“الكرنك” لنجيب محفوظ تثير عاصفة غريبة من الغضب – CANADA VOICE
السبت, سبتمبر 5, 2026
السبت, سبتمبر 5, 2026
Home عربيثقافة و فنون “الكرنك” لنجيب محفوظ تثير عاصفة غريبة من الغضب

“الكرنك” لنجيب محفوظ تثير عاصفة غريبة من الغضب

by admin

صفحات سريعة وقليلة لواحدة من أقسى مراحل التاريخ المصري

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

لعل من غريب أمر رواية “الكرنك”، التي أصدرها نجيب محفوظ أوائل سبعينيات القرن العشرين، أنها حين صدرت على حلقات في صحيفة “الأهرام”، لم تُثر من الضجة و”الغضب اليساري” ولو جزءاً بسيطاً من ذلك “الغضب” الكبير الذي أثارته حين تحولت إلى فيلم في عام 1975 من إخراج علي بدرخان، وإنتاج ممدوح الليثي، وتمثيل سعاد حسني ونور الشريف. ولئن كنا تعمدنا هنا ذكر هذه الأسماء فالسبب بسيط: لقد كان أصحابها قبل “الكرنك”، وبعده، من غلاة الناصريين، وثلاثة منهم كانوا يعتبرون حتى في صفوف اليسار الناصري، وكانوا تحديداً منتمين إلى التيار الفكري السياسي نفسه الذي حل غضبه على الفيلم، بينما وقف من الرواية حين صدورها موقفاً معاتباً غريباً أكثر منه غاضباً بصورة جدية. فهل لأنه كان يحق لمحفوظ ما لا يحق لغيره؟

الفيلم تفوق على الرواية

مهما يكن من أمر، لا بد من إشارة أولى هنا إلى أمر قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، وهو أنه في حين يمكن القول إن رواية محفوظ كانت ولا تزال تعتبر من أعماله الضعيفة؛ متناً وسياقاً وتركيباً، وتكاد تكون خطية، لا شك أن الفيلم المأخوذ عنها أتى مميزاً ليس في سياق سينما علي بدرخان فحسب، بل في سياق السينما المصرية السياسية بصورة عامة، ناهيك بأن أداء سعاد حسني ونور الشريف أتى مميزاً.

ومن الواضح أن في هذا تأكيد للفكرة القائلة إن أقل الأعمال الأدبية شأناً هي عادة الأقدر على التحول إلى أفلام جيدة، بينما يعز هذا على الأعمال الكبرى. أما بالنسبة إلى الفارق الكبير بين تلقي الرواية والفيلم من جانب فريق جعل من نفسه ذات حقبة، رقابة فوق الرقابات ورجم الفيلم، فمسألة تبدو لنا هنا بالغة الأهمية، ولكن من ناحية مواربة. فمحفوظ كان معروفاً دائماً بمواقفه العنيدة ضد تعسف السلطات وغياب الحرية والديمقراطية. ومن هنا كان يمكن غض النظر عن “فعلته”، أما صانعو الفيلم فكانت طعنتهم لمساوئ الحكم الناصري أقسى وأشد فاعلية بالنظر إلى أنهم “من أهل البيت”، أي إنهم لا يمكن اتهامهم بـ”العمالة للإمبريالية والرجعية والصهيونية” كما جرت العادة، ولا تزال، تجاه كل نقد صائب ومحق!

خطأ في التوقيت

ولكن بما أننا هنا نتناول الرواية لا الفيلم، لا بأس من الإشارة إلى أن الغضب ضدها لم يكن ضئيلاً إلا بالمقارنة مع الغضب الذي واجه الفيلم. فهي أيضاً نالت نصيبها، وربما لأن توقيت صدورها لم يكن ملائماً إذ إن محفوظ الذي لم يعرف بشطارته في لعب الألعاب التكتيكية، لم يتوانَ عن كتابتها وإصدارها بعد شهور من موت الرئيس جمال عبد الناصر وفي معمعان المعركة الشرسة التي كان يخوضها خليفته الرئيس أنور السادات ضد خصومه من ناصريين ويساريين.

وكان من الطبيعي أن يستخدم هذا التوقيت ضد الرواية وصاحبها. ومحفوظ يروي على أي حال كيف أنه حين سلم مخطوط الرواية لمحمد حسنين هيكل الذي كان لا يزال رئيساً لتحرير “الأهرام” ارتبك الأخير وراح يشكوه لتوفيق الحكيم قائلاً: “شوف نجيب جايبلي إيه؟”، لكنه طبعاً نشرها، وتحمل في سبيل ذلك ما تحمل.

ولنتذكر هنا ما رواه محفوظ في سياق مشابه عن لقاء سبق ذلك بسنوات مع الرئيس عبد الناصر في مبنى “الأهرام”، بحضور هيكل، إذ يروي في حوار طويل مع جمال الغيطاني أنه حين التقى “الريس” في “الأهرام” كان هذا الأخير يتحدث إلى كل شخص، وهكذا بادره قائلاً “ازيّ ناس الحسين بتوعك. بقالنا زمان ماقريناش لك قصة؟”. فقال هيكل: “ستنشر له قصة غداً. ما العمل قصصه تودي إلى السجن”. فعلق عبد الناصر: “لا. دي تودي رئيس التحرير بس!”.

أربع شخصيات وراوية

أما بالنسبة إلى “الكرنك”، وهي واحدة من أقصر روايات محفوظ، فتتحدث، عبر أربع شخصيات، وبصوت راوٍ نجده في الحوارات، إنما لا مكان حقيقياً له في الأحداث، عن فترة كانت السلطات المصرية تعيش أصعب أوضاعها بعد “هزيمة يونيو (حزيران)”، وتحاول أن تعوض على الهزيمة بقمع كل التحركات الشبابية والطلابية الغاضبة. ومن بين الشخصيات التي يعطيها الكاتب “الراوي” الأفضلية، خالد صفوان ضابط المخابرات الذي يرتاد المقهى متقاعداً، وإسماعيل الشيخ، الطالب المناضل الذي يقيم علاقة مع الراقصة السابقة قرنفلة التي تدير مقهى “الكرنك” اليوم وترقب ما يحدث من حولها بهدوء وحنان، وأخيراً زينب الشيخ الطالبة الناشطة سياسياً والمحبة لإسماعيل إلى درجة أنها حين كان قد اعتقله رجال خالد صفوان وأوسعوه إهانة وضرباً وتعذيباً كي “يعترف”، لم تتردد عن إقامة علاقة مع صفوان وغيره من رجال المخابرات حتى يفرجوا عنه، فيتحولان معاً إلى مخبرين لدى أجهزة المخابرات يمدانها بالمعلومات التي يجمعانها داخل الأوساط الجامعية، ما يسهل على تلك الأجهزة عملها.

كل الحكاية

والحقيقة أن ما رويناه في السطور السابقة هو كل الحكاية التي تحملها رواية “الكرنك” التي يمكن اعتبارها كما أشرنا ليس فحسب من أقصر روايات صاحب “الثلاثية” و”الحرافيش”، بل في الوقت نفسه من أكثر رواياته مباشرة وخطية، بحيث تبدو في صياغتها وكأنها هي الأخرى تقرير مخابرات صيغ على شكل أربعة فصول كرس الكاتب كل فصل منها لواحدة من الشخصيات الأربع التي تلعب الأدوار الرئيسة فيها، معطياً كل فصل اسم واحدة منها كعنوان له، ما يجعل الرواية تبدو أول الأمر وكأنها تغوص في ذلك الأسلوب الذي كان قد اتبعه محفوظ في روايته المميزة “ميرامار” من حيث جعل الحكاية تصل إلى القارئ من خلال مجموعة صيغ لحكاية واحدة تروى كل صيغة منها بلسان واحدة من الشخصيات الفاعلة.

هنا في “الكرنك” ليس ثمة حتى شيء من هذا. كل ما في الأمر أن الراوي قدم لنا الأحداث في تسلسلها من خلال “أبطالها” الأربعة ليرسم صورة للمناخات السائدة في مصر وتطورها بين حقبتين متتاليتين من التاريخ المصري المعاصر: حقبة “القمع الاستخباراتي” في آخر سنوات حكم الرئيس عبد الناصر، وحقبة “الانفراج الديمقراطي” كما كان يتصوره خلال المرحلة الأولى من حكم الرئيس أنور السادات، بل بشكل أكثر تحديداً: حقبة الاحتجاج والقمع التي تلت الهزيمة؛ وحقبة الانتصار الذي تحقق في أكتوبر (تشرين الأول) 1973 تحت حكم أنور السادات.

أين حكايات الأصدقاء؟

بهذا الأسلوب المباشر كتب نجيب محفوظ روايته في مرحلة لا بد أن نشير إلى أنه أكثر من نشر فيها مثل هذه النصوص التي بدا فيها متهافتاً من الناحية السياسية مضحياً بإبداعه الأدبي الحقيقي لمجرد أن يعبر عن مواقف سياسية ينفس فيها عن غضبه إزاء ما تحولت إليه مصر، متناسياً أنه كان في وسعه أن يقول الشيء نفسه بشكل أكثر إبداعاً وإقناعاً يتناغم مع تاريخه الأدبي لو أنه تمهل قليلاً. فمثلاً، في حوار رائع أجراه معه رجاء النقاش ونشره في كتابه “نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته”، يروي الكاتب كيف ولدت لديه رواية “الكرنك” قائلاً، إن فكرتها “وردت إلى ذهني وأنا أستمع إلى أصدقاء مقهى ريش وهم يقصون عليّ ما لاقوه من صنوف التعذيب أثناء فترة اعتقالهم. فقلت لنفسي لماذا لا أسجل هذه الأحداث في عمل روائي لألفت الأنظار إلى هذه القضية؟ واختمرت الفكرة في رأسي بعد أن قابلت اللواء حمزة بسيوني الذي كان مديراً للسجن الحربي. وجلست أتأمل في ملامحه التي لا تظهر عليها علامات الخشونة والجفاء بما يتفق مع ما كان مشهوراً عنه من غلظة في التعامل، وكان وقتها قد خرج من الخدمة ويحاول الرجوع إليها مرة أخرى”.

ونحن نعرف من هنا أن ذلك اللواء القاسي كان هو النموذج الذي بنى عليه محفوظ شخصية خالد صفوان في “الكرنك”. بالتالي يحق لنا أن نتساءل أفلم يكن في إمكان كاتب ضخم الموهبة مثل محفوظ أن يخرج من ذلك اللقاء بعمل روائي أقوى كثيراً من “الكرنك” أو يضاهي على الأقل ما كتبه روائيون مثل صنع الله إبراهيم أو شريف حتاتة أو فتحي غانم عن تلك المرحلة نفسها؟

المزيد عن: مصر/الكرنك/نجيب محفوظ/المرحلة الناصرية/الأدب السياسي

 

You may also like

4 comments

usa89 11 مارس، 2025 - 10:23 م

793043 755138whoah this blog is magnificent i adore reading your posts. Keep up the excellent function! You know, lots of men and women are looking around for this info, you could support them greatly. 221150

Reply
หนังโป๊ 13 يونيو، 2025 - 3:51 ص

527375 388032Wow, superb weblog format! How lengthy have you ever been running a blog for? 850878

Reply
เว็บตรง สล็อต 28 سبتمبر، 2025 - 6:21 ص

908124 757240This is a good common sense article. Really helpful to one who is just discovering the resouces about this part. It will surely support educate me. 320673

Reply
หนังโป๊ 22 أكتوبر، 2025 - 8:06 ص

912123 240520I discovered your blog internet site on google and check just several of your early posts. Proceed to sustain up the exceptional operate. I just extra up your RSS feed to my MSN Data Reader. Seeking forward to reading much more from you in a although! 520879

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili