مشهد من اقتباس سينمائي لـ_الدون الهادئ_ (موقع الفيلم) ثقافة و فنون “براءة” أدبية متأخرة لـ”الدون الهادئ” ومؤلفها by admin 16 أغسطس، 2025 written by admin 16 أغسطس، 2025 135 عندما أعاد التاريخ الاعتبار لميخائيل شولوخوف أحد أعظم الكتاب في القرن الـ20 وروايته الكبرى عن بلاده القوقاز اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب لعل من أسوأ ما حدث للكاتب الروسي (القوزاقي) ميخائيل شولوخوف أنه رحل عن عالمنا في عام 1984 والحياة الأدبية الروسية لم تتمكن بعد من إصدار حكم نهائي عليه، يتعلق خصوصاً بقيمته الأدبية والتاريخية. وذلك في سجالات قد تكون توسعت وقست منذ حصوله على جائزة نوبل الأدبية في عام 1965، لكنها بدأت وداخل بلاده تحديداً بصورة مبكرة منذ أواسط ثلاثينيات القرن الـ20، أي منذ اكتمال صدور الأجزاء الثلاثة الأولى، (وقبل صدور الرابع والأخير) من روايته الأولى والكبرى “الدون الهادئ”، التي اتهمت من ناحية بأنها ستالينية، ومن ناحية أخرى بأنها معادية للاتحاد السوفياتي. لكننا نعرف على أية حال أن كلاً من تينك التهمتين كانت ظرفية وأيديولوجية، بينما كانت التهمة الأخطر والأكثر مدعاة لحزن الكاتب نفسه، تلك التي وجهها له مكسيم غوركي، قائلاً إن شولوخوف ينهل فيها من “الحرب والسلام” لتولستوي، وإنه بالتالي لم يأت فيها بجديد على صعيد الإبداع الروائي. ولئن كان كثر من النقاد والمؤرخين قد ساروا على خطى غوركي في توجيه ذلك “الاتهام”، قد يجدر بنا أن نتنبه هنا إلى أن شولوخوف نفسه لم ينكر تلك الجزئية، بل زاد عليها أنه إنما توخى في تلك الرواية بالذات أن يتتبع خطى سلفه الكاتب الروسي الكبير، حتى في تعامل هذا الأخير مع حياة شعب القوزاق في روايته الكبيرة الأخرى “القوزاق”، ولكن “من الداخل” بالنظر إلى أن شولوخوف نفسه كان قوزاقياً يعرف تماماً عما يتحدث، هو الذي يعتبر على أية حال، أول كاتب قوزاقي يدخل الأدب الروسي من بابه العريض. ميخائيل شولوخوف (1905 – 1984) (غيتي) بين عملين كبيرين ويعيدنا هذا لما افتتحنا به هذا الكلام هنا لنفسر: لقد كان من سوء حظ ميخائيل شولوخوف (1905 – 1984) إذاً أنه مات في ذلك الحين، لأنه لو انتظر عقداً ونصف عقد لسره أن تقرر لجنة من العلماء ومؤرخي الأدب الروس بطلان كل التهم التي وجهت إليه، ومنها خصوصاً كونه “اقتبس” روايته من كاتب روسي آخر أقل شهرة ومكانة منه هو كرياكوف. علماً أن ما وجهه غوركي إلى شولوخوف من كونه يسير على خطى تولستوي أمر لم ينكره صاحب “الدون الهادئ” أبداً، بل عده مما يفتخر به وبكونه قد تعلم من السلف الكبير هندسة أدبية، مكنته من أن يرسم في روايته الضخمة مصير شعب بأكمله ومسار تاريخ كان حين صدرت الرواية يبدو مطموساً ومنسياً، لكنه يتعلق ليس بأمور تعلمها من الكتب ولو كانت كتباً كبيرة، بل من الحياة التي عاشها بنفسه، أو رويت له في بيئته الاجتماعية، وتتعلق بأناس منهم من هم حقيقيون عاشوا بالفعل وشاركوا في صناعة تلك الأحداث، بل منهم من عرفهم هو نفسه عن قرب وكان من بينهم أقرباء له. أما ما عدا ذلك فلم يضره أبداً أن يكون تعلم من تولستوي الكبير كيف يبتدع التضافر بين التاريخ الكبير الذي لا يكون عادة ملكاً لأحد، بل جزءاً من ملكية من يعرف كيف يستخدمه إبداعياً، والتاريخ الصغير الذي يضفي حيوية إنسانية على الأعمال الأدبية التي تتنطح للتعامل مع التاريخ الكبير. وتلكم كانت بالنسبة إلى شولوخوف العلاقة الحقيقية بين “الحرب والسلام” و”الدون الهادئ”، أما بالنسبة إلى القوزاق “فالعلاقة أعمق بالنظر إلى أن ’الدون الهادئ‘ تحمل في طياتها عن حياة القوزاق ما يمكن اعتباره إجابات توضيحية أريحية، تتعلق بكثير من الأسئلة التي تتبقى لدى قارئ ’قوزاق‘ ليون تولستوي، بعدما ينتهي هذا القارئ من قراءتها منبهراً بالتوصيف الذي يقدمه تولستوي لحياة هذا الشعب، ولو من خارجه”! “الدون الهادئ” في طبعة فرنسية (أمازون) رحلات بين الحب والحرب والحال أن القوزاق في “الدون الهادئ” ليسوا مجرد شعب يقيض لبطل ما أن يعيش بين أفراده ويرصد حياته رصد “مستشرق” ما، بل إن الرواية كلها هي سجل لعقود عدة من حياة هذا الشعب تمتد بين بدايات القرن الـ20 والأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فإن هذا الشعب القوي والعنيد والمتمسك بحريته وكرامته يمر خلال نحو من ثلث قرن بتجارب ضخمة على مسرح التاريخ: إنه يمر بثورتين وحرب أهلية وحرب عالمية أولى. وسلسلة من انزياحات أخرى، ولكن لأن “الدون الهادئ” ليس كتاب تاريخ، بل رواية بالمعنى الأكثر تحديداً للكلمة، ولأن شولوخوف لم يحاول أن ينكر أبداً تعلمه من تولستوي، نراه يدمج على طول أجزاء روايته ووسط مجموعة من الحكايات المتشعبة حكاية غرامية أساسية تجمع بين القوزاقي غريغور ميليخوف وابنة قريته آكسينيا التي تغرم به بدورها، على رغم أنها متزوجة من قريب لها وصديق له هو استيبان آستاخوف. وآكسينيا لا ترى غضاضة، وهي في مواجهة زوجها ذي الشخصية الضعيفة، أن تتمتع بحب غريغور لها، وهو الرجل المقدام ذو السيرة الحسنة. فالعصور عصور جديدة، والمرأة اليوم غير امرأة الأمس والحياة تطورت، وهي أصلاً لم تختر الرجل الذي زوجته بل فرض عليها، تماماً كحال ناتاليا الزوجة التي فرضها والد غريغور على ابنه. وهكذا، كما الحال في “الحرب والسلام” ولكن كذلك، إن نظرنا إلى الأمر عن كثب، في “ذهب مع الريح” للأميركية مرغريت ميتشل، تضحي أجزاء الرواية نوعاً من رحلات مكوكية بين الحب والحرب، بين الخاص في أكثر أماراته خصوصية والعام في أشد أبعاده عمومية. بل لعلنا لا نبالغ إن أشرنا إلى أن “الدون الهادئ” تبدو في هذا المجال أكثر تشويقاً من الروايتين الكبيرتين الأخريين، حتى ولو بدت أقل رومانطيقية منهما. جانب علمي لا مراء فيه بل لا شك أن في إمكاننا أن نضيف هنا أن شولوخوف نفسه إنما يشتغل بقوة في روايته هذه، وكما سيفعل في الأقل في روايتين أخريين له، هما “مصير إنسان” و”الأرض حرثناها”، على الجانبين الأنثروبولوجي والسوسيولوجي فيها. وذلك من خلال فصول عديدة في الرواية تتوزع على مجراها كله، ولكن أكثر من ذلك، على صفحات تقديمية رائعة يغوص عبرها في استعراض تاريخ القوزاق على مدى الأزمنة، وتاريخ علاقتهم بالقارة الروسية وصراعاتهم الداخلية ومع الآخرين، مروراً بأخلاقهم العنيدة وشخصيتهم المشاكسة وعواطفهم الجامحة، ويقيناً على أية حال أن هذا البعد في الرواية، الذي يدبجه شولوخوف، كما أشرنا قبل فقرات، من الداخل بوصفه هو نفسه منتمياً إلى ذلك الشعب نفسه، ويشعر بالتالي بأن من واجبه كتابة نص يتقاطع مع نص تولستوي حول القوزاق، هذا البعد يشكل جزءاً من متعة قراءة هذه الرواية الاستثنائية. وهي تلك الأبعاد نفسها التي تهيمن على حكاية الحب المتواصلة على طول النص والتواريخ التي يتوزع عليها طوال سنوات عدة، ستنتهي على أية حال بموت آكسينيا وغوص غريغور في يأسه النهائي، بعدما أخفق في حبه كما في كل ما فعل وما تأرجح فيه بين البيض والحمر، خصوصاً خلال الحروب الأهلية التي اندلعت منذ انتصار الثورة البلشفية ومجابهة البيض لها مدعومين من القوى الرجعية القوزاقية نفسها، ولكن من القوى الخارجية (الألمان خصوصاً). بوستر فيلم “الدون الهادئ” (موقع الفيلم) ما بعد الحرب الباردة ولعل اللافت هنا هو أن التقديم التاريخي الذي يمهد به شولوخوف لأحداث روايته، لا يبدو بأية حال مقحماً عليها، بل سيتعامل القارئ معه كجزء أساس من السرد الروائي نفسه. ولا شك أن هذا المزج الخلاق بين التخييلي والتاريخي، بين الواقعي والمبتكر، هو الذي يعطي رواية “الدون الهادئ” فرادة مطلقة، ولا سيما منذ باتت خارج إطار السجالات الأيديولوجية بعد انهيار الحكم الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي، وبالتالي خفوت تلك النغمة التي كانت تريد أن ترى في كل نجاح إبداعي في هذا البلد “إما أيد ستالينية تقليدية”، و”إما أصابع انشقاقية”. ونعرف أن تلك كانت قسمة ظلمت كثيراً من الإبداعات في تلك البلاد ذات الثقافة العظيمة، كما أفرطت في إعطاء فرص غير مستحقة لإبداعات أخرى، لمجرد أنها كانت، قبل إعلانها هويتها، تعلن انشقاقاً ما أو موقفاً أيديولوجياً كان يصلح للاستعمال أيام الحرب الباردة وما سبقها وما تلاها. المزيد عن: ميخائيل شولوخوفالأدب الروسيالقوقازالدون الهادئالاتحاد السوفياتيالستالينيةمكسيم غوركيتولستويجائزة نوبل 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post صنع الله إبراهيم الروائي المجدد الذي لم يهب السجن next post مهى سلطان تكتب عن: معرض جماعي يستكشف الصورة برمزيتها الحديثة You may also like “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026