أكيرا كوروساوا (1910 - 1998) (الموسوعة البريطانية) ثقافة و فنون يوم اكتشف كوروساوا حكاية بتاريخ بلاده تتطابق مع المسرحية الشكسبيرية by admin 23 نوفمبر، 2025 written by admin 23 نوفمبر، 2025 64 النتيجة فيلم “ران – لير” الجامع بين حضارتين وعقليتين وشخصيتين متناقضتين اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب تقول الحكاية إن الفتى الذي كانه من سيصبح لاحقاً إمبراطور السينما اليابانية من دون منازع، أكيرا كوروساوا، “اكتشف” وهو يقرأ الأعمال الكاملة لشكسبير خلال أعوام ما قبل مراهقته، أنه قد أغرم أكثر ما أغرم بمسرحية “الملك لير”، وراح يقرأها ويقرأها مراراً وتكراراً إلى درجة أنه حفظها مترجمة عن الإنجليزية بأكثر مما حفظ أي نص أدبي آخر في حياته، بل إنه بعد ذلك بأعوام راح يقول لمن يحب أن يصغي إليه، إنه ربما اختار السينما مهنة لحياته لمجرد أن ينقل تلك الحكاية إلى الشاشة الكبيرة ذات يوم، لكن كوروساوا، إذ اقترب من ختام حياته التي كرسها للفن السابع بشكل جعله واحداً من كبار سينمائيي العالم، وإذ نقل تلك الحكاية إلى الشاشة بالفعل، بمبادرة من منتجين أجانب وقمم سينمائية غربية دعمته حين تقاعست أموال بلاده وسلطاتها عن ذلك، وحين قيض له بالفعل أن يتمتع بأقصى درجات الحرية في اختيار أعمال أخيرة ليؤفلمها، وحين بات اقتباس “الملك لير” للسينما في متناول يده، لم يحقق هذه المسرحية للشاشة تماماً، وكما كان قد وعد نفسه دائماً، بل استعاض عن ذلك بتوليفة لا تشكل تحفة شكسبير سوى بعض أبعادها. والسبب بسيط ومنطقي، فالفنان الياباني الكبير اكتشف ذات عام وهو يقلب في تاريخ اليابان زمن الإقطاعيين والساموراي وصراعات القرون الوسطى، حكاية حقيقية تبدو شديدة الشبه بالحكاية الشكسبيرية، فكان من الطبيعي ألا يمعن الفكر طويلاً قبل أن يتخذ قراراً شجاعاً بالتوليف بين الحكايتين وتوحيد تناقضاتهما، ليطلع من كل ذلك بفيلم “ران” الذي سيكون واحداً من آخر أفلامه، فيستقبله الغرب بوصفه اقتباساً حراً للملك لير، وينظر إليه اليابانيون بكونه حكاية تنتمي إلى تقاليدهم، حتى وإن لم يحبوا المشروع كله، كعادتهم وهم الذين دائماً ما طبقوا على سينمائيهم الكبير مقولة “لا مكان لنبي في وطنه”. مشهد من فيلم “ران” لكوروساوا (أمازون) من بلاد الإنجليز إلى اليابان صحيح أن تعامل السينما العالمية مع فيلم “ران” (1985) ظل ينظر إليه بوصفه اقتباساً لحكاية الملك الذي وزع الجاه والسلطة والمال على بناته الثلاث لتغدر به اثنتان منهن، ويغدو هو متسولاً بائساً، لكن عالم السينما حدد الفوارق بين العملين منذ البداية كما تساهل مع المتشابهات بينهما في لفتة احترمت تلك الاندفاعة الأخيرة التي أبداها كوروساوا في مجال إصراره حتى الأعوام الأخيرة من حياته على ذلك التضافر الأممي الخلاق الذي ظل دأبه الدائم بين الحضارتين الرئيستين بالنسبة إليه، اليابانية والغربية، وهو التضافر ذاته الذي سيبقى محترماً حتى بعد رحيل السينمائي الكبير، ويعيدنا هذا الكلام هنا إلى الفيلم نفسه، ففي فيلم “ران” يعد عادة إحدى القمم الرفيعة في السينما العالمية وذروة من ذرى الابداع المتأخر لكوروساوا، في هذا العمل الذي يمكن وصفه بأنه لوحة ملحمية مرسومة على اتساع الطبيعة اليابانية، بحسب إجماع النقاد، يقدم كوروساوا صياغة جديدة للحكاية الشكسبيرية ولكن بعدما صهرها في بوتقة التراجيديا اليابانية التقليدية خصوصاً عبر تقاليد مسرح “النو” (فن مسرحي ياباني) وتقنيات السينما الملحمية. ويبدأ الفيلم كما نعرف بقصة اللورد العجوز هيديتورا إيتشيمونجي الذي يقرر التخلي عن السلطة وتقسيم مملكته بين أبنائه الثلاثة، ولكن في هذا الخيار المفترض أن يمنح الشيخوخة سلامها وطمأنينتها تنشأ بذور الخراب التي ستمتد رويداً رويداً لتحرق العالم كله. وكما أشرنا، على رغم أن الهيكل الدرامي هنا يحاكي “الملك لير” فإن كوروساوا لا يعيد إنتاج شكسبير بل يستخدمه كمرآة يعكس فيها صراعات اليابان الإقطاعية وعنفها البدائي. ثمن جرائم الماضي والحقيقة أن شخصية هيديتورا هنا ليست تجسيداً لعجز الشيخوخة بقدر ما هي مرآة لطاغية سابق بدأ يدفع الآن ثمن جرائم ماضيه. وهذا التحويل الدرامي يجعل “ران” أكثر قسوة من “الملك لير” بكثير، ففي حين يقدم لير بوصفه ملكاً ساذجاً مخدوعاً، يظهر هيديتورا كقائد دموي صنع مملكته بحد السيف، فتأتي فوضى انهيارها بمثابة تحقيق الأقدار للعدالة بصورة منطقية. ومنذ البداية يدرك مشاهد العمل الكوروساوي أنه أمام فيلم سينمائي شديد العناية بالشكل، إذ إن الطبيعة بجلالها وجمالها وغموضها لا تشكل خلفية للحكاية، بل شخصية بطولية قائمة في ذاتها، بخاصة أن اللقطات العامة الملتقطة من بعد، التي من عادة كوروساوا أن يفضلها تمنح المشهد بعداً شبه أسطوري كأن الشخصيات تتحرك على رقعة شطرنج هائلة تتحكم فيها قوى غير مرئية. وفي السياق الشكلي نفسه يتميز الفيلم باستخدام اللون بطريقة تكاد تكون موسيقية، بدءاً من أزياء الإخوة الثلاثة، الأصفر والأحمر والأزرق، التي لا تستخدم هنا كمجرد علامات بصرية، بل هي رموز مهمتها خلق التوازن وصولاً إلى الانفجار الكبير، حين تبدأ المعارك فتحول اللون إلى جحيم بصري: الأحمر يسيطر على الشاشة كأن الدم يغمر العالم، وهنا يستعين كوروساوا في المعركة الأشهر بصمت تام، وحتى بلا مؤثرات صوتية ولا حوار لتتحول الكارثة إلى لحظة تأملية مرعبة ترى من دون أن تسمع، ولسوف يبدي مخرجنا ندمه في أحاديث صحافية كثيرة حول هذا الفيلم لكونه قد تأخر طويلاً في استخدام هذه اللغة بعدما فكر في اللجوء إليها بالنسبة إلى عدد من أفلامه السابقة الكبيرة “لكنني جبنت وترددت في اللحظات الأخيرة”. من المسرح إلى الشاشة وبقي أن نشير هنا أخيراً إلى عنصر شديد “اليابانية” بل يبدو شديد الأهمية بالنسبة إلى جهود كوروساوا الفنية عند آخر مراحل حياته، ويشكل أحد أسرار قصة “ران” وهو يتعلق تحديداً في إدماج عناصر مسرح “النو” في بناء الشخصيات خصوصاً في تعبيرات الوجوه والحركات البطيئة والمركزة، هيديتورا، بوجهه الملون وخطوطه الحادة، يبدو أقرب إلى شخصية مسرحية معلقة بين الحياة والموت. ومن الواضح أن هذه الطريقة تمنح الفيلم بعداً أسطورياً، وكأن الأحداث لا تقع في زمن محدد بل في فضاء رمزي تتسارع فيه قوى التاريخ والقدر، وإلى هذا يظهر تأثير مسرح “الكابوكي” في الإيقاع البطيء المحسوب بدقة موسيقية لتتالي المشاهد، وفي التركيز على المشاهد الطقوسية التي تكشف عن عزلة الشخصيات ومصائرها المحترمة، ومع ذلك يحرص كوروساوا على ألا يتحول فيلمه إلى قطعة مسرحية بل يظل سينمائياً إلى أقصى الحدود. ومهما يكن من أمر فإن كوروساوا الذي يعود هنا مرة أخرى إلى شكسبير من خلال ما يشبه التطابق في لغة الشر بين شخصية كاييدي زوجة الابن الأكبر التي تسعى هنا للانتقام لأبيها من أسرة هيديتورا، وشخصية الليدي ماكبث في مسرحية “ماكبث” الشكسبيرية، كوروساوا هذا لا يقدم الشر والفوضى في “ران”، وكلمة “ران” معناها الفوضى على أية حال، كمجرد نتيجة للصراع على السلطة بل كقاعدة تحكم الحياة، إذ لا تطالعنا الفوضى كفعل سياسي وحسب، بل كفعل وجودي، مما يضفي على الفيلم طابع الوصية التي يريد المخرج أن يتركها للأجيال التالية له بكل تأكيد. المزيد عن: أكيرا كوروساوافيلم ران ليرالسينما اليابانيةالسامورايمسرح النو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هوس الجيل زد بفيلم “عيون مغمضة على اتساعها” وصلته بفضائح إبستين next post جعفر بناهي: تمنيت تمثيل إيران في “الأوسكار” You may also like “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026