الروائي الأميركي سالينجر الذي يعد ظاهرة فريدة (جمعية سان دييغو التاريخية) ثقافة و فنون الأميركي سالينجر يواجه عائلة ومجتمعا يسكنهما الموت by admin 31 أغسطس، 2025 written by admin 31 أغسطس، 2025 142 ترجمة عربية لقصة ورواية قصيرة مجموعتين في “فراني وزوي” اندبندنت عربية / كاتيا الطويل @katiatawil شكل الكاتب الأميركي جيروم ديفيد سالينجر لغزاً طوال حياته (1919-2010)، وهو الذي قرر التواري عن الأنظار في ستينيات القرن الماضي. فبعدما لمع نجمه وحقق أرقام مبيعات هائلة عن كتاب واحد هو “الحارس في حقل الشوفان” (The Catcher in the Rye, 1951, Jerome David Saling) ما لبث أن ابتعد عن الأضواء وقرر عدم نشر أي من أعماله اللاحقة. ومن اللافت أن الكثير من المخطوطات تم إيجادها في بيته بعد وفاته، مما يؤكد أنه واظب على الكتابة بصورة دائمة ومتواصلة مع رغبة شديدة وصارمة بعدم النشر. يذكر أن “الحارس في حقل الشوفان” بعد نشرها عام 1951 ترجمت على نطاق واسع، ولا تزال حتى يومنا هذا تحصد أرقام مبيع عالية على رغم مرور أكثر من نصف قرن على صدورها. وقد أدرجت هذه الرواية في قائمة صحيفة “نيويورك تايمز” و”موديرن لايبريري” لأفضل 100 رواية إنجليزية صدرت في القرن الـ20. القصة والرواية في كتاب واحد (دار المدى) ويجد القارئ العربي اليوم نفسه أمام نص مترجم للأميركي سالينجر بعنوان “فراني وزوي” (دار المدى، ترجمة أسامة منزلجي، 2024) هو كناية عن قصة قصيرة بعنوان “فراني” صدرت للمرة الأولى عام 1955 في مجلة “النيويوركر”، ونوفيلا بعنوان “زوي” صدرت هي الأخرى للمرة الأولى في “النيويوركر” عام 1957. أما فراني وزوي فليسا سوى أصغر فردين من عائلة غلاس التي روى سالينجر قصص أفرادها في خلال مسيرته الأدبية. تتكون عائلة غلاس من أم وأب وسبعة أولاد هم: سيمور (انتحر في فلوريدا عندما كان في إجازة مع زوجته هناك)، وبدي الذي يعيش في نيويورك في بيت صغير جداً، وبوو بوو التي أصبحت ربة أسرة وأماً لثلاثة أولاد، ووالت الذي توفي في الحرب، وويكر توأم والت الذي ولد بعده بـ12 دقيقة، والذي أصبح كاهناً في الكنيسة الكاثوليكية، وزوي الممثل الوسيم الذي تحمل القصة الثانية اسمه، وفراني الفتاة العشرينية التي تعاني شبه انهيار عصبي، والتي تشكل محور السرد في “فراني وزوي”. ويمكن اعتبار “فراني وزوي” نوفيلا مقسومة إلى قسمين أو فصلين على رغم قيام كل فصل منهما على حدة لتكاملهما وتتابع أحداثهما وتناولهما أزمات روحانية وأزمات عائلة آل غلاس وطباع أفرادها الساخر والغريب. ويبدو أن الموت الذي غيب شقيقين من عائلة غلاس ترك بصمته على الذين ظلوا أحياءً فيقول زوي لوالدته عن نفسه وعن شقيقته: “نحن الاثنين، فراني وأنا، مخلوقان غريباً الأطوار. أنا غريب الأطوار في الخامسة والعشرين وهي غريبة الأطوار في العشرين من عمرها” (ص: 74، 100). ويبدو فعلاً أن أفراد عائلة غلاس غريبو الأطوار، فيجد القارئ نفسه أمام عائلة تعاني بشدة نقصاً في التواصل وغياب القدرة على التعبير وانعدام الصلة بالواقع والمحيط. ويبدو أفراد عائلة غلاس روحانيين بطريقتهم الخاصة، إنما أيضاً موسومين باليأس والصمت والغرابة والغربة. إبداع سالينجر تدور أحداث هاتين القصتين عام 1955. تروي قصة “فراني” أحداث موعد غرامي بين فراني وحبيبها ينتهي بحادثة إغماء تصيبها. ما إن تنزل فراني من القطار وتتوجه إلى صديقها حتى يتهيأ للقارئ أنها فتاة زاخرة بالحماسة والحب والفرح. تبدو الفتاة للوهلة الأولى قوية مغرمة مفعمة بالطاقة إنما ما تلبث أن تتزعزع هذه الصورة بعد بداية السرد بصفحات قليلة لتبدو فراني فتاة ضعيفة هشة غير واثقة بنفسها فما تلبث القصة أن تتحول إلى مشهد انهيار فراني رويداً رويداً، فتقول: “أرجوك. أشعر بأنني مزعجة جداً، وأصبح مريعة” (ص:17)، “كنت أكره نفسي كثيراً،” (ص:23)، “كل ما أعرف هو أنني أفقد عقلي. لقد سئمت الذات، الذات، الذات. ذاتي وذات أي شخص آخر” (ص:24). الكتاب بالأصل الإنجليزي (أمازون) تبدو فراني فتاة شابة تعاني أزمات وجودية وروحانية، فعلاقتها بنفسها وبمحيطها وبعائلتها وبدراستها وبأساتذتها، وحتى بالصلاة مختلة. وتبدو هذه الثيمة من أبرز ثيمات أدب سالينجر هو الذي رافق المراهق هولدين كولفيلد في رواية “الحارس في حقل الشوفان”، ووصف ثورته وقضاياه ودواخله بعمق وإتقان. تأتي القصة الثانية “زوي” لتركز على شقيق فراني الذي يقدم مشكلة فراني من منظار العائلة، فيلاحظ القارئ قلق الأم على ابنتها ومحاولة الشقيق تهدئة شقيقته وإخراجها من انهيارها العصبي. تدور أحداث القصة الثانية على عكس القصة الأولى في مكان مغلق حميمي هو بيت العائلة وبدقة أكثر حمام البيت. فتتحدث الأم مع ابنها زوي وتقنعه بالتحدث إلى شقيقته لإقناعها بتغيير تصرفاتها وتناول الطعام والنهوض من الفراش. ويكتشف القارئ مشكلات العائلة ومشكلات أفرادها وطباعهم من خلال حوار رائع بديع فيه الكثير من التهكم واللامتوقع والعفوية. ويتجلى أسلوب سالينجر المتماسك بوضوح في هاتين القصتين هو المعروف بأسلوبه لدى النقاد في كتابة الحوارات والمونولوغات والرسائل وبالتوقف لدى أزمات المراهقين. يشعر قارئ “فراني وزوي” أيضاً كأنه يتابع مسرحية وليس قصة على ورق، فلا ينفك الكاتب يقحم نفسه في سرده عبر جمل مقتضبة غير متوقعة كمثل: “فلأبدأ مباشرة بالأسوأ وأقول إن ما سأقدمه ليست حقاً قصة قصيرة، بل ما يشبه الفيلم العائلي المبتذل” (ص: 35) ثم يقدم سالينجر الشخصيات على أنها شخصيات في مسرحية وليس في قصة قصيرة، وخير دليل على ذلك طريقة تقديم زوي في ما يبدو وكأنه عملية إخراج مشهد أو مجموعة ملاحظات معطاة للممثلين في الكواليس قبل اعتلائهم خشبة المسرح: “عند الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم إثنين في شهر تشرين الثاني عام 1955، كان شاب في الخامسة والعشرين، اسمه زوي غلاس، جالساً في مغطس استحمام ممتلئ يقرأ رسالة عمرها أربع سنوات،…” (ص: 36). عائلة محكومة بالصمت والغربة ينقل سالينجر قصتين من قصص أفراد عائلة آل غلاس. وتبدو هذه الأخيرة مفككة مدمرة يحكمها الموت والصمت والتغرب عن الآخرين وعن الذات. حتى الأشياء موظفة لخدمة هذه الثيمات. فأولاً يبدو الكتاب الذي تحمله فراني نذير شؤم ومحرك مأساتها وحزنها وأزمتها. فيرد في النص: “الكتاب الصغير الذي كانت تحمله معها وهي تتنقل في أرجاء المنزل كله بالأمس هو في العموم أساس هذا الأمر كله” (ص: 69). كتاب غريب حول الصلاة تحاول فراني منذ بداية النص أن تتجنب الحديث عنه، لكنه ما يلبث أن يظهر قربها وفي محفظتها وعلى سريرها ومعها أينما كانت. ويبدو أن هذا الكتاب الذي يجب أن يحمل غذاءً روحياً لقارئه يتحول إلى مقصلة أو حبل مشنقة يحرم فراني لذة العيش والاستمتاع بشبابها. كذلك يلفت انتباه القارئ رداء منزل الوالدة الذي لا تنفك ترتديه نفسه منذ سنوات، والذي يصفه الراوي عن لسان الابن بأنه يذكره بالموت، فيقول: “كانت ترتدي رداء المنزل العادي – الذي أطلق عليه ابنها بدي اسم زيها الذي ينذر بالموت” (ص: 53). يلاحظ القارئ أيضاً تدخين عائلة آل غلاس الشره، وكأنهم مصابون جميعهم بانهيار عصبي أو بحالة توتر شديدة دائمة. يتناول أفراد عائلة غلاس السجائر بصورة مستمرة ومُتتالية، ولا يكاد الواحد منهم يطفئ سيجارته حتى يشعل الأخرى لتكون هذه الحركة نوعاً من دليل على الانفعال والاضطراب والإرهاق الشديد والضغط النفسي. كذلك يظهر الراديو الذي يلجأ إليه الوالد في المواقف الحرجة كنوع من الرغبة في الهرب من الحياة والواقع. يدير الأب الراديو لدى كل مشكلة ومصيبة ولدى بداية كل حديث جدي. فيكتب الراوي عن تصرف الأب: “يعتقد أنه إذا أدار مفتاح الراديو وترك أحد المطربين البلهاء يغني، فإن أي شيء غريب أو كريه سيتلاشى ببساطة” (ص: 60). يقتل الراديو الأحاديث التي يجب أن تدور بين أفراد عائلة واحدة ويخلق نوعاً من الانعزالية والصمت الإجباري وغياب التواصل وعدم الرغبة بالتعبير عن الذات. من ناحية أخرى يرفض بدي اقتناء هاتف لتتواصل معه والدته، وكأنه بذلك يرفض أي رابط بينه وبين عائلته. رغبة الشقيق بعدم اقتناء هاتف دليل رمز لقطع أي علاقة بالعائلة والماضي والذات. تفضح الأشياء في سرد سالينجر إذاً تشتت العلاقات وتفتتها وغياب الحميمية بين أفراد العائلة الواحدة من دون أن يضطر الراوي إلى قول ذلك بطريقة واضحة، وهو من الأمور الكثيرة التي حولت سرد سالينجر إلى سرد مميز ينقل حال جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية والدمار الذي طاول الأفراد والعائلات والمجتمع بأسره. المزيد عن: روائي اميركيقصةروايةترجمةالعائلةالمجتمعالأزمة الإنسانيةالموتالسرد 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “هجرة” يدعو جمهور البندقية إلى رحلة وجدانية داخل السعودية next post هل دفع تآكل زعامة حفتر موسكو باتجاه الانفتاح على أبنائه؟ You may also like ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026