طه حسين (1889 - 1973) وتوفيق الحكيم (1898 -1987) (اندبندنت عربية) ثقافة و فنون تجربة مسرحية فريدة جمعت طه حسين والحكيم by admin 11 November، 2025 written by admin 11 November، 2025 72 “القصر المسحور” نوع من تعليق مشترك بين عملاقي الأدب العربي على شؤون السلطة اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب من الغريب في الأمر أن لا طه حسين ولا توفيق الحكيم، تركا في كتاباتهما الحميمية ما يتعلق حقاً بتفسير، أو في الأقل، توضيح الظروف التي دفعتهما أواسط سنوات الـ40 من القرن الـ20، وحين كان كل منهما يعيش ذروة مكانته وإبداعه في قمة الثقافة العربية، إلى خوض تلك التجربة الإبداعية التي تبقى فريدة نوعها في الحياة الثقافية العربية إلى حد كبير، تجربة كتابتهما المشتركة لمسرحية “القصر المسحور” التي ربما لم تستعد، لحد علمنا إلا مرة يتيمة بعد ذلك، من قبل كاتبين عربيين كبيرين آخرين، هما هذه المرة عبدالرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا في “روايتهما المشتركة” المعنونة “عالم بل خرائط التي أقل ما يمكن أن نقوله عنها إن شتان ما بينها وبين مسرحية طه حسين وتوفيق الحكيم المشتركة. أما السؤال هنا فيتعلق بالسبب الذي جعل هذين الأخيرين يستنكفان عن استعادة تلك التجربة رغم نجاحها النقدي وربما الجماهيري أيضاً حتى وإن كان على أية حال، أقل حجماً في حماسته، من ردود الفعل النخبوية على تلك التجربة. المهم أن في إمكاننا اليوم أن نرى في “القصر المسحور” وبعد كل هذا الزمن، نوعاً من صياغة رمزية مبكرة في الحياة الفكرية العربية، صياغة رمزية لعلاقة المواطن بالسلطة وغرق في الأوهام التي تحيط بها. وهي قضية لا شك أنها كانت تشكل مجموعة كبيرة من التساؤلات المحيرة في الأفق السياسي المصري، بل العربي بصورة عامة، في زمن كانت كل الأفكار فيه تبدو على المحك وتنطرح أمام النخبة المصرية والعربية معضلة الدولة والسلطة والجماهير. تلك القوى الخفية ويعرف المطلعون على هذا العمل أن الأحداث تدور فيه داخل قصر يبدو من الخارج وكأنه مسير من قبل قوى خفية بينما المواطنون، وبخاصة منهم سكان القصر، يعيشون في خوف دائم من “السحر” الذي يقال إنه يتحكم بمصائرهم، بيد أن العمل يكشف وبصورة متدرجة أن السحر ليس في حقيقة أمره سوى نوع من “الجهل الجماعي” والعجز عن مواجهة الحقيقة. ولعل ما لاحظه المعلقون على العمل، ومنذ البداية، أن ما يتجلى قبل أي شيء آخر هنا هو حضور طه حسين الفكري عبر تأكيده دور العقل في تحرير الإنسان من الخرافة، مقابل السمات المنتمية إلى فكر توفيق الحكيم في البناء المسرحي القائم على الحوار الرمزي والصراع بين قيم مجردة مثل الحرية والسلطة والوعي. فمن خلال هذه البنية المشتركة، يتحول القصر إلى كناية عن المجتمع الذي يخلق لنفسه قيوداً ينتهي به الأمر إلى الخضوع لها. كتاب يتضمن نص مسرحية “القصر المسحور” (دار المعارف) وفي هذا التوجه، يكشف النص أن الاستبداد لا يقوم إلا بقدر ما يتخلى الناس عن إرادتهم الحرة، وإن السلطة إنما تكتسب سحرها من غياب الوعي لا من أية قوة خارقة. ومن هنا تبرز المسرحية بوصفها نقداً لبنية الخوف، ودعوة إلى تفكيك الرموز الكاذبة التي توهم الإنسان بأن مصيره يبقى خارج إرادته. تقاطع فكري عميق وحتى لو كان ما تقترحه السطور أعلاه، يأتي بادي الاختصار لخطاب هذا العمل الإبداعي الذي يكاد يكون اليوم منسياً، لا شك أن في مقدورنا أن نقول إن “القصر المسحور” ليست مسرحية عابرة في تاريخ الأدب العربي، بل هي في أعماقها نتاج تقاطع فكري عميق بين اثنين من أعمدة الثقافة الحديثة. وهي كتبت في ظروف مشحونة بالأسئلة وضروب المراجعة وصدرت في زمن كانت مصر تفتش فيه عن هوية جديدة لمسرحها وأدبها. ومن هنا لا يمكن قراءة هذا النص في معزل عن لحظة الالتقاء النادرة التي يتواكب فيها فكر تنويري تقليدي الطابع كفكر طه حسين، مع حداثة كاتب يغوص في التيارات الجديدة في الفكر العالمي كتوفيق الحكيم. وهكذا بالتضافر بين الكاتبين الكبيرين، جرى التوصل إلى خلق هذا المشروع بفضل ظروف جمعت بين طه حسين وتوفيق الحكيم في إطار مشروع مبتكر كان يسعى إلى دعم المسرح المصري شكلاً ومضموناً. وقد كان طه حسين في تلك المرحلة صاحب رؤية واضحة ترى أنه لا نهضة ثقافية حقيقية من دون مسرح قوي لأن “المسرح هو الفن الأكثر قدرة على مخاطبة الجمهور العام وبناء الوعي”. أما بالنسبة إلى الحكيم فإن شهادته تشير إلى أن فكرة العمل ولدت خلال جلسات طويلة بينه وبين زميله الكبير لمناقشة مستقبل المسرح المصري واتجاهاته، وبخاصة أن الاثنين قد تلمسا معاً الحاجة إلى مسرح رمزي “لا يغرق في المباشرة”. و”يستطيع تجاوز الرقابة السياسية والاجتماعية من دون أن يفقد قدرته على النقد”. تكامل في الوقت المناسب ويفيدنا المؤرخون أن ما جعل التعاون ممكناً بين الرجلين، أمران أساسيان، من ناحية التقارب الفكري، وإن كان موقتاً بين الاثنين، في تلك المرحلة. فقد بدا طه حسين في الأربعينيات أكثر ميلاً إلى الرمز الفني كأداة تعبير، خصوصاً بعد تجاربه الروائية، بينما كان الحكيم يبحث عن فضاء يسمح له بتجديد لغته المسرحية، ومن ناحية ثانية إدراك المبدعين معاً أن ثمة تكاملاً مدهشاً بين الأسلوبين، إذ قدم طه حسين ثقله الفكري وقدرته على بناء المفاهيم النقدية، بينما قدم الحكيم خبرته المسرحية وأسلوبه في صياغة الحوار وتشكيل المواقف الدرامية. وبذلك لم يكن العمل مشتركاً في كل كلمة، بل كان أقرب إلى ورشة فكرية يتكون النص فيها من خلال مزيج من الأفكار والمحاورات، ثم صاغ، الحكيم البناء المسرح بصورته النهائية اعتماداً على الهيكل الذي توافقا عليه. ومهما يكن فإن “القصر المسحور” أبعد ما تكون من الإبداع الواقعي المعهود لدى هذين المبدعين وبالمعنى التقليدي للكلمة. بل هي عمل رمزي – استعاري يستخدم فضاء القصر الحاكم بوصفه مكاناً مسحوراً إنما ليس بالمعنى الخيالي وحده، بوصفه رمزاً لسلطة غامضة تتحكم في مصائر السكان الذين يعيشون في داخله. ومن الواضح أن هذا العمل يتقاطع في هذا السياق مع عديد من الأعمال الرمزية الأوروبية التي كانت رائجة في ذلك الحين وتأثر بها الكاتبان، مثل أعمال موريس ميترلنك أو رمزيي القرن الـ19، لكنه يرتدي هنا سمة مصرية خالصة من خلال بعدين أساسيين هما الحوار الفلسفي المباشر الذي تؤمنه لغة طه حسين الخالية من الزخرف، من ناحية، والإيقاع المسرحي الذي يشي بأسلوب الحكيم في إدارة الحوار كتعبير عن الصراع بين قيم مجردة كالحياة والمعرفة والخوف والسلطة. ومن خلال ذلك تظهر أمامنا على الخشبة شخصيات قد تبدو في بداية الأمر بسيطة، لكننا سرعان ما نكتشف أنها، وفي حقيقتها، تمثل أنماطاً فكرية كالحاكم الذي يعيش في حال وعي مضطربة، والساحر الذي يدير القصر، ومجموعة من التابعين الذين يتأرجحون بين الولاء والخوف، إضافة إلى شخصية المثقف الذي يمضي وقته وهو يحاول فهم طبيعة ذلك السحر وكشف أسراره ويكون هو من يحثنا على طرح السؤال الأساسي: هل السلطة فعلاً مسحورة أم إن الناس هم الذين ينسجون من حولها سحراً يمنحها قوتها؟ المزيد عن: مصرالأدب العربيالمسرحطه حسينتوفيق الحكيمالقصر المسحور 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post شعر العامية المصري يشهر “السلاح” في مواجهة التهميش next post تنويم البشر وتجريدهم من إنسانيتهم: من كاليغاري إلى ما بعد هتلر You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026