لوحة للرسام شوقي يوسف الذي يحمل الكتاب رسوماً له (صفحة فيسبوك) ثقافة و فنون عبده وازن يكتب عن: شعرية البحر تتجلى في “أبعد من الرماد” لعيسى مخلوف by admin 23 November، 2025 written by admin 23 November، 2025 75 “لا عين تتسع” قصائد تحتفي بالطبيعة والذات وترثي ضحايا الموت المفتوح اندبندنت عربية / عبده وازن يسترجع الشاعر عيسى مخلوف في كتابه “أبعد من الرماد” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2025) شعرية البحر ليكتب نصاً يتراوح ما بين الشعر الحر وقصيدة النثر والنفس الغنائي، منفتحاً على البعد التأملي والوجودي، وعلى الترميز الأسطوري، كما يتجلى في الجزء الأول من الكتاب الذي يحمل العنوان نفسه. على أن النصوص أو القصائد القصيرة التي يضمها الجزء الثاني وعنوانه “لا عين تتسع”، تختلف في ظاهرها عن النص الطويل ولكن ليس في روحها. لا شك في أن الشاعر بصفته “شاهداً” على مآسي العالم، عاش التراجيديا الرهيبة التي اختبرها المهجرون والمشردون الهاربون من جحيم الحروب والموت والأسى، والمرتمون في اليمّ الشاسع، بحثاً عن ملاذ أو خيمة، على الشواطئ الآمنة المترامية حول المحيط، أو في المدن القليلة التي فتحت أبوابها لهم، لكنّ كثراً من هؤلاء الهاربين لم ترحمهم أمواج البحر فغرقوا في اللجج أو طفوا على الصفحة الزرقاء، جثثاً ممزقة ومهترئة. الكتاب الشعري (المؤسسة العربية) ما كانت هذه المشاهد التي خلقت حالاً مأسوية عالمية، لتعبر عيني الشاعر ووجدانه، عبور الطيف، فراح يتأمل ويرثي، واقفاً وقفة الشعراء، منذ أيام أرميا صاحب “المراثي”، أمام أنقاض العالم ومقتلاته وخرائبه، وقد تكون هذه المشهدية الأليفة واحدا من الحوافز الخفية التي أشعلت في دخيلاء الشاعر الرغبة في كتابة قصيدة البحر، في أبعاده المتعددة، الفلسفية والجمالية والوجدانية، والمأسوية حتماً التي بلغت أوجها في “مناظر” الغرقى والمراكب المحطمة. يتحدث عيسى مخلوف عن الغرقى مواربة وليس في المباشر، وفي طريقة مجازية، جامعاً بين أرواح الموتى أو الغرقى والمدى البحري قائلاً: “هل أتساءل ثانية عما إذا كانت نفوس الغرقى أكثر اتساعاً منك أيها البحر أم أنك الأكثر اتساعاً؟”. ولئن بدا الغرقى كأنهم ينتمون إلى مأساة العصر، فهم يرمزون أيضاً إلى غرقى التاريخ البحري، منذ أن شرع الإنسان يخوض غمار هذا المجهول. يندرج الجزء الأول من كتاب “أبعد من الرماد”، وهو الأساس، في “شعريات” البحر، على رغم انطلاقه من رمزية الظاهرة المأسوية التي شهدتها شواطئ المتوسط في الأعوام الأخيرة، لكن النص أو القصيدة هذه تغوص في عالم البحر، رمزياً وأسطورياً ومشهدياً، لترسخ العلاقة القائمة بين الشاعر والبحر، وهي علاقة وجدانية وفلسفية وجمالية، قديمة ومتجددة. “ثمة في أعماق البحر ما يختلج في أعماقنا” يقول الشاعر، ويخاطب البحر قائلاً: “هكذا استحالت أمواجك حروفاً وكلمات”، مما يعني أن ثمة حال “وحدة وجود” بين اليم والروح، مثلما ثمة علاقة بين الموج والكتابة. البحر الذي تكمن أسرار الكون في أعماقه، هو مثيل الشاعر الذي يخفي في أعماقه أسرار الحياة والموت، وكلاهما يخفي في هذه الأعماق كنوزاً من “اللقى”، لؤلؤاً ومرجاناً هنا، ورموزاً ومجازات وغرائب هناك. إنها الأمواج التي تأتي بـ”المصادفات” وترميها على الرمل، تأتي بـ”مصادفات” من حروف وكلمات إلى صفحات الشاعر. وحدة وجود غير أن “وحدة الوجود” هي أيضاً في وجه آخر وحدة “حلول” فيزيقية وميتافيزيقية، بين عناصر الطبيعة نفسها، بين الرمل والموج، بين ماء البحر ونور الشمس، بين النجوم وانعكاساتها وسع المد والجزر، بين الحركة والثبات… وقد يكون مفيداً هنا استعادة عقيدة “الحلولية” أو “البانثية” (بانتييسم) التي قال بها الفيلسوف سبينوزا، وهي عقيدة فلسفية وروحية تؤكد أن الإله والكون شيء واحد، فبحسب هذا التصور لا يُعدّ الله كياناً منفصلاً عن العالم ولا خالقاً خارجه، بل هو مجمل ما هو موجود، أي الطبيعة نفسها في تنوّعها وحركتها. وهكذا يصبح كل ما في الوجود جزءاً من المقدس، الكائنات الحية، والمادة، والقوى الطبيعية، وحتى القوانين التي تنظم الكون. يقول مخلوف: “يمسي سطحك مرآة كبيرة تتمارى فيها المجرات والكواكب”، أو يخاطب البحر: “أي تجربة كونية تختزن في داخلك”، ويضيف: “أنت الشاسع، المخيف المطمئن، أنت الغرق والنجاة، لغز الكون الأكبر، أنت السفر بعد طول وعد”. الشاعر عيسى مخلوف (صفحة فيسبوك) وتقدّم “البانثية” علاقة روحانية مميزة مع الطبيعة، والبشر جزء لا ينفصل عنها. يقول مخلوف: “إليك نعود أيها البحر كلما ابتعدنا”، وكأن البحر هو نقطة الرجوع المنتظرة، بل كأنه بقعة الامحاء الصوفي لكونه “الخبيء” في الذات: “أخالك تتقدم نحوي وأنت ماثل في مكانك”، والثبات لا يعني الجمود، فالشاعر يذكر بمقولة الصيرورة الهيراقليطية قائلاً: “أمواجك المكرورة والمتشابهة ليست مكرورة ومتشابهة على الإطلاق”، فهي تتجدد بتجدد الزمن الذي يتحرك دوماً إلى الأمام. كأن الأمواج التي تجدد البحر تشبه مياه نهر هيراقليط المتجددة دوماً، بل هي الأمواج التي تظل في حركة متعاكسة “تخبط وتعلو، تستكين وتتلاشى”. ولا بد من أن يسأل الشاعر المتأمل: “هل نفوس الغرقى أكثر اتساعاً منك أيها البحر أم أنك الأكثر اتساعاً؟”، لكن الغرقى يذهبون تماماً حين يذهبون، كما يعبر، ولو نطق هؤلاء الموتى مرة واحدة “لتغير وجه الحياة”. لكن قدر الحياة أن “نترك الرماد للرماد/ نضع وجوهنا بين راحات أيدينا ونشم عطور الذين ذهبوا”. هنا تحضر النغمة الرثائية، وأقول نغمة، لأن هذه القصيدة تتهادى بحسب وقع موسيقي داخلي، هو شبيه موسيقى أورفيوس الذي رثى حبيبته المفقودة مرتين، فالبحر كما يخاطبه الشاعر، سحرته موسيقى أورفيوس، وهدأت إيقاعات موجه. وإزاء الإيقاع الأورفيوسي، يسترجع الشاعر الإيقاع اللوني للبحر، فلا أحد ولا عنصر طبيعياً يعرف الألوان وتدرجاتها أكثر من البحر، يقول الشاعر: “من اللازورد يخرج الأزرق والبنفسجي، ويتوهج الذهب عند الغروب”. البعد الميتولوجي يقارب عيسى مخلوف البعد الأسطوري من خلال استعادته بعض الأسماء اللامعة في الميتولوجيا الإغريقية، مثل يوريديس التي يهديها القصيدة، وهي حبيبة أورفيوس الموسيقي والشاعر الذي سحر الطبيعة والآلهة بعزفه وغنائه، لكنه فقد الحبيبة بعدما عصى أمر الآلهة ونظر إلى الوراء ليراها، فأعيدت إلى الجحيم، فتاه في البراري مواجهاً مصيره. يقول عيسى: “حبها أقوى من الموت”، مسترجعاً عوليس من “أوديسيه” هوميروس، هو الذي كان يراقب النجوم بحثاً عن “النجمة الوحيدة التي لا تغوص أبداً في حمامات المحيط”. ويتحدث عن هوميرويس الذي “يدعونا بعينيه الفانيتين إلى مرافقة البحر وأشرعته الممتلئة”. هذا أيضاً إيكاروس الذي يخاطب أهله في القصيدة قائلاً: “دنوت عمداً (من الشمس) لأصبح شعاعها المتأخر وأزيح السمع عن الشعلة / فلا يعود ثمة ما يفصلني عنه”. هنا يتحد إيكاروس بالشمس ويصبحان واحداً في الاحتراق. كذلك يعبر طيف سيزيف الذي “يرفع صخرته إلى أعلى وسرعان ما تهبط”، مجسداً حال العبث التي تمثل وجهاً من وجوه العالم. وفي سياق الكلام عن الرموز الإغريقية تحضر مقولة أفلاطون حول عالم المثل ولكن حضوراً شعرياً، فـ”الشمس التي تشرق كل صباح / ظل لشمس أكبر”، ثم يطرح الشاعر هذه القضية متأملاً فيها قائلاً: “نكتشف أن الإبداع سابق لوجودنا، أن الشعر حاضر قبل القصيدة”. ويسأل أيضاً: “هل من ولادات سابقة لهذه الولادة؟”. وفي وقفة أمام سطوة الزمن ورهبته وعبوره الدائم يقول مخلوف: “تمهل أيها الوقت، لقد حان موعدنا، أيها الزمن سنلقي مرساة الرحلة الأخيرة في وضح نهار آخر وستبدأ رحلة جديدة”. وهنا لا بد من الإلماح إلى الروح الرومانطيقية والفلسفية التي تتبدى بوضوح في المعاناة التي يكابدها الشاعر أمام هول الزمن الذي يمضي إلى الأمام المجهول. وهنا لا بد من أن نتذكر لامارتين الذي قال في قصيدة “البحيرة”: “أيها الزمن أوقف طيرانك”، أو بودلير الذي قال في قصيدة “الإنسان والبحر”: “أيها الإنسان الحر، ستقدّر البحر دائماً. البحر مرآتك، فتأمل روحك”، أو في قصيدته الرهيبة “السفر”: “يا موت، أيها القبطان العجوز، حان الوقت، لنرفع المرساة”، وكذلك نيتشه في “هكذا تكلم زارادشت” وجبران في وداع السفينة في “النبي”. ومثلما تمت الإشارة، تنتمي قصيدة “أبعد من الرماد” إلى شعريات البحر التي تؤلف تراثاً عظيماً منذ هوميروس حتى بول فاليري ووفرناندو بيسوا وسان جون بيرس وسواهم وهم كثر جداً. “لا عين تتسع” في الجزء الثاني من الكتاب وعنوانه “لا عين تتسع” تحضر قصائد ونصوص منفتحة على الشعري في تجلياته الداخلية والطبيعية والوجدية أو الصوفية. نصوص حرة ليست بعيدة عن مناخ القصيدة الطويلة “أبعد من الرماد”، بل هي تدور في أفقها وفي جوارها وأقاصيها، ولا تبتعد عن معجمها، فالبحر هنا والموجة والسماء والمسافرون والموتى وعوليس: “بعد مرور وقت طويل، لا يبقى عوليس هو نفسه والجزيرة التي غادرها لا تبقى على حالها”، أو “ماء البحر ليس ماء الدمع الذي يصعد شيئاً فشيئاً نحو القمم”، أو “الموجة ليست كفناً، حضن الغائب هي، تهدهده لينام”… لا تغيب مأساة فلسطين أو غزة عن الكتاب – الديوان لكنها تحضر حضوراً إلماحياً أو عبر التورية، فيكتفي الشاعر بمفردات المأساة وصورها، بل آثارها الجارحة: “لا عين تتسع لرؤية ما نرى”، “هذا هو المدى، أجساد مفككة والعيون كرات بلا جفون، خصلات شعر أنثوي تخرج من الأنقاض كأعشاب أرض منسية”، “هل نحن أمام بشر أم حطام، وجوه أم أقنعة انقلبت فيها الملامح؟”، “محصلة القصف أطفال بلا أطراف”، “من ركام خرجت الأجنة لا من بطون أمهات”. ويضيف: “الناجون من الحروب قتلهم ظنهم أنهم أحياء… الناجون من الحرب ليسوا أحياء ولا موتى”. إنها الحال الإنسانية وقد التبست بين حياة هي وجه آخر للموت أو هي الموت نفسه. وختاماً لا بد من الإشارة إلى اللقاء العميق بين الشعر والنثر في كتاب عيسى مخلوف، وهما عبر هذا اللقاء يشكلان وجهاً واحداً لتجربة متعددة: النظر المتأني إلى الطبيعة، الإصغاء العميق إلى الماوراء، البعد الفكري والاحتفاء بالفن والموسيقى والجمال، علاوة على وعي الزوال الذي يهدد العالم والإنسان. المزيد عن: شاعر لبنانيقصيدةشعرالبحرالغرقىالميثولوجيا الإغريقيةهوميروسعوليسالنثر 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أميركا وتصنيف “الإخوان” كمنظمة إرهابية.. ماذا يعني ذلك؟ next post اغتيال الضاحية: إسرائيل تطلق خطة “تحجيم حزب الله” You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026