الجدة الغاضبة في مسلسل _قبران_ (نتفليكس) ثقافة و فنون “قبران” دراما إسبانية تعاين فكرة الانتقام نفسيا وفلسفيا by admin 15 سبتمبر، 2025 written by admin 15 سبتمبر، 2025 66 بيانو في مقابل جثة ونوتة موسيقية بجوار مقص مدمّى وساطور ملقى على الأرض اندبندنت عربية / موسى برهومة بعد مضي عامين على اختفاء شابة (16 عاماً) في بلدة ساحلية بمقاطعة ملقة في إسبانيا، ينبعث غضب منفلت من عقاله في كيان جدة وادعة (تعمل معلمة بيانو) فقدت الإيمان بنزاهة العدالة، فنزعت إلى الانتقام المتوحش، ولجأت إلى كل الأساليب الملتوية، فداء لحفيدتها التي أغلقت الشرطة ملف البحث عنها، بذريعة عدم اكتمال الأدلة، بعد العثور على جثة صديقة الحفيدة ملقاة في قاع البحر وعليها آثار اعتداء جسدي وجنسي. دم على النوتة الموسيقية في لقطة افتتاحية شديدة الإيحاء تقودنا الكاميرا إلى بيانو في صالة فسيحة من منزل ريفي معزول، ونلاحظ آثار دم على النوتة الموسيقية، إلى جوارها مقص تلطخ بالأحمر، فيما راحت سيدة عجوز تنظف الدم، ثم تجر جثة تترك دماؤها آثاراً واضحة على أرضية المنزل، قبل أن تستقر في ثلاجة يستخدمها ابنها الذي يملك مطعماً في البلدة. كان من شأن مفتتح مسلسل كهذا أن يضعنا في قلب التوتر: بيانو في مقابل جثة. ونوتة موسيقية بجوار مقص مدمّى، وساطور ملقى على الأرض، ورغبة واضحة في مسح آثار جريمة. مقدار عالٍ من الإقناع عملت كاميرا المخرج كايك مايلو على توخيه، اعتماداً على رسم نفسي متقن لقصة ابتكرها أغستين مارتينيز، وكتبها خورخي دياز، وأنطونيو ميرسيرو. وفي ضوء ذلك، سار أداء الممثلين بطريقة جيدة عملت على تلبية جوهر الحكاية القائمة على فكرة الانتقام الشخصي، في إدانة صاخبة للقانون الذي لم ينصف الضحايا، وفي المقابل، وتحت وطأة الشعور بغياب الإنصاف، يتمّ تجاوز القانون، وإزهاق أرواح يثبت، بعد فوات الأوان، أنها لم ترتكب القتل. الجدة إيزابيل (كيتي مانفر) تقدم أداءً مركزياً تدور في فلكه شخصيات المسلسل، حتى إنّ رافائيل (ألفارو مورتي) والد الضحية الشابة مارتا (زوي أرناو)، يبدو شخصية أقل شأناً من الجَدة، على الرغم من أنه أدى دور “البروفيسور” في مسلسل “بيت المال” (La Casa DePapel) فكان على مدار 5 مواسم النجم الأوحد ذا الأداء المبهر، لكنه في هذا المسلسل بدا جامداً، باهت الحضور، وهو يؤدي دور زعيم عصابة محلية تتاجر بالمخدرات. أما الممثلون الآخرون، وأبرزهم أنطونيو (هوفيك كوتشكيريان)، صاحب المطعم، الذي قدم دوراً غامضاً ومهماً، فظلوا يغذّون التنامي الدرامي للحكاية التي امتلكت الجدة خيوطها كلها. وبعد مشهد الدماء التي تلطخ النوتة الموسيقية، يعيدنا المخرج، بطريقة “الفلاش باك” إلى عامين خليا، وبالتحديد إلى مهرجان فني في البلدة التقت فيه الحفيدة فيرونيكا (ناديا فيلابلانا)، مارتا، ابنة زعيم العصابة. وبعد انتهاء الفعاليات تستقلان سيارة جوناس (إيفان برادوس)، الذي يبدو أنّ فيرونيكا تعرفه جيداً، ويوصلهما إلى منزل صديق كان يقيم حفلاً صاخباً دعي إليه رجال مشهورون يتوقون إلى لقاء فتيات صغيرات وإغوائهن جنسياً واغتصابهن، فتضطر الفتاتان للهرب برفقة صديقة ثالثة تدعى جميلة، ويدور شجار بين فيرونيكا ومارتا يؤدي إلى سقوط الأخيرة على صخرة فتلقى حتفها على الفور. السر القاتل تخبر فيرونيكا والدها، صاحب المطعم، فيقرر التستر على الأمر، وإخفاء الجثة عبر رميها في البحر، والاتصال بصديق مغربي ليأخذ ابنته إلى بلاده ويحتفظ بها ويؤمّن لها السلامة والسرية. لا يخبر الأب أحداً بهذا السر، ما يجعل اعتقاداً يسود بأنّ فيرونيكا ماتت، ولم تعثر الشرطة على جثتها، وهو المرتكز الذرائعي الذي استندت إليه الجدة لتصفية حساباتها مع كل من تشك بأنّ له ضلعاً في مقتل حفيدتها. الانتقام في هذا المسلسل يبدو غاية بحد ذاته، بل إنه، بحجة شفاء الجرح الدامي، يتجلى كما لو أنه يمنح الجدة جواز مرور لارتكاب الفظائع البشعة، مثل تحطيم ركبة الطالب الجامعي بلتران (كارلوس شولتز)، الذي جاء لتلقي درس في العزف على البيانو. وبين الموسيقى الرومانسية، وبين اعترافات يقدمها الشاب للجدة بخصوص الليلة الأخيرة لحفيدتها، يخرج المارد الدموي من قمقمه، فتنبعث الدماء من جسد الشاب، لتغطي البيانو والأريكة، في مشهد يعكس التناقض الفتاك بين معلمة الموسيقى التي تستضيف الوجود بين مفاتيح البيانو، وبين الوحش الراقد في أعماقها الذي خرج ملوّحاً بالساطور، وفاتكاً بلا هوادة أو رأفة، بجسد الشاب المتورط في الجريمة، لكنه ليس قاتلاً، ولا يستحق مثل هذا الانتقام الأعمى. في قلب السجال الأخلاقي ربما في فضاء هذا المشهد الاستثنائي تدور أسئلة العدالة والانتقام، والحلول مكان القانون، والقتل على الظن والشبهة، وهي أسئلة تسكن في قلب السجال الأخلاقي، وتحديداً فيما يتصل بمشروعية الحلول الفردية، وكفاءة النتائج الناجمة عن الانتقام الذي يعيد ولو شيئاً من التوازن النفسي عبر معاقبة (الجاني أو المتهم) بإيذائه والتفنن بتعذيبه قبل قتله، كما فعل زعيم عصابة المخدرات رافائيل، والد الشابة الضحية مارتا، بالمذيع الإعلامي الذي اغتصب ابنته، حيث ربطه بالأغلال وعلقه بسقف كراج لبيع السيارات الفخمة، وبعد أن فرغ من التنكيل به، أنزل سيارة ببطء على جسده وهرس عظامه، وسط صرخات خرقت عنان السماء. في حالتيْ رافائيل، والجدة إيزابيل، جاء الانتقام باعتباره “واجباً”، في إخلال واضح بالقواعد الأخلاقية التي أرساها كانط، وفي قلبها أنّ “القانون الأخلاقي يمكن أن يدفعنا بقوة بما يقلل من وزن جميع ميولنا الطبيعية وتأثيرها، بما فيها حب الحياة” كما ورد في كتاب جون رولز “محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق” الذي ترجمه ربيع وهبه، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2019). رأي كانط يتعارض مع نزعات النفس البشرية الأمّارة بالانتقام، بدليل تقرير أثبت أنّ 3 من بين 5 حوادث إطلاق نار في الولايات المتحدة، جرت بدافع الانتقام. وفي نظر علم النفس أنّ المنتقِم يشعر بالانتصار، على ما يستبطن ذلك من مشاعر غامرة بالرضا، فضلاً عن إيصال “درس” للجاني، كي يكون عبرة لسواه. والتاريخ بعامة، والعربي بخاصة، مليء بالشواهد والأمثلة والمرويّات والأشعار التي لخصها المتنبي: “لا يسلَمُ الشرف الرفيع من الأذى، حتى يُراقَ على جوانبه الدم”. الانتقام، وفق المسلسل، يبدو فعلاً مداناً، ولا يؤدي لاستعادة الميتين والمخفيين، بدلالة اللقطة الأخيرة التي تمثلت في قرار الجدة الانتحار، مرغِمة على ذلك تاجر المخدرات الذي كان برفقتها في السيارة أثناء الاندفاع العنيف بها في قعر البحر، في مشهد صوّر العملية كأنها خيار لذيذ وعادل. وتلا هذا الانتحار، الذي قامت الكاميرا بشعرنته، عبارة لكونفوشيوس: “قبل أن تشرع في رحلة الانتقام، احفر قبرين”. المزيد عن: منصة نتفليكسمسلسل إسبانيالعنفالثأرالحفيدةالجدةبعد فلسفيخلفية نفسانية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عندما قلب مارسيل دوشان الطاولة على الفن الحديث next post عن “بركات” المكارثية السوداء على هوليوود الخمسينيات You may also like السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة 10 مارس، 2026 فاطمة أيديمير تروي دراما الاغتراب في أوروبا 10 مارس، 2026 أدورنو يحتج على تشييء الفنون وابتذالية الفكر الاحتجاجي 10 مارس، 2026 “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026