مشهد من المسرحية التونسية _كيما اليوم_ (خدمة الفرقة) ثقافة و فنون غياب الطفلة في مسرحية ” كيما اليوم” حدث وجودي by admin 12 يناير، 2026 written by admin 12 يناير، 2026 71 المخرجة التونسية ليلى طوبال تجسد تشظي الأصوات وتداخل الأزمنة والأمكنة فلا بداية واضحة ولا نهاية مغلقة اندبندنت عربية / محمد عربي كاتب تونسي تبدأ المسرحية من لحظة غياب الطفلة “دنيا” بعد احتفالها بعيد ميلادها الخامس، في مشهد يبدو للوهلة الأولى بسيطاً ومألوفاً، لكنه سرعان ما ينقلب إلى صدع عميق في بنية العرض كله. فالاختفاء هنا لا يعامل كحادثة بوليسية أو لغز درامي تقليدي، بل كزلزال رمزي يهز الأساس الأخلاقي والإنساني للعالم المسرحي. لحظة الغياب لا تفتح باب الأسئلة فحسب، بل تعلن انهيار النظام الذي كانت الشخصيات تستند إليه، ليجد الجميع أنفسهم داخل فراغ وجودي لا تفسير له. تتحول “دنيا” منذ تلك اللحظة إلى طيف يحوم فوق المسرح. لا نراها، لكننا نسمع صداها في الحركات المرتبكة، وفي العيون التي تبحث عن شيء لا يرى، وفي الصمت الذي يملأ الفجوات بين الجمل. تصبح الطفلة استعارة مضاعفة: هي براءة تغتال بصمت، وهي الإنسانية ذاتها حين تسحب فجأة من المشهد دون سابق إنذار. بهذا المعنى، لا تختفي طفلة من المسرحية فحسب، بل يختفي العالم الذي كان يفترض أن يحميه. وتتضاعف قوة هذا الغياب حين نكتشف أن الشخصيات لا تمتلك أي أدوات حقيقية لمواجهة الفقد. كل ما تملكه هو اللغة المتكسرة، الجسد المرهق، والذاكرة المثقوبة. فتغدو رحلة البحث عن “دنيا” رحلة داخل الذات، داخل الفراغ الذي يخلفه انهيار المعنى. لا أحد يعرف إلى أين ذهبت الطفلة، كما لا أحد يعرف كيف يمكن إعادة ترتيب هذا العالم بعدما فقد مركزه الرمزي. صراع الشخصيات (خدمة الفرقة) هكذا يتحول الغياب إلى محرك درامي خفي، لا يدفع الأحداث إلى الأمام بقدر ما يعمق الإحساس بالتيه. فالمسرحية لا تسعى إلى كشف مصير “دنيا”، بل إلى مساءلة قدرتنا نحن – كبشر – على تحمل فكرة الفقد الدائم. في عالم الحروب والكوارث، يبدو اختفاء الطفلة بمثابة مرآة لواقع أوسع: براءة تسحق كل يوم، وإنسانية تستنزف حتى التلاشي، فيما يواصل الجميع العيش كأن شيئاً لم يحدث. سينوغرافيا الذاكرة المثقوبة اختارت ليلى طوبال أن تتخلى عن الحكاية الخطية المألوفة، لتبني عرضها على تشظي الأصوات وتداخل الأزمنة والأمكنة، فلا بداية واضحة ولا نهاية مغلقة، بل شبكة من الحالات الوجدانية التي تتقاطع وتتنافر في آن واحد. داخل هذه البنية المفتوحة، لا تتحرك الشخصيات بوصفها كيانات درامية مستقلة، بل كأجساد تائهة تعبر عن حالات وجودية مأزومة: أجساد تتحرك بقلق دائم كأنها تبحث عن توازن مستحيل في فضاء يرفض الاستقرار. تتناوب مايا سعيدان وأصالة نجار ودينا وسلاتي وفاتن شرودي وخديجة محجوب وأمان الله توكابري وأسامة شيخاوي بين لحظات بوح فردي وتجليات رمزية جماعية، فيغدو المسرح مساحة للتفكير أكثر منه فضاءً للرواية، ويحرر المتلقي من انتظار الحل الجاهز ليدعى إلى المشاركة في بناء المعنى انطلاقاً من تجربته الخاصة مع الفقد والتيه والبحث عن الخلاص. البعد الوجودي (خدمة الفرقة) على رغم بساطة الفضاء الركحي، كانت السينوغرافيا من أكثر عناصر العرض كثافة دلالية، حيث بدت الجدران المثقوبة بدوائر متكررة كذاكرة جمعية مثقوبة تسربت منها القيم والمعاني، والمتاهات البصرية والألوان الداكنة خلقت شعوراً دائماً بالحصار. جاءت تقنية “المابينغ” لتحول الجدار إلى شاشة للذاكرة والكوابيس، فيما صممت الإضاءة المتقلبة بين العتمة والوهج، إلى جانب موسيقى مهدي الطرابلسي، فضاء شعورياً يضع المتلقي داخل التجربة لا خارجها. في المقابل، لم يكن النص باللهجة التونسية مجرد خيار لغوي، بل كان موقفاً جمالياً وفكرياً متكاملاً مع السينوغرافيا، حيث تحولت الكلمات اليومية البسيطة إلى حوامل لمعان كونية حول الهوية والانتماء والخسارة. وعلى رغم طابعه المحلي، نجح النص في ملامسة أسئلة إنسانية عامة: ماذا يعني أن نكون بشراً في عالم يتخلى عنا؟ وكيف نعيد وصل ما انقطع بيننا وبين قيمنا الأولى؟ بهذا المزج بين الصورة والكلمة، تتحول خشبة المسرح إلى فضاء متعدد الطبقات يربط بين المحلي والكوني، بين الحاضر والذاكرة، بين الفرد والجماعة. مسرح الإنسان في المشهد الختامي، تعود “دنيا” وسط سرب من الفراشات، في صورة شاعرية لا تعد بالخلاص التام، بل تفتح نافذة على إمكانية التغيير. عودتها لا تمحو المأساة، لكنها تذكر بأن الإنسانية يمكن أن تولد من جديد، ولو من أكثر اللحظات قتامة. السؤال الذي يعلق أنفاس العرض على الركح هو: هل نمتلك الشجاعة للبدء من داخلنا؟ في تصريحاتها الصحافية، أكدت ليلى طوبال أن عملها لا يندرج ضمن مفهوم “المسرح الملتزم” التقليدي، بل هو “مسرح الإنسان”، المسرح الذي يشبهنا ويواجهنا بأسئلتنا الوجودية. شددت على أنها لا تفرض النص على الممثل، بل تتركه يتشكل من الداخل، من التجربة الشعورية الحية، بحيث تصبح الكلمة جزءاً من كيانه. بالنسبة إليها، الالتزام اليوم ليس مجرد التزام فكري أو سياسي، بل هو فعل مقاومة لإبقاء المسرح حياً في عالم تتآكل فيه القيم وتضيع فيه البوصلة. وفي هذه الرؤية، تصبح عودة “دنيا” إلى الركح رمزاً حياً للمسار الإنساني ذاته: العودة إلى الذات، إلى الإنسانية، وإلى القدرة على الانبعاث من الظلام. بهذا العمل، تؤكد ليلى طوبال مكانتها كأحد أهم الأصوات المسرحية في تونس والعالم العربي. “كيما اليوم” ليس مجرد عرض جديد، بل محطة تلخص مسيرتها الطويلة التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، كرست خلالها مساءلة الإنسان على الركح، واستكشاف هشاشة الحياة الإنسانية وعلاقات القوة والهشاشة والفراغ النفسي والاجتماعي. المسرحية تجمع بين الرمزية العميقة والتقنيات المسرحية المعاصرة، من الحركة والجسد إلى الإضاءة والمابينغ والصوت والموسيقى، في قالب متماسك يخلق تجربة حسية وفكرية متكاملة. تظهر طوبال من خلال هذا العرض قدرة المسرح على أن يكون أكثر من مجرد مساحة للترفيه أو عرض للأحداث: إنه فضاء للتأمل، للتساؤل، وللتفاعل مع وجود الإنسان في عالم سريع الانهيار والتغير. المزيد عن: الطفلة الغياب سينوغرافيا الذاكرة النهاية والبداية الزمان مخرجة تونسية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هل تؤتي مقامرة زوكربيرغ الكبرى على الذكاء الاصطناعي ثمارها؟ next post ترمب: نبحث خيارات قوية للغاية بشأن طهران… وإيران تريد التفاوض You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة 1 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026