الأحد, مارس 8, 2026
الأحد, مارس 8, 2026
Home » محمد أبي سمر يكتب عن: دُوار التهجير الجنوبي المديد والنكبة الوجودية

محمد أبي سمر يكتب عن: دُوار التهجير الجنوبي المديد والنكبة الوجودية

by admin

منذ نكبة فلسطين والفلسطينيين في العام 1948، عاشت قرى وبلدات لبنان الجنوبية الحدودية على قلق وقطيعة بترت علاقاتها بشمال فلسطين وأسواقها المحلية القريبة. وانقطعت كذلك هجرات جنوبيين للعمل الموسمي في المدن الفلسطينية. ومن آثار تلك القطيعة واحدة من موجات هجرة بعض أهالي قرى حدودية نحو صيدا وبيروت.

المدن الالكترونية / محمد أبي سمر

يعيش لبنان نكبة مديدة ومتمادية. ويبدو خروجه منها صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا في المدى المنظور. وهي انفجرت ماليًا واقتصاديًا وسياسيًا، فجأة وعلى الغارب في وجه اللبنانيين وفي غفلة منهم منذ العام 2019. لكن أعراضها كانت تتفشى كمرض مزمن في نسيج حياتهم وعلاقاتهم كلها. مرض يتعايشون معه كأنها قدر، فيغضون طرفهم عنه ويتناسونه، مدركين أنهم عاجزون عن علاجه، لأنه يتشبث كسرطان في نمط عيشهم واجتماعهم وتراثهم، وفي تدبير شؤونهم السياسية. وفي 17 تشرين 2019 انتفضوا فجأة على مرضهم بزعمائهم وعصبياتهم متبرئين منهم ومنها. لكنهم فشلوا، ويائسين انكفأوا إلى التعايش مع نكبتهم التي صارت معلنة ومكشوفة ولم تعد مستترة.

وفي قلب ذاك المرض اللبناني المزمن الذي انفجر نكبة عامة، خصَّ القدر الجغرافي والتاريخي والعصبي الشيعة اللبنانيين بنكبة أعتى وأفدح، يرى كثيرون أنها بلغت بهم حال تهديد وجودي منذ بدأت إسرائيل حربها الصاعقة، الدموية والمدمرة، على “حزب الله” وعمرانهم ومناطقهم وديارهم كلها، قبل أكثر من سنة، من دون أن تتوقف حتى اليوم.

والأرجح أن التهديد الوجودي الماثل والمستمر، يشمل لبنان كله، دولةً وكيانًا سياسيًا وجماعات ومجتمعًا خاويًا منهكًا متهالكًا، وتتناهبه الفوضى والتمزق. لكن الجماعات اللبنانية نشأت وتكونت وتعوّدت، شأن الجماعات المشرقية كلها، على أن تنضوي حائرة قلقة وصاغرة وبلا إرادة منها في دولة وكيان سياسي موقتين. وهذا من دون أن تُجمع كلٌ منها إلا على هويتها الخاصة التي تنفر، أو لا تسمح لها بالإجماع على تقويم أو تاريخ موحد للحوادث، أسبابًا ومسارات وتبعاتٍ ومسؤوليات. وفي خضم النكبة الشيعية ودوارها، رب قائل إن لكل جماعة لبنانية نكبتها، بعد علو سلطانها ورفعة شأنها وتسلطها، قبل أن تكبو وتنحدر إلى النكبة.

عمران الزهو بالانتصارات

وإذا كان اللبنانيون قد تفاءلوا وفرحوا، على درجات متفاوتة ولاعتبارات متباينة، بتحرر شريط من قرى وبلدات جنوب لبنان الحدودية من الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000، فإن الفرح بالتحرير لم يبلغ ذروة الزهو إلا في أوساط معظم الشيعة اللبنانيين، وخصوصًا الجنوبيين وأهل القرى والبلدات المحررة. وقد استمر ذاك الزهو، فتصاعد وتضاعف في الدوائر نفسها، بعد حرب تموز- آب 2006 بين إسرائيل و”حزب الله” الذي رأى أن الدولة العبرية عجزت عن تحقيق أهدافها في تلك الحرب، طالما أن جيشها عزف عن اجتياح جنوب لبنان بريًا وطرد مقاتلي “الحزب” منه.

واليوم، فيما يتجرع الشيعة اللبنانيون نكبتهم الوجودية العاصفة، يقول جنوبيون كثيرون منهم إن ما عجز عنه العدوان الإسرائيلي، وتحول إلى زهوٍ بالنصر، أغرق أهل الجنوب خصوصًا، طوال نحو ربع قرن، في “وهم كبير” عيّشهم فيه “حزب الله”: بعد تحرير العام 2000 وحرب تموز 2006، حين تصوّر وصوّر للجنوبيين أن “زمن الهزائم ولى، وجاء زمن الانتصارات”، وأن “وعوده الصادقة” شأن قدراته العسكرية التي راح يقول ويكرر إنها صارت توازن قوة الجيش الإسرائيلي، بل تردعه وتمنعه حتى من التفكير في الاعتداء على لبنان.

وإذا كان العام 2000 قد أطلق بهجة التحرير والعودة إلى القرى الجنوبية المحررة، فإن الجنوبيين اطمأنوا بعد حرب العام 2006 طمأنينة لم يعرفوها قط منذ العام 1968. ففي ذاك العام تحوّل شريط القرى والبلدات الحدودية من الجنوب ديار حرب وتهجير متقطعين ومستمرين. هذا فيما راح الانقسام السياسي وتصدع الدولة ومؤسسات الحكم فيها، وانبعاث هويات الجماعات الطائفية، يمهد الطريق إلى الشقاق والاحتراب الأهليين الداخليين اللذين استدخلا السياسة اللبنانية في طور مديد من الحروب الأهلية الإقليمية (1975- 1990). ويبدو أن البلدان التي تُبتلى بمثل هذه الحروب يصعب بل يستحيل شفاؤها منها، حتى بعد توقفها الذي يحوّل الحياة السياسية إلى انقسامات وتناحرات حربية.

أما بعد تحرير العام 2000 وحرب العام 2006، فقد أقبل الجنوبيون بقوة لافتة على العمران وتشييد المنازل والفيلات الذي بلغ حدّ الطفرة وبكلفة مالية مرتفعة، حتى في القرى الأمامية المحاذية للخط الأزرق والحدود الإسرائيلية. وذلك بفعل تدفق أموال إعادة الإعمار العربية الخليجية، وأموال المغتربين في أفريقيا وأميركا وبلدان الخليج العربية، إضافة إلى تدفق الأموال الإيرانية التي موّلت حزب الله واتباعه. وحتى الجنوبيون المقيمون في بيروت وضاحيتها الجنوبية، أقبلوا على وصل ما انقطع مديدًا من أواصر بينهم وبين قراهم وبلداتهم التي كانت محتلة. فأخذوا يعودون إليها، وينشئون العمائر فيها بكثافة، حتى في مشاعاتها وخلاءاتها وأراضيها البلدية العمومية. ولم يخلُ ذلك من منازعات ومشاجرات عنيفة في ما بينهم ومع المقيمين على اقتطاع تلك الأراضي العامة، تملكها والإعمار فيها.

وهكذا قلّص العمران على أنواعه المسافات بين القرى والبلدات الجنوبية، بل جعل كثرة منها متصلة في وحدات عمرانية غير منفصلة. وقد تزايد ذلك وتكاثف بعد الأزمة المالية العالمية التي لم تبلغ لبنان في العام 2008. وربما حال دون وصولها إليه تحويل مغتربين لبنانيين كثيرين مدخراتهم إلى مصارف لبنانية أو استثمارها في القطاع العقاري وسواه من القطاعات. وكان للجنوب اللبناني حصة معتبرة من ذلك، وخصوصًا من المهاجر الإفريقية والأميركية. ونقل كثرة من الجنوبيين في بيروت وضاحيتها الجنوبية أعمالهم ومؤسساتهم الحرفية والصناعية والتجارية إلى بلداتهم ومدنهم الجنوبية المزدهرة بالعمران والإقامة الدائمة، أو هم أنشأوا لتلك الأعمال والمؤسسات فروعًا ناشطة في الجنوب.

استمر ذاك النشاط متدافعًا ومتوسعًا، فيما “حزب الله” يواصل بناء ترسانته العسكرية، قبل أن ينتقل إلى المشاركة الفاعلة في الحرب الأهلية السورية، إلى جانب نظام الأسد منذ العام 2012. وصور له انتصاره مع روسيا وإيران على ثورة الشعب السوري ضد نظامه الديكتاتوري الدموي، أنه – أي “حزب الله” – ليس أقل من قوة إقليمية مشرقية لا تُقهر، مصدقًا تقارير إسرائيلية كثيرة تباهى بنقلها وبثها في إعلامه عن قوته تلك وخوف إسرائيل منها.

وفي غمرة الحروب الأهلية الإقليمية والدولية أحيانًا، والتي انتشرت من ليبيا حتى السودان واليمن، وسابقتها في العراق، تحوّل المشرق العربي مستنقعات للاقتتال والقتل والتمزّق الاجتماعي والسياسي، للفقر والاقتلاع والتهجير والهجرات الجماعية، الداخلية والخارجية. وفي لبنان أغرقت طغمة النهب المالي والولاءات العصبية البلاد وأهلها في أتون إفلاس مالي واقتصادي وسياسي. أما “حزب الله” فبادر -بعد دعوته اللبنانيين إلى “الجهاد الزراعي” على الشرفات دفعًا للفقر والجوع- إلى حرب “إسناد غزة”، غداة قيام “حماس” بعملية “طوفان الأقصى” ضد مستوطنات إسرائيلية محاذية لغزة الفلسطينية التي تحاصرها إسرائيل منذ سنوات مديدة.

وبعدما كان اللبنانيون قد ألفوا إفلاسهم المالي والاقتصادي والسياسي، واستسلموا صاغرين لمافيا النهب والعصبيات المتناحرة، بادرت إسرائيل إلى حربها العاصفة على “حزب الله” وعلى مناطق وديار الجماعة الشيعية كلها، فنكبتها نكبة وجودية، إن لم تبلغ حرب إبادتها البشرية والعمرانية في غزة، فإن لبنان كله يعيش في خضم تلك النكبة ودوارها.

هجرات جنوبية متعاكسة

منذ نكبة فلسطين والفلسطينيين في العام 1948، عاشت قرى وبلدات لبنان الجنوبية الحدودية على قلق وقطيعة بترت علاقاتها بشمال فلسطين وأسواقها المحلية القريبة. وانقطعت كذلك هجرات جنوبيين للعمل الموسمي في المدن الفلسطينية. ومن آثار تلك القطيعة واحدة من موجات هجرة بعض أهالي قرى حدودية نحو صيدا وبيروت.

وكان إقدام الانتداب البريطاني بالتفاهم مع الانتداب الفرنسي، على ضم ما سُمي القرى السبع اللبنانية الحدودية، إلى فلسطين في العشرينات، خدمة للاستيطان اليهودي فيها، قد أدى إلى أن تحتل إسرائيل تلك القرى وتهجّر أهلها منها إلى لبنان في حرب 1948، فاعتبرتهم السلطات اللبنانية لاجئين فلسطينيين، شأن نحو 130 ألف فلسطيني لجأوا إلى لبنان، ووُزّعوا على مخيمات البؤس حول العاصمة بيروت ومدن لبنانية أخرى، كصيدا وصور وبعلبك.

وطوال خمسينات وستينات الازدهار اللبناني، نُسي اللاجئون الفلسطينيون وتُركوا للحصار الأمني والبؤس في مخيماتهم، وللعمل المياوم في الزراعة وفي بعض الحرف والمهن. أما الجنوب اللبناني وأهله فكانت حصتهم ضئيلة من ذاك الازدهار، على صعيد البنى التحتية والإنماء الاقتصادي والتعليم والعمل. وهذا ما أدى إلى موجات هجرة راحت تتكاثف وتتعاظم إلى العاصمة بيروت التي تمركزت فيها الأنشطة الاقتصادية والمؤسسات الإدارية والمدارس والجامعات.

فئة لا يستهان بها من الأجيال الشابة الجنوبية كانت قد هجرت قراها وبلداتها طلبًا للتعليم والعمل في بيروت منذ العشرينات، هربًا من الإهمال الحكومي لأوضاع الجنوب. أما الإصلاح والإنماء الشهابيان فحاولا في مطالع الستينات تدارك ذلك الإهمال، فانخرطت فئات واسعة من ما يسمى وجهاء الصف الثاني الجنوبيون وأبناؤهم في التعليم والأعمال الإدارية في مؤسسات الدولة والأحزاب العلمانية، وسواها من الأنشطة الاقتصادية.

وحتى عشيات الحرب الأهلية في العام 1975، بدا أن فئات من الجنوبيين حصّلت تعليمًا وعملًا مجزيين، إلى جانب تزايد نزيف الهجرات الجنوبية الواسعة إلى ضواحي بيروت التي صارت تسمى “أحزمة بؤس” حول العاصمة، بعد تزايد الاعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية الحدودية، ردًا على عمليات المقاومة الفلسطينية منها.

وسرعان ما أدت حرب السنتين (1975- 1976) إلى هجرات معاكسة من ضواحي بيروت نحو الجنوب، الذي ما لبث أن تعرض إلى غزو إسرائيلي في العام 1978، وصل إلى مجرى نهر الليطاني. وكان الجيش الإسرائيلي قد أنشأ في العام  1976 حزامًا أمنيًا محتلًا في شريط من القرى الحدودية الجنوبية، وولى إدارته لفصيل منشق عن الجيش اللبناني الذي تشظى أكثر من مرة منذ بدايات الحروب الأهلية. ومنذ العام 1975، وتهجير سكان ضواحي بيروت الشرقية الجنوبيين والبعلبكيين، تفشى وساد العمران العشوائي وتكديسه البشري في ضواحي بيروت الجنوبية، من حي السلم إلى صحراء الشويفات والأوزاعي وبئر حسن، وصولًا إلى وسط بيروت ووادي أبو جميل، حيث تكدس مئات ألوف من المهجرين.

وحين غزت إسرائيل لبنان صيف 1982، وحاصرت بيروت واحتلتها لمدة قصيرة، فرغت ضاحية بيروت الجنوبية ومحيط العاصمة من السكان طوال شهور، تعرضوا فيها إلى هجرة معاكسة نحو قرى الجنوب وبلداته. وطوال حروب عشرية لبنان السوداء في الثمانينات، تفشى دبيب فوضى الاقتلاع الدموي والهجرات المتعاكسة في الديار اللبنانية كلها تقريبًا. ونال الجنوبيون منها حصة الأسد. وهكذا اكتمل ارتسام معاقل السكن الطائفي وهوياته الطائفية المتصلبة في معظم مناطق لبنان.

ماذا يمكن الاستنتاج من هذه اللوحة اللبنانية القاتمة لأوضاع الجنوبيين في جنوبهم وفي ضواحي بيروت أثناء اقتلاعاتهم المتتالية وهجراتهم المتعاكسة طوال أكثر من 20 سنة؟

في خضم هذين المتاهة والدوار بدأت تولد هوية جنوبية وبعلبكية شيعية مضطربة، ناقمة ومحتقنة، فتلقفها “حزب الله” في منتصف العشرية السوداء (الثمانينات)، فيما كانت “حركة أمل” تخوض حربها ضد المخيمات الفلسطينية بإمرة النظام الأسدي السوري، مستغرقة في ذاك الدوار. وجذّر الحزب السري الجديد العداء لإسرائيل، ثم جعله إرثًا راعفًا لا ينضب معينه، بعدما كانت إسرائيل قد جعلت الجنوب اللبناني مدارًا لحروبها وغزواتها وتهجير أهله منذ العام 1968. وسرعان ما بادر “حزب الله” إلى خوض حرب أهلية شيعية ضد “حركة أمل” وبقايا الأحزاب الأخرى التي كانت تستقطب الجنوبيين منذ ما قبل الحروب الأهلية.

ورفع “حزب الله” حربه على إسرائيل وعلى احتلالها فلسطين واستبقائها شريطًا من القرى الجنوبية الحدودية محتلة، إلى مصاف القداسة، وتمكن من تحرير تلك القرى في العام 2000… ومنذ ذلك الحين تكرّس “حزب الله” جنوبيًا وشيعيًا، حزبَ تحريرٍ ومقاومة مقدسة.

وها لبنان اليوم و”حزب المقاومة”، وشعبه والجنوب في دوار نكبة، هي حلقة من نكبات فلسطين وسوريا، ومن توحش جيش الاحتلال الإسرائيلي المسلح بأدق التكنولوجيات الحديثة.

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00