غلاف “الحياة ليست رواية“ لعبده وازن. (دار المتوسط) ثقافة و فنون مهى سلطان تكتب عن بين ميشال فوكو وعبده وازن: النفي كاستراتيجية فكرية في “الحياة ليست رواية” by admin 15 نوفمبر، 2025 written by admin 15 نوفمبر، 2025 71 الرواية التي تقول إن “الحياة ليست رواية”، هي في ذاتها رواية عن الحياة. “النهار” / مهى سلطان يستكشف هذا المقال العلاقة المفترضة بين قراءة ميشال فوكو الفلسفية للوحة رينيه ماغريت “هذا ليس غليوناً” وبين بُنية النّفي التي تتأسّس عليها رواية عبده وازن “الحياة ليست رواية”. تنطلق هذه المقاربة من فرضية أن النفي في العملين ليس رفضاً للواقع أوللتمثيل، بل ممارسة معرفية تكشف حدود العلاقة بين اللغة والعالم، وبين التجربة والكتابة عنها. حين كتب فوكو نصّه الشهير عام 1973 “هذا ليس غليوناً” (Ceci n’est pas une pipe)، لم يكن بصدد تحليل لوحة فنية فحسب، بل كان يمارس تفكيكًا عميقًا للعلاقة بين الصورة والكلمة، بين الدالّ والمدلول، بين ما يُقال وما يُرى. فالعبارة المرافقة لصورة الغليون عند ماغريت ليست مفارقة ساخرة أو تلاعب من صنيع احد كبار السورياليين، بل تمرين على النفي بوصفه وعياً فلسفياً. فالصورة تُظهر غليوناً، لكن اللغة تنفيه. وهذا النفي لا يُلغي الموضوع، بل يكشف أن ما أمامنا ليس الغليون ذاته، بل تمثيله أي خداع الواقع بوسائطه. لوحة رينيه ماغريت “هذا ليس غليوناً“. (Thomas Hawk) من هذا المنظور يمكن قراءة رواية عبده وازن “الحياة ليست رواية” (عن منشورات المتوسط- 2025) بوصفها استمراراً أدبيًا لذلك الوعي الفوكويّ، إذ تنفي الرواية التطابق بين الحياة وتمثيلها السرديّ، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للحياة أن تُروى كما هي؟ أم أن كل كتابة هي، في جوهرها، نفيٌ للحياة بقدر ما هي محاولة لالتقاطها ؟ يقدّم وازن في عنوانه إعلاناً تفكيكياً شبيهاً بعبارة ماغريت، فالرواية عن الحياة تبدأ بإنكارها، كي تفتح مسافة نقدية بين العيش والكتابة. كلا العملين، لوحة ماغريت ونص وازن، يمارسان نفيًا فلسفيًا يكشف لا يُلغي، ويزعزع يقين العلاقة بين التجربة وتمثيلها. وسرّ الرواية لا يكمن في عنوانها الملتبس فحسب، بل في سلاسة سردها، التي تبدو طبيعية وتلقائية، بلا حبكة تقليدية ولا خاتمة مغلقة. فالنص مفتوح ومتداخل، والبوح فيه أليف يشبه الاعترافات التي تتطور شيئاً فشيئاً في تعريف الشخصية وطباعها ومحيطها. إنها رواية السهل الممتنع. معجم روايات عالمية وعربية، غير أن الأحداث فيها لا تخرج عن الأقدار المرسومة للشخصيات الثلاث التي تتحرك في دروب بيروت، بماضيها وحاضرها وأمكنتها ومقاهيها وذاكرة حروبها. بيروت التي تنفتح نوافذها على ثقافات العالم. أنا قارىء إذاً أنا موجود يقدّم وازن بطله بلا اسم، معرّفاً نفسه بعبارة «أنا قارئ» ليجعل من القراءة موهبة ومهنة وطقساً وهوية بديلة. هذه العبارة تختزل رؤية فوكو في “الكلمات والأشياء” (1966)، حيث يرى الإنسان الحديث “أثراً لغوياً”، لا كياناً ميتافيزيقياً مكتفياً بذاته. فالقارئ عند وازن يعيش في النصوص أكثر مما يعيش في الواقع؛ يقرأ ليقاوم هشاشة الوجود. وهذا ما يجعل الرواية تمارس، على نحو فوكويّ، نوعاً من أركيولوجيا الذات اللغوية. فقد جعل وازن “القارىء” محركاً للسرد، لكأنه شخص محذوف من الحياة العامة، بسبب الحب الناقص الذي لم يتح له ان يكتمل، وقد يكون نقصانه هو الذي جعله بمثابة حدثٍ وجوديّ بلا مثيل. غير أن النصوص التي تمنحه هويته تصبح سجنه أيضًا. وهنا يستعيد وازن المفهوم الفوكوي للمعرفة كسلطة تمارس فعلها على من يظن أنه يملكها. “الحياة ليست رواية“ لعبده وازن. (دار المتوسط) المثلث العشقيّ تتمحور الرواية حول مثلث عاطفي يجمع القارئ بجوسلين وجوزف، في حبّ غير متكافئ يعيد صدى شخصيات دوستويفسكي. جوسلين الفرنسية اللبنانية العائدة إلى بيروت بعد الحرب، تقع في قلب هذا المثلث بوصفها مرآة للفقد والاغتراب. القارئ يحبّها بصمت، وجوزف يفوز بها دون أن يبادلها الشغف ذاته. خلف هذه العلاقات تتجلى بيروت بذاكرتها المثقلة بالحرب والانقسامات، وخطوط التّماس والانفجارات والحنين والخطف والقنص. إنها مدينة تُكتب أكثر مما تُعاش. وبيروت وازن نصٌّ متعدّد الأصوات والطبقات، يتكوّن من تداخل خطابات: الحب، العزلة، الفقد، والسياسة، في فضاء لغويّ واحد. ينسج عبده وازن هذه العلاقات المتقاطعة وصراعاتها الخفية بلغة رائقة مشبعة بالعاطفة والحنين والتساؤل، لتغدو الرواية مختبراً لمشاعر ثلاثية تكشف الحب وانكسار الذات أمام الآخر. ومن خلالها تتشابك طبقات السرد بين استحضار مآسي الحرب الأهلية وذكريات الماضي، وإيحاءات من روايات عالمية تشكّل خلفية فكرية وجمالية للنص .فالرواية التي تقول إن “الحياة ليست رواية”، هي في ذاتها رواية عن الحياة. وهذا التناقض الظاهريّ هو لبّ اللعبة الفكرية: حيث يصبح شرط الحضور هو الغياب، والنفي لا يهدم المعنى بل يؤسسه من جديد. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post محمد أبي سمر يكتب عن: دُوار التهجير الجنوبي المديد والنكبة الوجودية next post فاتنات بورن جونز اليائسات في لوحة “فينوس ومرآتها” You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026