرة، محولاً اللوحة من “نافذة على العالم” إلى “مرآة للداخل”، حيث اللون هو السيد، والمادة هي القصيدة، والطبيعة هي الذات في أقصى تجلياتها.

المزيد عن: رسام لبناني الفن التشكيلي مناظر طبيعية الذات اللون الضوء واقعية داخلية إنطباعية

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00