ثقافة و فنونعربي غروبيوس في بغداد وطموح كبير لبناء الجامعة – الحلم by admin 11 ديسمبر، 2020 written by admin 11 ديسمبر، 2020 185 جهود عمرانية مدهشة في بلد منفتح نسفتها التقلبات السياسية اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كما كانت الحال مع لوكوربوزييه وفرانك لويد هارت وغيرهما، لم يتحقق لقاء العاصمة العراقية مع الحداثة العمرانية في الخمسينيات والستينيات، وكان يفترض أن يتحقق من خلال والتر غروبيوس هذه المرة. وكان غروبيوس واحداً من أولئك العمرانيين العالميين الذين سعت السلطات العراقية أيام حكم نوري السعيد وفي ظل الملكية الشابة المتنورة التي كان يمثلها فيصل الثاني، إلى اجتذابهم لتحقيق مشاريع ضخمة ومعاصرة في عاصمة الرشيد، لا تكتفي بأن تجعل بغداد مدينة حديثة بل تساهم في خلق جيل محلي من العمرانيين يصلون العراق بتاريخها الفني الموغل في القدم. هكذا بدأت الحكاية غروبيوس الذي كان في ذلك الحين يقيم ويعمل في نيوإنغلند بالولايات المتحددة مكللاً بمجد تاريخه الكبير ولا سيما بمجد مساهماته الرئيسية في تأسيس البوهاوس في ألمانيا قبل مبارحته وطنه هذا تحت ضغط النازية، بدأت حكايته مع المشروع العراقي الذي كان من المفترض أن يكون جباراً ومتنوعاً، في أواسط الخمسينيات حين التقى طالباً عراقياً استنتج من خلال مناقشات مطولة معه أن ثمة في بغداد من يفكر بجعلها على غرار برازيليا عاصمة جديدة ومعاصرة لبلد ينفتح على العالم، وهو ما كان غروبيوس نفسه يتطلع إليه ليس في بغداد طبعاً بل في أي مكان في العالم يمكن لسلطاته أن تحتضن مشروعاً من هذا النوع يساهم فيه كبار المعماريين. وهكذا خلال عودته من رحلة طويلة قام بها إلى اليابان دُعي غروبيوس لزيارة بغداد وهناك خاض نقاشات مثمرة مع عدد من المثقفين الفاعلين في العراق تمخضت عن اتفاقه مع السلطات على أن يصمم وينفذ مشروعاً جامعياً هائل الطموح يتألف من مجمعات وبيوت وقاعات إدارة عدة تتسع لما لا يقل عن اثني عشر ألف طالب. شيء لم يسبق لأحد أن حلم به لا في العراق ولا في أي بلد شرق أوسطيّ آخر. وكانت حماسة غروبيوس كبيرة تعادل حماسة السلطات التي وعدته بتوفير كل الإمكانات اللازمة كما وعدها هو بأن يكون تصميمه فرصة لخلق مكان لقاء وحوار وتفاعل بين الأجيال العراقية الجديدة ومركز إشعاع ثفافي حقيقيّ. حلم حياة كان ذلك بين الأعوام 1953، 54، و54. وبالفعل انطلق غروبيوس في مشروعه بالتفاهم التام مع السلطات وزملائه من المعماريين العراقيين. وكانت التصميمات والرسوم باهرة وواعدة. وراح غروبيوس يتنقل بين أميركا وأوروبا والعراق مصرّحاً بأن هذا المشروع لا يقلّ عن أن يكون حلم حياته وأنه كان يحلم به منذ بداياته كمهندس. وكان العمل التنفيذي يسير بكل هدوء وثقة حتى في منأى من التطورات السياسية في المنطقة. ولقد تركز العمل أول الأمر على البرج الرئيسي للجامعة الذي كان جزء كبير منه قد أُنجز حين قام الجيش العراقي بانقلاب 1958 تحت قيادة عبد الكريم قاسم. واللافت أن هذا الأخير حين فوتح بأمر استئناف العمل في تشييد الجامعة وافق متحمساً ووعد بتوفير الأموال والظروف اللازمة بل إنه طلب مقابلة غروبيوس والتحدث معه في ذلك الشأن. وسيقول غروبيوس إن الشكل الذي اتخذه اللقاء وسط حراس الزعيم لم يكن مطمئناً، لكن الزعيم نفسه وعد بتسوية كل المشاكل التي قد تعترض المشروع. وبالفعل وجد المعماري الكبير الذي كان يقترب حينها من عامه السبعين، يواصل العمل متنقلاً بين الولايات المتحدة وبغداد مشرفاً بنفسه على كل شاردة وواردة آملاً في أن يرى حلمه الجامعي ذاك مكتملاً قبل أن يعجز عن الحركة أو يرحل. والتر غروبيوس في برلين (غيتي) اغتيال قاسم يوقف المشروع صحيح أن غروبيوس سوف يعيش سنوات أخرى، لكن المشكلة أن انقلاباً جديداً أطاح هذه المرة عبد الكريم قاسم وشارك فيه بعثي شاب يدعى صدام حسين سيسيطر على الحكم بعد سنوات، وسيكون كما تقول الحكاية التي رواها بنفسه من بين الذين قتلوا قاسم، ما وضع نهاية لمشروع غروبيوس. لقد كان هذا الأخير يحلم بأن يختم حياته بالجامعة البغدادية لتكون جزءاً من إعادة بناء العراق كله… لكن حلمه تحطم، صحيح أن غروبيوس وجد نفسه ينجز أعمالاً ضخمة أخرى قبل رحيله في صيف عام 1969 في بوسطن، ولكن ليس جامعة بغداد التي يبقى منها إلى اليوم مبان قليلة تشهد على اهتمام المصمم الألماني الأصل بأن تكون بغداد مقر “بوهاوسه” الجديد، هو الذي كان قد وضع في ذلك الحين تصميمات ورسوماً للبوهاوس القديم لكي يصار إلى تشييد مبنى لمحفوظاته في برلين بين 1976 و1979، من المؤسف أنها لا تفيدنا بشيئ عن حكاية جامعة بغداد! ونعرف من ناحية مبدئية أن “البوهاوس” ليس سوى جامعة لدراسة المعمار والفنون. وهو بهذه الصفة يكاد يكون شبيهاً بعشرات الأماكن في طول أوروبا وعرضها. غير أن هذه الصورة لـ”البوهاوس” ليست سوى نتيجة للوقوف، في النظر إليه، عند سطح الأمور لا أكثر. فهذه المؤسسة الفنية كانت في ذلك الحين فريدة من نوعها، وتجلت عند تأسيسها كمكان يخفي خلف هندسته المعمارية روحاً حية لعبت دوراً كبيراً في بعث الفن الألماني. وبالتالي في مقاومة كل صنوف التعصب والجمود التي لئن انتصرت في ألمانيا، بفعل انتصار النازيين بعد ذلك، فإنها لم تتمكن أبداً من دحر روح التقدم والنزعة الإنسانية التي مثلها “البوهاوس”، ذلك الصرح الذي ارتبط اسمه باسم التيارات الفنية الحديثة والنهضة الفنية الكبرى التي عرفها العالم الغربي في ذلك الحين. روح رجل في روح المكان حملت جامعة “البوهاوس” التي تأسست في جمهورية فايمار بألمانيا ربيع 1919، ثم انتقلت إلى ديساو، بعد انهيار الأخيرة، اعتباراً من 1923، منذ البداية روح وعقلية والتر غروبيوس الذي صمم مبنى “البوهاوس” ما جعل اسميهما لا ينفصلان البتة بعد ذلك، ما جعله الأب الروحي للنهضة الفنية الكبرى، وإلى حد كبير للنهضة السينمائية الألمانية التعبيرية التي لعبت هندسة الديكورات فيها دوراً أساسياً (“عيادة الدكتور كاليغاري” و”متروبوليس” على سبيل المثال). والحال أن غروبيوس كان، منذ لحظة تأسيس “البوهاوس” قد أصدر بياناً مهماً، اعتبر يومها تأسيسياً، صاغ فيه مبدأ وحدة الفنون، معلناً أن المعرفة والمهارة العملية عنصران أساسيان لا ينفصلان عن أي نشاط فني مهما كان سموه الروحي. لعل في هذه النقطة الأساسية تكمن واحدة من مآثر غروبيوس الكبرى، التي جعلته لا يعتبر مجرد واحد من أكبر معماريي القرن العشرين، بل من أكبر منظري الفنون البصرية، من معمارية وغير معمارية. ومع هذا فإن المبدأ الأساسي للعمل في “البوهاوس” لم يكن قائماً، فحسب، على إعادة اكتشاف الوحدة بين العمل الفني والعمل الحرفي كما عبر عنها غروبيوس، بل على دعوة – وممارسة – هذا الأخير نزعة توسيع آفاق العملين عن طريق استخدام التقنيات وضروب التطور العلمي كافة التي يتيحها لنا العصر. باختصار كان غروبيوس، في “البوهاوس” وعبره، يدعو إلى دخول الفن في القرن العشرين واستفادته من كل إمكانات هذا القرن. من هنا، حين رحل والتر غروبيوس عن عالمنا يوم الخامس من تموز (يوليو) 1969 اعتبر خسارة كبيرة لفنون القرن العشرين، ولذاكرة تلك الفنون، على الرغم من أنه كان في ذلك الحين يقترب حثيثاً من عامه التسعين وكان قد كف عن أن يكون أكثر من مجرد ذكرى. لو أنجزت! ولد والتر غروبيوس في 1883 وتلقى علومه في ميونيخ حيث أقام في 1918 “محترف فنون” كان الأساس الأول لمشروع “البوهاوس” الذي أسسه في العام التالي، بعدما عين مديراً لمدرسة الفن التطبيقي في فايمار. وعبر “البوهاوس”، كما أشرنا، مارس تأثيراً صارخاً على الفنون في أنحاء عديدة من البلاد. غير أنه، ومع الإشارات المبكرة إلى صعود النازية، اضطر للرحيل إلى الولايات المتحدة في 1928 مؤسساً مدرسة هارفارد المعمارية. ومنذ ذلك الحين عاش أغلب سنوات حياته في أميركا حيث حقق العديد من المآثر المعمارية ووضع الكثير من الكتب، وظل له مكانه المبجل في عالم فنون القرن العشرين على الدوام، ما جعل بغداد ذات لحظة انفتاح على العالم تتعاقد معه لبناء تلك التي كان من شأنها لو أُنجزت أن تكون واحدة من أعظم الصروج الجامعية في الشرق الأوسط. المزيد عن: العراق/فن العمارة/والتر غروبيوس/عبد الكريم قاسم 6 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post موسم استثنائي للمزارعين اليمنيين بعد انتهاء الحصاد next post “فتاة” الأدب الياباني مييكو كاواكامي تروي محَن الطفولة You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 6 comments web site 30 مايو، 2025 - 11:44 م 813250 983640This will be a fantastic site, may you be interested in doing an interview about how you developed it? If so e-mail me! 908087 Reply หนังโป๊ 13 يونيو، 2025 - 2:26 م 871775 318635I take great pleasure in reading articles with quality content material. This post is 1 such writing that I can appreciate. Keep up the good function. 62537 Reply หนังสั้นจีน 6 سبتمبر، 2025 - 1:49 م 748415 727194My plate is real full and your tryna give me more food, boy what the fuck is wrong wit you?!|guruisthebomb| 90393 Reply หนังโป๊ 27 سبتمبر، 2025 - 8:03 ص 242088 163161The Twitter application page will open. This is very good if youve got a few thousand followers, but as you get more and much more the usefulness of this tool is downgraded. 525547 Reply click here for more info 2 نوفمبر، 2025 - 7:53 م 856390 547565I truly appreciated this gorgeous blog. Make certain you keep up the great function. Greatest Regards . 964292 Reply ประกันชีวิตในอเมริกา 21 يناير، 2026 - 12:10 ص 866882 664634baby strollers with high traction rollers ought to be significantly safer to use compared to those with plastic wheels- 480211 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.