ريتشارد فاغنر بين الفن والثورة وباكونين يحاول إشعال أوروبا (الموسوعة الموسيقية) ثقافة و فنون صورة جانبية لفاغنر الثوري “شبه الفوضوي” by admin 27 November، 2025 written by admin 27 November، 2025 70 سيد الأوبرا الألمانية الكبير رافق المتمرد الروسي باكونين في ثورة 1848 وفي الهرب بعد الهزيمة اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب هو موضوع سبق لنا أن تناولناه أو دنونا منه بصورة جانبية مراراً وتكراراً، ولكن يبدو لنا أن من المغري دائماً أن نعود إليه. وذلك بالتحديد لأن في كل عودة من هذا النوع لذائذ تتراكم، وكشفاً عن جديد. وفي نهاية المطاف لعل للأمور المتعلقة بهذه الحكاية جوانب لا تزال غامضة حتى اليوم ومثيرة لأقصى درجات الفضول. من نتحدث عنه هنا، هو الموسيقي الأوبرالي الألماني الكبير ريتشارد فاغنر، أما ما نتوقف عنده فيتعلق بسؤال طالما حير الباحثين والمؤرخين وربما أيضاً نخبة من محبي الأوبرا الألمانية والعارفين بحياة ومسارات سيدها الأكبر، وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً: هل كان فاغنر حقاً ذلك الثوري المناضل الذي توحي لنا به قراءتنا صفحات عديدة، وتبدو للوهلة الأولى نهائية، من سيرته الذاتية الضخمة “حياتي”؟ أم تراه بالغ حقاً في وصف منجزاته في هذا المجال، ودوره في ثورة عامي 1848 – 1849؟ طبعاً، مهما حاولنا أن نتحدث ونولف ما يمكن الحصول عليه من معلومات في هذا المجال، لا شك أننا لن نصل إلى جواب قاطع، بخاصة إذا ما اكتفينا بما يرويه فاغنر نفسه، أو حتى بما يستخلصه العدد الأكبر من متناوليه، سواء كانوا إيجابيين أم سلبيين بصدده، لكنَّ ثمة دائماً مكاناً لافتراضات تدنو من حقيقة ما. وهنا في السطور التالية سيكون مفيداً أن ندنو مما يضعنا أمام بعض الفرضيات التي تجمع خلاصات توصل إليها باحثون جديون جعلوا من الوصول إلى أقرب ما يمكن من “الحقيقة” حول خوض فاغنر السياسة من موقع ثوري، شغلهم الشاغل. فما الذي يقوله لنا توليفنا لتلك الاستنتاجات؟ في رفقة الفوضوي حين نتأمل سيرة فاغنر (1813 – 1883) يكاد يستحيل فصل موسيقاه عن رؤيته الفكرية والسياسية، فالرجل لم يكن مؤلفاً موسيقياً فحسب، بل شخصية مشبعة بالقلق الاجتماعي والرغبة في تفكيك البنى السياسية والثقافية القائمة في أوروبا القرن الـ19. ولعل أحد أكثر الفصول إثارة في حياته هو ارتباطه بالحركة الثورية في أربعينيات القرن، وبخاصة صلته بالفوضوي الروسي ميخائيل باكونين، والتي حملت طابعاً مركبا يجمع بين الإعجاب والالتباس والتأثير المتبادل. قبل التعرف على باكونين كان فاغنر قد دخل مرحلة من التحول الفكري والسياسي. فهو بينما كان يعيش في درسدن بصفته قائدا موسيقياً رسمياً، أخذ ينغمس تدريجاً في الفكر الراديكالي، مدفوعاً بإحساس غامض بأن النظام الملكي البروسي يقمع الحريات ويكبح الإبداع. وفاغنر كان متأثراً حينها بكتابات فيورباخ الذي دعا إلى تحرير الإنسان من القيود الكنسية ومنح القيم البشرية مركزية جديدة. وانعكس هذا التحول في نصوص نظرية له مبكرة مثل “الفن والثورة”، حيث حاول الربط بين الفنون، ولا سيما فن الأوبرا، والمشروع الإنساني التحرري. وفي هذا المناخ المتوتر جاءت ثورات 1848 الأوروبية لتفتح أمام فاغنر فضاءات جديدة. فاندفع فيها للتعبير عن حماسه السياسي بصورة مباشرة، مشاركاً في نشاطات المعارضة الديمقراطية في درسدن. وكانت تلك هي اللحظة التي ظهر اسم باكونين في حياته. Ereignisblatt_aus_den_revolutionären.jpg, by adel.ali ظهور باكونين كان ميخائيل باكونين (1814 – 1876) حينها أحد أبرز الوجوه الثورية في أوروبا، ذا شخصية كاريزمية وقوة خطابية جعلته محوراً في حلقات المعارضين والطلاب والمفكرين. وهكذا عندما وصل باكونين إلى درسدن في ربيع عام 1849 وجد فاغنر فيه تجسيداً حياً للحلم الثوري. بمعنى أن موسيقياً متمرداً يبحث عن الخلاص الفني اكتشف أن هذا الثائر الروسي يجسد رغبته في إسقاط القديم كشرط أساس لبناء عالم جديد. في درسدن التقى الرجلان مرات عدة. وكان باكونين مؤثراً ليس فقط في مواقف فاغنر السياسية، بل في مخيلته أيضاً. وها هو فاغنر يحدثنا عن ذلك لاحقاً بقوله إن باكونين كان يبدو كقوة من قوى الطبيعة… أشبه بإعصار فكري وإنساني. وربما يكون قد اكتشف عنده ما افتقده دائماً لدى المثقفين الألمان: الجرأة على الفعل لا مجرد التنظير، لكن على رغم الإعجاب الذي سرعان ما أضحى متبادلاً بين الرجلين، لم تكن العلاقة بينهما علاقة تبن فكري كامل. فبينما كان باكونين يؤمن بالفوضوية الثورية وإلغاء الدولة جذرياً، كان فاغنر وحتى في أقصى مراحل راديكاليته، متردداً في تبني مشروع سياسي محدد. كان تمرده أقرب إلى أن يكون مرتبطاً بنزعة جمالية – أخلاقية ترى في الفن طريقاً لبعث إنساني جديد، لا مجرد وسيلة في لعبة قلب الأنظمة. وهذا التفاوت بين فاغنر وباكونين بدا واضحاً إبان انتفاضة درسدن نفسها. فبينما شارك باكونين في المعارك وفي التحريض المباشر على الثورة، ظل فاغنر في دائرة الدعم الفكري والتنظيمي، فكتب منشورات للثوار وتواصل مع قادة الحركة، لكنه لم يتجاوز ذلك إلى حمل السلاح. ومع هذا فإن وجود اسمه في اللوائح الرسمية للمطلوبين بعد فشل الثورة، يشير إلى أن السلطات رأت فيه عنصراً خطراً، لا مجرد فنان متعاطف. التأثير المفقود غير أن ثمة واقعاً يفرض علينا أن ندنو منه هنا، وهو أن سنوات فاغنر الثورية، ولا سيما منها ما يتعلق بصداقته لباكونين وتأثره به، لم تثمر لدى الموسيقار أعمالاً فنية ثورية بالمعنى السياسي للكلمة، حتى وإن كانت قد أعادت صياغة رؤيته للأوبرا ولجدوى الفن. فهو بعد هربه إلى زيوريخ، وتحديداً في رفقة باكونين، كتب نصوصاً نظرية مثل “الأوبرا والدراما” التي رسم فيها مشروعه الفني القائم على شمولية العمل الفني. وهذه الرؤية، على رغم بعدها الجمالي، تحمل تلميحات سياسية واضحة الهدف. فالفن بات عنده وسيلة لاستعادة الوحدة التي فقدها المجتمع في ظل الانقسامات الطبقية والصناعية. من هذا المنظور، لم يكن فاغنر ثوريا بالمعنى الباكونيني، لكنه كان ثورياً في الفن يرى أن أي تحول اجتماعي يحتاج أول ما يحتاج، إلى إعادة بناء الروح الجماعية عبر أسطورية جديدة. وهي الفكرة التي ستتخذ لديه لاحقاً طابعاً ملتبساً بسبب اقترابها من أفكار القوميات الرومانسية الألمانية التي تعد الجذر الذي ستنبني النازية عليه. وبقي أن نذكر هنا أن بعد فشل ثورة 1848 – 1849 وهرب باكونين وفاغنر الشهير، تباعدت الطرق بين الرجلين، فواصل الأول طريقه الثوري حتى نهايته، بينما انصرف فاغنر إلى مشروعه الموسيقي الذي سيبلغ ذروته في “خاتم النيبولنغن” و”تريستان وايزولده” و”بارسيفال”. ومع أنه تخلى عن نشاطه السياسي المباشر، إلا أن سنوات الثورة بقيت تحكم رؤيته للعالم سواء في نزوعه إلى الخلاص الجماعي، أو في فكرته عن الفن بوصفه أداة للتغيير. ففي اختصار تبدو لنا في النهاية العلاقة بين فاغنر وباكونين لحظة التقاء تاريخية بين موسيقي يبحث عن معنى ثوري لفنه، وثائر يحاول إشعال أوروبا. المزيد عن: ريتشارد فاغنرميخائيل باكونينثورات 1848 الأوروبيةمدينة درسدن الألمانية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الاعتداء الجنسي على الصغار… ضحايا في صمت الاستحياء next post الموريتاني محمد عبداللطيف يفند الفكر السلفي روائيا You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026