دونالد ساذرلاند في _كازانوفا فلليني_ (موقع الفيلم) ثقافة و فنون “كازانوفا فلليني ليس عابرا في مسيرة “مهرج الشاشة” الأكبر by admin 4 ديسمبر، 2025 written by admin 4 ديسمبر، 2025 57 عندما حقق السينمائي الإيطالي حلمه الكبير عن المغامر التاريخي رابطاً بينهما اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان الأمر متوقعاً منذ زمن بعيد، بل وبالنسبة إلى البعض، منذ بدأ اسم فيديريكو فلليني يلمع في فضاء الفن السينمائي الإيطالي، ككاتب سيناريو ومخرج لأفلام أولى مثل “الشيخ الأبيض” و”ليالي كابيريا”، منطلقاً في طريقه لتجاوز ما وسم به في بداياته بكونه سينمائياً يؤمن بالواقعية الجديدة، من دون أن يكون ذلك السينمائي الواقعي، تماماً، أو لنقل إنه كان هو ولكن على طريقته الخاصة. أما ما نتحدث عنه هنا، فهو إقدامه وإن في سن متقدمة، وبعدما بات يعد بمتنه السينمائي الكبير ولكن أيضاً بشخصيته الفذة، علامة أساسية من علامات السينما العالمية، على خوض واحدة من مغامراته السينمائية الأخيرة. وهي بالطبع المغامرة التي تجسدت في فيلم كازانوفا فلليني، الذي حققه عام 1976 في اقتباس جزئي ومباشر عن كتاب “قصة حياتي” للمغامر الإيطالي الآفاق الذي لم يكن مصادفة ولا عفو الخاطر أن يحمل الفيلم المقتبس اسمه مقروناً باسم فلليني نفسه عنواناً له. ونعرف طبعاً أن الفيلم الذي نتحدث عنه هنا قد أثار جدلاً واسعاً حين عرض للمرة الأولى، لا سيما بين من عدْوه “سقطة” في تاريخ صاحب “ثماني ونصف”، و”لا دولتشي فيتا”، ومن نظروا إليه على العكس من ذلك، باعتباره أعظم أفلام المبدع الإيطالي الكبير على الإطلاق، وكالعادة يومها، لم يكن ثمة من مجال لأدنى موقف وسطي بين الموقفين المتطرفين. منتخبات من كتاب العمر غير أن ما يتعين التنبه له هنا، هو أن فلليني لم يختبر كل كتاب كازانوفا. فمثل هذا الاقتباس لا يمكن أن يتسع له فيلم أو فيلمان أو ثلاثة، بل إن حلقات تلفزيونية بالغة الطول لا يمكنها ذلك. فحياة كازانوفا، كما طلبها بنفسه على أية حال، كانت طويلة وغنية إلى حد غريب. مئات من الصفحات وملايين الكلمات ولكن ما يكمن خلف هذه وتلك، ليس مجرد رصف للكلام المنمق الذي يجيده العشاق والعجائز الذين يروون مغامرات حياتهم ومنحنياتها بخط يدهم أو إملاء على آخرين، فتبدو منسقة تبعاً للأهواء لا تنتهي، وإن انتهت. ستفعل ذلك مخلفة من بعدها خواء مثيراً للغيظ في سفسطة كلامه وتدبيج اللغة التي ربما كتب بها لكنه، كان يحتاج لغة أكثر مما يوجد منطق، وذلك بالنظر إلى أن كازانوفا كان يكتب في الأصل لنفسه لا لكي يقرأه الآخرون، بالتالي يبحث عن متعته في الكتابة لا أن تكون كتابته درساً في الأخلاق. بوستر فيلم “كازانوفا فلليني” (موقع الفيلم) ففي كتب مثل كتبه، أو على أية حال، الكتاب الوحيد له الذي نتحدث عنه هنا، ومن المؤكد أن مسافرة فلليني لاسمه مع اسم كازانوفا لم تكن مجرد أداة تزيينية، بل ضرورة محتمة ترك السينمائي لمتفرجيه مهمة إدراكها، أما هو فقد أدار لعبته الاقتباسية ومن بعدها الإخراجية، لمجرد أن يذكر الناس بنوع من ترابط بينه وبين سلفه. فيلم نسوي؟ ومن الواضح أن التعبير عن ذلك الترابط ينبع من اختيارات فلليني مواقف ومشاهد معينة من مئات الصفحات التي حكى فيها كازانوفا حكايته بحيث إن الصفحات تلك عبرت عن حكاية لا شك أنها لا تتطابق تماماً مع الحكايات التي ملأت عشرات الاقتباسات التي حققت عن تلك الشخصية، في المسرح والأوبرا والفنون التشكيلية، ثم في السينما والتلفزيون في القرن الـ20، وكل منها يعتقد، أو يريد إقناع متلقيه، بأنه يروي حكاية الآفاق كما صاغها بنفسه. فيديريكو فلليني (1920 – 1993) (غيتي) والحقيقة أن تفرد فلليني وروعة عمله إنما يكمنان عند هذا الجانب بالذات، الجانب الذي يتضح تحديداً من خلال الخيارات التي تبدو معها الأمور في النهاية وكأن السينمائي أراد أن يروي شيئاً آخر يختلف، وفي الأقل، عما روته الاقتباسات الكازانوفية من قبل: ليس حياة المغامر ومجازفاته مهما بدت بطولية أو مصدراً للأسى والندم، بل تفاهته من خلال ما ترويه عنه نساء حاول غزوهن فنجح حيناً وفشل في أحيان أخرى. ومن هنا يبدو الفيلم وكأنه حكاية مضادة، تكشف ما هو كامن في خلفية حكايات ذلك البطل المغوار. لذا إذا نظرنا إلى الأمر من خلال ما يقترح العنوان، ولو ضمنياً، من تضافر بين فلليني وكازانوفا، سيبدو الأمر وكأن الأول يحاول أن يلقي على ذاته، وعلاقاتها الكأداء، المتوهمة على أية حال، بالنساء، نظرة شاحبة، بل مأسوية قد يمكن تعميمها في نهاية الأمر على الرجال جميعاً مما يجعل من “كازانوفا فلليني” فيلماً نسوياً بامتياز، ولكن بمعنى من المعاني. اختيارات فللينية اختيارات مقصودة ويعود هذا البعد كما أشرنا إلى قصدية الاختيارات الفللينية. وهي اختيارات لمقاطع وحكايات من بين المئات التي تعج بها مذكرات ذاك الذي كان يعتقد نفسه ساحراً للنساء وليس في بلاده الإيطالية وحدها، بل في أرجاء أوروبا خلال القرن الـ18. فيلليني يعطي التعليمات لساذرلاند أثناء تصوير الفيلم (موقع الفيلم) ولعل من الدلالة بمكان هنا أن فلليني اختار من بين ما يصوره الكاتب كخلفيات لتحركه، تلك الفقرات والفصول التي ترينا هذا الأخير متطلعاً عبر تجوالاته إلى مرماه الحقيقي المتمثل في بحثه هنا وهناك عن وضعية اجتماعية محددة تتلاءم مع تطلعاته الفنية والفلسفية، بأكثر مما يفعل تجاه تطلعاته النسائية. أما هذه الأخيرة فلا تبدو سوى وسيلة منه يتصور أنها تقوده إلى تلك الغاية الأسمى. بمعنى أنه إنما يستخدم إغواء النساء بسحره الخاص وفتنته، أو على أية حال ما يخيل له أنه كذلك، من دون أن يدرك ما سيشرحه لنا الفيلم من أن النساء “الضحايا” هن في الحقيقة اللاتي يتلاعبن به: يزعمن الاستجابة لوسائله الإغوائية الساذجة، كي يتمتعن إثر ذلك بهجرانه تاركاته يتخبط في حيرته وخيباته هو الذي كان يعتقد، وربما سيعتقد دائماً، أنه الديك الذي يتلاعب بالنساء على هواه. حركة دائرية حراك دائري في هذا السياق يبدو متعمداً إذاً ذلك الشكل الدائري الذي اتبعه المخرج في صياغة فيلمه، كما أشار النقاد الأكثر وعياً يوم ظهور الفيلم الذي يستغرق عرضه قرابة الساعتين ونصف الساعة. في هذا الإطار تناولت الحركة الدائرية من دون أي تصعيد لولبي، حكايات أعطيت بطولتها لنساء غالباً ما هن روايتها، ليقلن دائماً الشيء نفسه وفحواه أن كازانوفا وزمنه كما يقدمها فلليني في الفيلم، ليسا أكثر من آلية تقنية خاوية من الروح ومن المعنى الإنساني، ولعل ما يدل على ذلك هو ما تعمده المخرج من تكرار وتشابه في الفصول المحكية لا يخرج عن التعبير دائماً عن الشيء نفسه بغية إضفاء صورة حجرية جامدة مملة للبطل يمكن مقاربتها مع تعبير يفيد بأن التشابه هو في حقيقته موت أكيد. في النهاية لا شك أن كازانوفا الذي يقدمه فلليني إنما هو “بطل ميت”، أو في الأقل، شخصية تخلف حيثما توجهت شعوراً بالمرض والمعاناة وصولاً إلى الموت. وهو ما لم ينسه أحد أبداً للفنان الكندي الهوليوودي دونالد ساذرلاند الذي قام بالدور وكأنه ميت يتحرك بين موت وموت… وكأنه مرآة متعددة تعكس لنا صورتنا الخاصة، صورة فلليني الخاصة بالأحرى. المزيد عن: فيديريكو فللينيدونالد ساذرلاندكازانوفا فللينيالفن السينمائي الإيطالي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post لينا خوري “تلبنن” مسرحية وودي ألن في “أبو الزوس” next post إيرينا بوروغان – أندريه سولداتوف يكتبان عن : الخطر البحري الروسي You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026