عمران يونس بأقلامهم نجوى بركات تكتب عن: “الغباءُ الأخلاقي” by admin 20 أغسطس، 2025 written by admin 20 أغسطس، 2025 108 مع التفكير في مقولة “الغباء الأخلاقي”، لا بدّ من القول إنه لا ينشأ من فراغ، بل يُصنَع ويُحصَّن بسياج من التبريرات: حماية “التحالفات الاستراتيجية”، ضمان “الاستقرار”، أو التذرّع بـ”الموضوعية”. العربي الجديد / نجوى بركات – كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف “كيف تكتب رواية” في إحدى مقابلاته في “الجزيرة الوثائقية”، أشار المؤرّخُ الإسرائيلي إيلان بابيه، في معرض تناوله موقف الغرب من إسرائيل في سياق ما ترتكبه في غزّة وفلسطين، إلى ما سمّاه “الغباء الأخلاقي”، طارحاً السؤال: لماذا يصبح أكثر المفكّرين أهميةً (صحافيين، أكاديميين، سياسيين، مثقفين) أغبياء حين يتحدّثون عن إسرائيل؟… والمطروح هنا بالطبع هذا الميل المتعمّد والمُغالي إلى عدم الفهم ورفض الاعتراف بالحقيقة، حتى حين تكون الحقائقُ ماثلةً بوضوح أمام العيون. هذا الغباء ليس عجزاً عن التحليل، بل هو رفضُ الإقرار بأن ما يجري جريمة، ذلك أنه يفترض من ثمّ ضرورةَ اتّخاذ موقف واضح، أقلّه التنديد بها والتصدّي لها. هكذا اختار كثرٌ من المفكّرين والمثقّفين الكبار عالمياً الطريقَ الأسهل: غضّ الطرف، تلطيف اللغة، وإحالة المأساة إلى “تعقيدات الصراع”. وهذا قرارٌ واعٍ بالابتعاد عمّا هو أكثر من بيّنٍ وجلي، والاختباء في ظلّ الإنكار، هرباً من مواجهة تناقضاتٍ قاتلة، أو تفادياً لخسارة امتيازاتٍ مهمّة. ويضيف إيلان بابيه أن هذا النمط من التفكير إنما هو من أشكال إذلال الذات أمام القوّة المهيمنة، إذ تتبنّى المجتمعاتُ (كما الأفراد) روايةَ الجلّاد كما هي، مانحةً إيّاها شرعيةً جديدةً، ومحوّلةً المعنيّين بها شهداءَ زور، وربّما شركاء في إعادة إنتاج الظلم. ومع التفكير في مقولة “الغباء الأخلاقي”، لا بدّ من القول إنه لا ينشأ من فراغ، بل يُصنَع ويُحصَّن بسياج من التبريرات: حماية “التحالفات الاستراتيجية”، ضمان “الاستقرار”، أو التذرّع بـ”الموضوعية”. فالإعلام بات متخصّصاً في صوغ لغةٍ مطهَّرة تُخفي الدمَ تحت مصطلحاتٍ باردة تُخبر نصف الحكاية، طامرةً النصف الآخر تحت أطنانٍ من الصمت. وكلّما طال هذا الصمت، صار الخروجُ منه أصعب، والضميرُ الجماعي أقلَّ مقدرةً على التمييز بين الحقّ والباطل. ففي البنية النفسية لهذا الغباء، نجد آليات الإنكار التي يعرّفها علمُ النفس الاجتماعي تبرير الأذى، إلقاء اللوم على الضحية، أو تحييد النقاش تحت شعار “الأمور معقّدة”. بالطبع، ليس هذا حياداً، بل تواطؤاً مقنّعاً يشلّ الضمير ويحوّل الإنسان مراقباً سلبياً يبرّر عجزه بأنه “خارج اللعبة”. تحدّث الفيلسوف الألماني السويسري، والطبيب النفسي كارل ياسبرز، عن ذنب لا يتطلّب المشاركةَ المباشرة في الجريمة، إذ يكفي أن تعرف وتسكت. وبهذا المعنى، يصبح الغباء الأخلاقي القناعَ الذي يحجب عن صاحبه ملامحَ ذنبه. بيد أنه قناع هشٌّ، لأن الحقيقة مهما حُجبت تظلّ تطرق بابَ الوعي لتعود في الكوابيس ومشاعر التوتّر والانفصام. أمّا فكرة إذلال الذات، فهي ليست خضوعاً للقوة فحسب، بل هي تخريبُ المقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، كما حين يعجز الفرد أو المجتمع عن قول “هذه إبادة”، أو “هذه مجزرة”، فيتحوّل اللسانُ أداةً من أدوات القمع، حتى لو كان الشعورُ بالألم عظيماً. مع الوقت، تذبل الأحاسيس، لأن التناقض بين ما يدركه المرء في عمقه وما يقوله في العلن يستهلكه من الداخل. إن المجتمعات التي تحيا طويلاً في ظلّ مثل هذا “الغباء الأخلاقي”، تفقد تدريجياً طاقتها على إنتاج المعنى، إذ تتركّز جهودها في إعادة تدوير الأكاذيب وتحويل التفكير الحرّ خطراً يتهدّد “الوحدة” و”الأمن”. أمّا العمل على كسر دائرة الغباء الأخلاقي، فبسيط وخطير في آن، ويمكن اختصاره بالرؤية بلا تبرير أو إنكار، مع تحمّل ألم المشاهدة. فما إن تُفتح العينُ على الحقيقة، حتى يصبح الصمتُ أكثر كلفةً من الكلام، والعجزُ عن الفعل أشدَّ إيلاماً من المخاطرة بالفعل. في النهاية، يشبه الغباءُ الأخلاقيّ استراحةَ الجبان على حافّة الحقيقة والتفرّج عن بُعد. بيد أنها استراحة قصيرة، ذلك أن التاريخ لا يرحم، والحقيقة، مهما طُمست وحوربت، ستعود ذات يوم لتذكّر شهداءَ الزور بأن إذلال الذات وإرغامها على الانحياز إلى الظالم واعتماد روايته، لن يحميا أحداً، وأن التجاهل المتعمّد للحقيقة هو أخطر أشكال خيانة الذات. “يكفي أن تعرف وتسكت”… المزيد عن: الجزيرة الوثائقيةالضمير الجمعيإيلان بابيه 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post لبنان يرمي الكرة في ملعب برّاك: على إسرائيل بدء خطواتها next post «كتارا» تعلن عن قائمة الـ9 لجائزة للرواية العربية You may also like حازم صاغية يكتب عن: الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين 10 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: حرب تغيير الملامح 10 مارس، 2026 داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط... 8 مارس، 2026 دانيال بايمان يكتب عن: هل لا يزال “حزب... 8 مارس، 2026 ريتشارد فونتين يكتب عن: الحرب على طريقة ترمب 8 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: نهاية إيران كقوة... 8 مارس، 2026 دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026