وجد فكتور هوغو في الإسلام مصدر الإلهام والإجابة عن تساؤلاته الوجودية (أ ف ب) ثقافة و فنون إسلام فكتور هوغو… الشعر كـ”ترنيمة لله” والإنسانية by admin 15 نوفمبر، 2025 written by admin 15 نوفمبر، 2025 68 كتاب يتطرق إلى المحطات الأساسية في حياة الشاعر الفرنسي الكبير وتطور نظرته إلى الإسلام ومؤلفه: كانت جزءاً من روحانياته المركبة اندبندنت عربية / ليلى المر صحافية صدرت أخيراً عن المنظمة العربية للترجمة، النسخة العربية لكتاب الدبلوماسي السابق والباحث والمؤرخ لويس بلان، بعنوان “فكتور هوغو والإسلام”، من ترجمة وتقديم زهيدة درويش. والكتاب يتطرق إلى المحطات الأساسية في حياة الشاعر الفرنسي الكبير وتطور نظرته إلى الإسلام، إذ قادته صراعاته الداخلية وبحثه عن المطلق لاكتشاف شخصية النبي محمد، وانبهاره بهذه الشخصية إلى درجة التماهي معها. يعد المؤلف أن بعض الجوانب في شعر وفكر فكتور هوغو، بخاصة علاقته بالإسلام، لا تزال في حاجة إلى البحث والتعريف بها، والكتاب يشكل رحلة فكرية ترافق تطور فكر فكتور هوغو السياسي والديني، وكيف أنه انتقل من طفل لم يتلق أية تربية دينية، إلى موال للملكية، ثم جمهوري يدافع عن الحرية والمساواة. وكيف ستؤثر سنوات المنفى في جيرسي وغرنيزي بسبب مناهضته لنابليون الثالث في تبلور فكره الديني وإنتاجه الأدبي، ولا يخفى أيضاً كيف أثر موت ابنته ليوبولدين المأسوي بحياته وكتاباته. رومانسية العقيدة فكتور هوغو الذي كان له دور أساس في نشأة المدرسة الرومانسية الفرنسية في القرن الـ19، وهي الفترة التي شهدت تحولات اجتماعية خلفتها الثورة الصناعية، وكانت حافلة بالتقلبات السياسية، مما جعل من تلك المرحلة منعطفاً تاريخياً، وجد في الإسلام مصدر الإلهام والإجابة عن تساؤلاته الوجودية. اتسمت المدرسة الرومانسية برفض الالتزام بالقواعد التقليدية، كما دعت إلى التجديد في الأدب والشعر والفن والدين، يقول لويس بلان “لم يكن التوق إلى التجديد الديني امتيازاً لأوروبا في ذلك الوقت، لأن أراضي الإسلام شهدت كذلك في الشرق الأدنى السني حركة نهضة عربية، وظهور ديانة متفرعة من المذهب الشيعي هي البهائية، التي كان مضمونها قريباً من فكر كاتبنا”. تناول لويس بلان كافة هذه الجوانب بشكل مفصل، مستعيناً بالقصائد التي تؤرخ لتطور فكر فكتور هوغو. يقول الكاتب، إن هوغو تكونت لديه في البداية الصورة النمطية السائدة في ذلك الزمان عن الإسلام والنبي محمد، فقد كان يعتنق ديناً بلا شرائع، وتأثر بأمه التي نقلت إليه قناعاتها بأفكار فولتير، فيلسوف التنوير، وفي مقدمها إيمان عقلاني بالله خالق الوجود وضابط حركته، لا سيما أنه معاد للإكليروس، فهي كانت تؤمن بالله وبالروح. كان يعتنق ديناً بلا شرائع، وتأثر بأمه التي نقلت إليه قناعاتها بأفكار فولتير (أ ف ب) صحيح أن الشاعر نشأ في بيئة غير متدينة، ولم يتلق أي تعليم ديني أو عمادة، لكنه تأثر في شبابه بفرنسوا رينيه دو شاتوبريان، والفرد دو موسيه، وتيوفيل غوتيه، وألفرد دو فينيي، الذين كانوا يعكسون في كتاباتهم أحكاماً مسبقة عن الإسلام تعود للقرون الوسطى، وهو ما انعكس في موقفه من هذه الديانة قبل أن يصبح الإيمان الإسلامي جزءاً من روحانياته المركبة والمتميزة. في المرحلة الأولى يقول هوغو “لا شيء أجمل من كلمة الدين/ شرط أن تعني صلة الوصل بين الشعوب/ لا قيداً يفرض على البشر/ شرط أن تعني الأخوة لا السيطرة”. ويعلق بلان “بعد أن كان مسيحياً وملكياً متطرفاً، أصبح فكتور هوغو بونبارتياً وليبرالياً، لينتهي به المطاف جمهورياً واشتراكياً. ولا يقل مساره الديني تعقيداً عن تطوره السياسي”. كان هوغو يفصل بين العلاقة بالله الذي يسكن كل شيء، والممارسات الدينية. سعيه الروحي بدأ مبكراً، كما أن أفكاره تطورت على نحو مستمر في ما يخص السياسة والدين، إذ كان يؤمن بدين بلا شرائع، وتكلم عن الأديان ضد الدين، وكان مسكوناً بقضية البحث عن الله والسعي الروحي. ساوى الشعراء بالأنبياء، ليس من باب التعالي بل بسبب حساسيته العالية لدرجة اعتقاده أن الله يتملكه. فالله هو العالم، وبالنسبة إليه كل شيء يعيش: الأشجار، الصخور، الطبيعة، والله كائن سام وفريد لا يمكن وصفه ولا تصوره ويستحيل تجسيده. بمثابة ترنيمة ويشير المؤلف إلى أن عديداً من المفاهيم في رسائل فكتور هوغو شبيهة لما نجده في القرآن، فقد كان متديناً بعمق، ومن المستحيل حصره بدين معين، وكان من الصعب عليه التغلب على تناقضاته من خلال الشعر، فأصبح كل شعره ابتداء من عام 1853 بمثابة ترنيمة لله، وحلم بدين يتخلص من الديانات، بخاصة ممارسة المسيحية، التي كان يرى فيها تشويها لرسالة المسيح، وفي ما بعد وسع مناهضته لرجال الدين من الإكليروس إلى علماء المسلمين الذين دعموا حكم العثمانيين الاستبدادي. بدءاً من عام 1853 صار كل عمل من أعماله بمرتبة ترنيمة لله، ينعكس ذلك على سبيل المثال في عمله الشبابي الذي ألفه وهو في الـ27 من عمره، ديوان “الشرقيات”، وفيه يكشف عن عدم اهتمامه بثقافة البلدان التي سعى فيها إلى الإلهام بدل اكتشاف الآخرين، موقفه المناهض للعثمانيين كان نتيجة الوضع الأوروبي المتوتر آنذاك، بسبب حرب الاستقلال اليونانية ضد الإمبراطورية العثمانية، حرب ترجمها الرأي العام على أنها حلقة جديدة من الصراع الخيالي بين الصليب والهلال. الكتاب يشكل رحلة فكرية ترافق تطور فكر فكتور هوغو السياسي والديني (المنظمة العربية للترجمة) حدد المؤلف الفترة التي مثلت انتقال فكتور هوغو من الفكر الملتبس في “الشرقيات” إلى الوعي بحقيقة الإسلام. ويشير إلى أن رؤية الشاب فكتور هوغو للإسلام لا تقتصر على ما عبر عنه في ديوان “الشرقيات”، بل إن أعمالاً ثانوية أخرى تدل على اهتمامه المبكر بهذا الدين وبنبيه. وقد ورد ذكر البني محمد أول مرة في قصيدة كتبها وهو الـ16 من عمره. وفيها يقارن بين محمد وجوبيتر، ويعلن انحيازه إلى محمد في “حكاية أخلاقية”. أما ديوان “الشرقيات” فيعتبر من أحد روائع الأدب الاستشراق، وسيلهم من بعده الإنتاج الأدبي اللاحق وأبعد منه. تدل مقدمة “الشرقيات” على تجاهل هوغو لإسهام الإسلام وحضارته، وعلى رؤيته الثقافوية للشرق، على رغم ما تتضمنه من إيجابية، فهو يؤكد أن “البربرية الآسيوية المتأصلة لا تفتقر إلى رجال عظام كما يطيب لحضارتنا الظن”، كاشفاً بذلك عن ازدراء الشرق في البيئة التي كان يعيش فيها. ويشير لويس بلان، إلى أن “ذلك لا يعود إلى نقص في المعرفة لأنه استند في كتابه إلى شاعر ومستشرق استثنائي من معارفه هو أرنست فويني، بل إلى عدم اكتراثه بثقافة مناطق غريبة كان يبحث فيها عن مصدر إلهام أكثر مما كان مهتماً باكتشاف الآخر. إذ إن الغرائبي هو ما كان محط اهتمامه في ذلك الوقت، بما في ذلك في الشعر العربي”. يشير لويس بلان إلى أن هذا الديوان “أصبح تركيبة معادية للإسلام لأنه يساوي المسلمين بالأتراك، وفقاً للمفهوم الإسلامي- العرقي السائد آنذاك، مع ذلك يجب ألا نضلل أنفسنا في شأن طبيعة هذه الإسلاموفوبيا، إذ أعطى الكاتب آرنست رينان الدعم العلمي للجوهرية العنصرية عام 1862 في محاضرته الافتتاحية في “كوليج دو فرانس”، بجعل المسلمين ضحايا للإسلام، بينما هوغو يعتقد العكس، أن الدين ضحية معتنقيه. فهم الإسلام في ما بعد المرحلة التي وصفها المؤلف بالملتبسة في علاقة هوغو بالإسلام، أو صورة الإسلام في مخيلته، تحمل قصيدة “الجن” عنوان سورة من القرآن تساوي هذه المخلوقات الغريبة بالشياطين، إذ يجعل الشاعر منها رمزاً للشر من خلال شيطنتها، إنها صلاة المسلمين التي تطرد الشياطين كما هي موصوفة في القصيدة، فهي تخلص الإنسان من الشر، ويعد فكتور هوغو أنه بفضل ممارستها أنقذته يد النبي من الجن. “أيها النبي، إذا أنقذتني يدك من شياطين الأنس اللعينة هذه فأحني بالسجود جبهتي العارية أمام مجامعك المقدسة”. يقول لويس بلان، “بهذه الأبيات يقدم الشاعر قصة رمزية لانتصار الصلاة على الشر، وهي مدح لروحانية الإسلام التي هي مهدئة ومطمئنة ونادراً ما لاحظها المعلقون على هذه القصيدة الشهيرة، إذ يتحول الانجذاب الذي يمارسه الشرق على هوغو، كما هي الحال مع الرومانسيين الآخرين، إلى عاطفة دينية إن لم تكن صوفية”. ويتابع بلان أن غرق ابنته ليوبولدين المأسوي عام 1843 كان بمثابة نقطة تحول في تفكير فكتور هوغو الديني، حيث قرأ التوراة والإنجيل مرة أخرى، لكن هذا لم يكن كافياً للإجابة عن تساؤلاته، فحاول عندها اكتشاف القرآن الكريم، وانغمس في قراءته للمرة الأولى عام 1846، وانبهر به وكتب “إن الكتب العظيمة هي من بين جميع الكتب تلك التي لن يقاوم سحرها، يمكن للمرء أن يقرأ القرآن من دون أن يصبح مسلماً، وأن يقرأ الـ(فيدا) من دون أن يصبح هندوسياً، ولكن لا يمكننا إلا أن نبدي إعجابنا بهذه الأعمال”. غلاف الطبعة الفرنسية للكتاب (أمازون) هنا كما يقول لويس بلان، يكتشف الشاعر في القرآن عالماً جديداً يتجاوب مع عالمه هو، فبينما جفت العقلانية الدينية الكاثوليكية في أوروبا، تجاوز الإسلام الروحانية الشرقية إلى قصيدة تمدح الله الأحد، ووفق بين الحلم والعقل، وبين الحدس الشعري والفكر اللاهوتي. كما وجد هوغو في الإسلام تصوراً لعالم يحيط فيه الله بالإنسان من جميع الجوانب، وفي كل ما يعيش، فأعجب به لأنه كان يشاركه فيه. ويشير المؤلف إلى أن شخصية النبي كانت الشخصية غير الغربية الوحيدة التي استحضرها هوغو عام 1853 في جلسات محادثة مع الأرواح الـ110 التي روى كلماتها. إذ اختتم حديثه الوهمي مع النبي باستحضار رائع عنه: “السماء هي مرآة تحتفظ بصور الحياة لا شيء يضيع القبر لن يأخذ سوى الهيكل العظمي من الجسم والشكل يصعد إلى السماء وهناك ابتسامات تحلق مع الأرواح وأنظار تعانق السماء قبل أن يغمض الموت عيني الإنسان”. ويستطرد كاتب “فكتور هوغو والإسلام”، “يبدو لي أن الكلمات التي نسبها هوغو إلى النبي محمد تكشف عن الصورة التي يحملها عنه، وعن الطبيعة الصوفية لروحانيته. تحول الارتباك الناشئ عن صورة الإسلام والمسلمين في أعمال فكتور هوغو الأولى، بعد نفيه، إلى صورة ناضجة في ديوان “أسطورة العصور”، الذي أصدره عام 1858، إذ قرأ كثيراً في الأعوام التي سبقت إصداره، لا سيما إصدارات صديقيه ألفونس دو لامارتين، وألكسندر دوما، اللذين نشر كل منهما مؤلفاً يروي سيرة النبي الذاتية، عامي 1854 و1856 على التوالي. كان لامارتين أول دال فرنسي على الإسلام، وتأثيره حاسم على مكانة هذا الدين في الأدب الفرنسي بشكل عام، وعلى هوغو بشكل خاص، إذ تأثر الأخير بكتابة صديقيه عن سيرة النبي محمد، وتناول هذا الموضوع عام 1858 في تحفته الشعرية التي تحمل عنوان “أسطورة العصور”. يعد المؤلف أن بعض الجوانب في شعر وفكر هوغو، بخاصة علاقته بالإسلام، لا تزال بحاجة إلى البحث (مواقع التواصل) يعد لوي بلان هذا الديوان بمثابة ملحمة للإنسانية، ويقول إن مكانة الإسلام فيه لا تزال شبه مجهولة، إذ عد الكاتب تيوفيل غوتييه أن “أسطورة العصور” رؤية تعبر عن الإنسان من خلال الظلام، فالموضوع هو الإنسان، أو بالأحرى الإنسانية، إذ انغمس المؤلف في القرآن الكريم ليرسم النبي، لدرجة يعتقد معها أنه ابن الإسلام، وكأنه أبو بكر أو الإمام علي، ويكتشف روحانية الإسلام ويعيدها إلى المغامرة البشرية، ويشرح في مقدمته الأولى أنه تصور ديوانه “عبارة عن ترنيمة دينية مكونة من 1000 مقطع شعري، في أحشائها إيمان عميق وفي قمتها صلاة عالية”. إنها درامة الخلق ينيرها وجه الخالق، “أسطورة العصور” هي أيضاً أسطورة هوغو ذاته، كما يشير لوي بلان، وقصيدة “السنة التاسعة للهجرة” هي أول قصيدة في ثلاثية تحمل عنوان “الإسلام” في هذا الديوان، إذ تقدم هذه الديانة بطريقة بارعة وتمثل ذروة تفكيره حولها، وهو يصور النبي منذ بداية قصيدته كشخصية تستحق الاحترام، في جو من الصفاء الذي يحدد نغمة القصيدة: “كمن استشعر دنو أجله توشح بالوقار وبدا متعاطفاً مع الجميع كان يسير ويبادل العابرين التحية”. حال المنفى يذهب الشاعر في قصيدة إلى صفات النبي الأخلاقية وكذلك المسيح، الذي يشير إليه باسمه في الإسلام (عيسى)، ثم باسمه المسيحي (يسوع) “أكلمت نور عيسى الذي لم يكن كاملاً، أنا القوة أيها الأحبة، وعيسى كان الوداعة. والفجر يسبق دوماً طلوع الشمس، أتى عيسى قبلي ولم يكن هو القضية، ولدته عذراء استنشقت أريج وردة ندية”. يعد لويس بلان، أن الشاعر يضيف إلى مجد النبي بمقارنته بالشمس وبجعل رسالته مكملة لأمر عيسى المسيح لأنه ظل ناقصاً في اعتقاده، كما هو مشار إليه في القرآن الكريم. هذه القصيدة مستوحاة إلى حد كبير من الترجمة الفرنسية لسيرة النبي للمؤرخ السوري المشهور أبي الفداء، ومن مصادر الشاعر الأخرى قصيدة “البردة” الصوفية الشهيرة للإمام البوصيري. تأثر هوغو، الذي شبه الأنبياء بالشعراء، بإعلان النبي محمد عن نبوته بطريقة شعرية. يقول لويس بلان، “أحس بأنه مكلف مهمة نشر رسالة عالمية، قد يكون هناك عنصر آخر ربما دفعه إلى تشبيه حاله بحال النبي، وهي حال المنفى. إذ لم يعط للقصيدة عنوان وفاة الرسول محمد، الذي هو موضوعه، بل عنونها بـ(العام التاسع للهجرة)، حيث كان هوغو في سنته الثامنة في المنفى بجزيرتي جرسي وكرنزي عند تأليفه هذه القصيدة، وهو حدث أثر عليه تأثيراً قاسياً، وجعله يربط حاله بالأعوام التي قضاها النبي في المنفى قبل أن يعترف به كنبي في بلاده. لذلك يمكننا تفسير القصيدة على أنها تشبيه ضمني لفكتور هوغو بشخصية النبي محمد. وكتبها الشاعر متأثراً بشخصية النبي وهو يفكر بمآسيه الذاتية”. “حياتي نزف جراح أصابتني بها يد البشر رموني بسهام الحقد والحسد ولأنني كنت أحس الحقيقة بقلبي قاتلتهم ولم أكن حانقاً عليهم وفي أثناء القتال، كنت أصرخ: دعوهم يفعلون ما يشاؤون”. يفسر لويس بلان، تماهي الشاعر فكتور هوغو بشخصية النبي، بالقول “يرى هوغو نفسه رسولاً جديداً لله، كما استعان النبي محمد بحقيقة الأنبياء الذين سبقوه، فهو يعتقد نفسه حلقة جديدة لأسطورة العصور، ويسير على درب النبي، ويرى نفسه نذيراً لما وراء الطبيعة كما كان النبي يكمل رسالته الدينية، وشاعراً صوفياً مثله، ليس بدافع الكبرياء بل لأنه يشعر أن الله يتملكه، وهو يقدم النبي على أنه البطل الأدبي المثالي الذي كان يعتقد أنه هو نفسه”. فكتور هوغو يبدو منبهراً بشخصية النبي، أكثر من انبهاره بالإسلام كدين. ومدحه للنبي محمد يتحدى التفكير السائد عن الإسلام في فرنسا خلال تلك الحقبة. وبذلك يصبح هوغو نموذجاً لمصالحة الشرق والغرب ومحو الحواجز الثقافية من طريق الشعر. قصيدة “الأرز” اختيار مدينة جدة كإطار لإحدى قصائده (الأرز) جاء في عز أزمة أثارت نقمة في أوروبا على الإسلام، وفي هذا السياق يوضح لويس بلان “كتبها بعد خمسة أشهر على أحداث جدة، حين تمرد سكان المدينة ضد سيطرة الإنجليز على الحياة الاقتصادية، وقتل أثناءها 23 أوروبياً من بينهم قنصلا المملكة وفرنسا مما شوه سمعة المدينة، وكان وصفه لمدينة جدة بأنها مقدسة استفزازياً في خضم موجة معادية للإسلام آنذاك”. وقف هوغو حينها ضد الضجة الإعلامية التي تسيء إلى الإسلام، ووضع هذا الدين في إطار منظور إنساني عالمي بقصيدته “الأرز”، التي تقوم على حوار صوفي بين الخليفة عمر بن الخطاب والقديس يوحنا الإنجيلي من جهة، وبين جدة التي تأوي قبر جدة البشرية حواء، الذي كان يتوافد إليه الحجاج. في القصيدة، يأمر الخليفة عمر بن الخطاب شجرة السدر لتحلق به إلى جزيرة باتموس في اليونان لتظلل رأس الرسول يوحنا الإنجيلي صاحب سفر الرؤية. فهي تذكر برحلة الإسراء والمعراج، أو رحلة النبي الليلية من مكة إلى القدس. والشاعر سوى السدر بالأرز لتشابه اللفظين بالفرنسية، والسدر لها قيمة مقدسة في الإسلام، وبناء على ذلك فإن القصيدة تبني جسراً روحانياً بين الإسلام والمسيحية، وبين الشرق والغرب. انتقل من طفل لم يتلق أية تربية دينية، إلى موال للملكية، ثم جمهوري يدافع عن الحرية والمساواة (أ ف ب) وهذه القصيدة جمعت بين النضال السياسي والآفاق الأدبية. ويظهر التناقض بينها ونبذ الإسلام آنذاك، مما أظهر تميز وإنسانية فكتور هوغو، فقد حاول أن يكون ترياقاً للسم الذي كان منتشراً في بلاده. وهي بذلك تشير إلى انتقال صورة الإسلام في الأدب الفرنسي من العصر الرومانسي إلى الرمزية، بالتالي الانتقال من الصورة الخارجية الغريبة إلى صورة الاندماج بالمخيلة الأوروبية. وفي تحليله لأبعاد هذه القصيدة، يقول لويس بلان “من خلالها أظهر فكتور هوغو، بعد ألفونس دو لامارتين، وألكسندر دوما، أنه يمكن للإنسان الغربي أن يستوعب ويتقبل الإسلام من دون إنكار ثقافته، في وقت كان الربط بين الدين كانتماء لعرق معين في أوجه لإبعاده عن الهوية الفرنسية، وبذلك أظهر هوغو أن الإسلام جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي الفرنسي. هوغو المتدين المعادي لرجال الدين خالف مع ذلك التيار المضاد لرجال الدين الذي كان سائداً في فرنسا خلال النصف الثاني من القرن الـ19. إذ كان أنصار هذا التيار يعدون أن من المستحيل فصل الدين عن رجال الدين، بحيث لا تتوافق العلمانية الجوهرية بأي شكل مع الصوفية، لذلك ركز محللو فلسفة فكتور هوغو على الجوانب السياسية والاجتماعية التي تعكس العلمانية الأوروبية، على رغم الأولوية التي أعطاها الشاعر للجانب الروحاني في أعماله، وهكذا ركز معظم المحللين على ما كان يثير اهتمامات معاصريه تاركين الإسلام في الظل”. يرى المسلمون أن قصيدة “الأرز” بمثابة شهادة على اعتناقه الإسلام، في حين يرى لويس بلان أن الجدل حول هذه النقطة يعكس العلاقة المتضاربة بين المسلمين والغرب، فالقناعة باعتناق الشاعر للإسلام تغذي النقص الحقيقي في اهتمام محللي أعماله لرؤيته للإسلام. والاعتراف بالتقدير الذي منحه فكتور هوغو للإسلام قد يسهل اندماجه في المجتمع الفرنسي المعاصر، حيث يستطيع المسلمون الافتخار به، ويجد غير المسلمين فيه تهدئة لمخاوفهم من الإسلام. ويوضح بلان أن تماهي هوغو بشخصية النبي محمد لا يكفي لجعله مسلماً، لكنه أدخل الإسلام من أوسع الأبواب إلى التراث الأدبي الفرنسي. فاحترام الإسلام لا يكون باعتناقه فقط. ويشير إلى أنه أحصى سبع قصائد للديانة الإسلامية، و10 مستلهمة من الإسلام الذي وجد فيه أجوبة عن تساؤلاته الوجودية. نادراً ما برز شاعر مثل هوغو يزيل قروناً من سوء التفاهم، فهو ينفرد بإلمامه بالقرآن وبسيرة النبي، ويفهم أن للروحانيات دوراً يجمع الأديان معاً، ويخط درساً جميلاً في الإنسانية، ولا تزال أعماله على رغم وفاته منذ أكثر من 100 عام ترياقاً لصراع الحضارات. المزيد عن: فرنسافكتور هوغوالإسلامتيار الاستشراقديوان الشرقياتالثقافة الصوفيةالكاثوليكية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عودة سينما الموجة الفرنسية الجديدة في حقبة تكنولوجيا الفرد next post بيني سافدي يهدم أسطورة الرجولة الأميركية في “آلة التدمير” You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026