ثقافة و فنونعربي مهى سلطان : شاكر حسن آل سعيد في نصف قرنٍ من الفنّ by admin 24 يناير، 2021 written by admin 24 يناير، 2021 3.7K بيروت- النهار العربي / مهى سلطان نعود في زمن الحجر الى القيام بجولات افتراضية على المتاحف والمعارض، لاسيما وانني تلقيت منذ أسابيع دعوة لزيارة معرض الفنان العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد (1925- 2004)، الذي يقام في غاليري ميم في دبي. كنت أتمنى السفر خلال عطلة أعياد الميلاد ورأس السنة لمشاهدته ولكنني تريثت بسبب الإجراءات الطارئة في المطار بسبب تفشي الكورونا. وتذكرت عبارة لجلال الدين الرومي انه ” ما من صورة حتى الأبد يشرق لها خيال الا من القلب، سواء كان هذا الخيال متعدداً او واحداً”. عبارة جعلتني ألجأ الى زيارة المعرض من خلال جولة افتراضية افسحتها غاليري ميم، خلال الاغلاق القسري، في عرض أعمال المعرض عبر تقنيات التصوير الرقمي والمسح الضوئي مع إمكانية التجوال الافتراضي في ارجاء الغاليري لمشاهدة الاعمال المعروضة على الجدران وتقريب صورة العمل لمشاهدة ادق التفاصيل. (info@meemartgallery.com ) لوحة “الأنساق الأوقافية” نصف قرن احتوى المعرض على نماذج من الأعمال التي تعكس مسار الفنان شاكر حسن آل سعيد على مدى نصف قرن من الزمن، يعود أقدمها الى مراحل مبكرة، أبرزها لوحة القروية (1950) ولوحة بدون عنوان (1954) عبارة عن رسم بالقلم على صفحة من كتاب طلسمان ابو زيد (الهلالي). هاتان اللوحتان تُعرضان للمرة الأولى، وهما بمثابة اكتشاف لأنهما تعكسان مرحلة تأثيرات قدومه من الريف العراقي (من مواليد مدينة السماوة العام 1925) الى بغداد حيث تلقى تعليمه في معهد الفنون الجميلة، قبل أن يساهم مع جواد سليم في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث (العام 1951). على الرغم من وجود تقارب مع حركات الفن الغربي مثل التكعيبية والتعبيرية، فإن أعمال الفنان في هذه الفترة تميزت في المقام الأول بالتقاليد المحلية ذات الطابع الشعبي، مع استخدام الألوان الزاهية والخطوط الهندسية الفضفاضة الموجودة في السجاد القبلي، فضلاً عن تصوير الطراز الريفي. مشاهد وشخصيات مستمدة من الحياة الريفية في العراق، كما يمكن ملاحظتها في الصورة النمطية للقرى. شاكر في مرحلة دراسته في باريس الفن استعادة لتجليات الذات لم تقتصر الرؤية الجديدة في فنه على محاكاة التراث والفنون الشعبية بل تتجاوزها في تجسيد الرموز، حين احتل رمز الديك (العام 1954) مكانة مرموقة في اعماله قبل توجهه للدراسة في اكاديمية جوليان ثم مدرسة الفنون الزخرفية والمدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس (1955-1959). فقد عمقّت باريس علاقته بالفنون الحداثية (التعبيرية والتكعيبية والتجريد والسوريالية)، وعلمته تجاوز عقدة تفوّق الغرب، كي يستعيد حريته في بحثه عن المطلق. لقد آمن أن الحرية هي الشعور بالوجود نفسه وهي تتجاوز الانساق في وعي دينامي متّحد مع الذات. ولعل من ابرز ميزات شاكر حسن تكمن ليس في العمق الثقافي الذي شكل جسراً في التّناص مع ثقافة الغرب، بل في البعد الرؤيوي والفلسفي- الصوفيّ العميق في التنظير الفني. فهو متصوّف ومؤرخ ومعلّم، وهو واحد من آباء الفن العراقي الحديث، يُعد من أكثر فناني العالم العربي تأثيراً وريادةً في القرن العشرين، من خلال مشاركته في إنشاء مجموعتين من أهم المجموعات الفنية (جماعة بغداد للفن الحديث وجماعة البعد الواحد) التي وجهت اتجاه فن ما بعد الاستعمار في العراق، ووحّدت مفاهيم التراث بالحداثة، وحدّدت العديد من نظريات آل سعيد الجمالية، كما قدمت الفن الإقليمي بشكل فريد، من منظور عربي كبديل عن منظور الغرب. تأثر شاكر حسن بمقولة بول كلي “انني ابحث عن نقطة تقع في أصل الخليقة. انها نقطة قريبة من الله حيث ابحث عن مكان لي”. لذا اعتبر ان الفن هو بمثابة استعادة لتجليات الذات (لوحة الفلاحين والقمر العام 1959). وهو كان يدرك اهمية الاتجاهات التجريدية بابعادها الروحية، لذا ارتكز انتاجه على التّأمل (ما بين 1960 -1970)، مستلهِماً نبض الفنون التراثية (كتاب الخصائص الفنية والاجتماعية في رسوم الواسطي العام 1962) والتعاويذ وايقاعات الحروف على الجدران المهجورة، (البيان التأملي العام 1966) التي شكلت ثيمات شعبية حاملة في خطوطها الظاهرة والغائرة تأملات المناخ الصوفي (معرض تأملات ومعارج العام 1970)، التي لاحت ملامحه في مرحلة ما بعد الهزيمة العربية (العام 1967) كرد فعل على القلق إزاء المجهول ومحاولة تجاوز المحنة، وهي العوامل التي ساهمت بتأسيس تجمّع البعد الواحد في بغداد العام 1970 الذي اعقبه المعرض الأول للتجمع في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث (1971). لوحة الديك الخط العربي والبعد الواحد قاعه الخفيّ ربط شاكر حسن الخط العربي بمبحث البعد الواحد بوصفه قاعه الخفيّ، مستشهداً بكتابات الصوفيين عن الحرف لمنح العمل الفني بعداً تجاوزياً، وكان يبتغي من ذلك ان يخلق تياراً مزدوجاً بين الفكر والثقافة العربية تواكب الاختبارات الفنية في التجريد- الحروفي، لا سيما وانه نهل من تجارب من سبقوه من فناني الغرب (تابياس وكلي وكاندنسكي). يقول شاكر حسن” أحب ان أكتب الحرف في لوحاتي بطريقة الأطفال وطلاب المدارس وانصاف المثقفين. وهو بهذا المعنى فيض الروح الإنسانية المتأملة وهي عند مستواها اللا شعوري بل الجنيني”. هكذا ارتبط اسلوبه الفني بلغة تبيان العودة الى البداءة أي الى البراءة حيث التعبير ممارسة حرة. إنها عودة الى الرموز والاشارات الشعبية وتأمل العلامات بما تحمله من دلالات في سياق فلسفة فن الأثر. فقد اعتبر شاكر حسن الجدار نموذجا ارشادياً يعكس ذرائعية التأويل الرمزي واشاراته وعلاماته وشروخه. اللوحة بوصفها كشف لتأمل تجريدي مطلق، حيث تأمل الإيقاع الذي يتشكل ذاتيا عبر مرور الزمن من المقامات اللونية والعمق المتجسد في نبض السطوح (المكاني والزماني). ثمة وجه دلالي للمعنى الباطني للحرف (لوحة شقّ في الجدار) يكشف عن تشقق او تحزيز او تلطيخ لوني يبلور ويمحي التصورات الحدسية للكتابات الغامضة التي مرّ عليها الزمن. فالكتابات المجردة تنفض عنها غبار النسيان، توقظ المناخ التجريدي، باعتباره إشارة لامتداد زماني بين التبصّر المرئي والامحاء التجريدي اللا مرئي. (أنساق الوفاق بين المركز والمحيط). يقول شاكر حسن: “الكتابة مثل حد السيف، تطوي المسافات فتتولد اللحظات، وما بين خطوة وخطوة تبرز حافة عالم هائل من المعرفة”. لوحة خطوط على جدار عين العالم لم يقتصر استخدام آل سعيد للحرف العربي على شكله أو ايقاعه الغرافيكي، بل رأى في الحرف عنصراً جوهرياً في رؤيته لـ “جماليات الأثر ”، الأثر كرديف للإمحاء وشعرية المخلفات التي قاومت فعل التلاشي. إنه الأثر الناتج عن مصطلحي التّعرية والتراكم في حياة الجدار، وببساطة تآكل الحياة بفعل حركة الزمن، إنها مخلفات تهيمن عليها الألوان الترابية والوان الزنجار كما تشبه المباني المهملة التي مزقتها الحرب. وتشكل العديد من الأعمال ذات النسيج العالي والمثيرة للذكريات في المعرض جزءًا من سلسلة الجدران الشهيرة للفنان. فكلام الشارع مندفع وسريّ ومجهول المصدر وغالبًا ما يكون غير مقروء، كما لو لم يكن المقصود قراءته ؛ تستحضر النقوش الموجودة في التراكيب على الشقوق الخشنة والشقوق في لوحاته الجدارية المزخرفة، الطبيعة الخفية لفعل يتم تنفيذه في ظل ظروف قمعية، مما يشير إلى الرقابة التي سعت الكتابة إلى تجنبها. كشف المعرض الاستعادي في غاليري ميم عن نماذج من تجارب تواشج العلامات (العام 1988). التي تكرّس مفهوم جمالية البعد الواحد: النور والاخفاء والتنقيط والتعويذ والتخريق والفراغ (1990-1992-1993)، وصولا الى مرحلة الدمج بين المواد مختلفة على الخشب مع تقنيات الحرق (العام 1992) بكل ما يعنيه فعل الحرق بالنار من اعتداء على حيادية الفن وثورة على الجماليات ودمج للخارج بالداخل. في اعماله الأخيرة التي تسنى لي مشاهدتها في معرض أقيم العام 2015 في مركز مطافيء (الدوحة- قطر) لمختارات من الفن العربي المعاصر من مجموعة الشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني، شكل فراغ اللوحة المحروقة عالماً من ضراوة الخسارات المتمثلة بالجدران المنهارة التي عانت تقلبات ازمنة الحروب والهجرات. إذ لم يعد عالم السطح هو سطح العالم المأزوم بنكبات الحرائق والهزائم والمآسي بل اضحى سطحاً للذاكرة التي كلما امعن فيها الحرق كلما اتسعت الهوة بين الماضي والحاضر، مع تراجع الخطاب الكتابيّ للأثر وتقدم رقعة الفراغ المريب الناتج عن الحرق، وكأنها العين الداخلية الساكنة في قلب العالم. لوحة من مرحلة الحرق في متحف الدوحة المزيد عن : شاكر حسن أل سعيد 1٬457 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post داريوش شايغان يقترح التنوير سبيلا للنهضة الجديدة في كتاب “الهوية والوجود” next post “الكرنك” لنجيب محفوظ تثير عاصفة غريبة من الغضب You may also like سيمفونية “جوبيتر”… ذروة الإبداع الموزارتي 29 أبريل، 2026 الحياة الانسانية ليست سلعة في سوق المقاولات الربحية 29 أبريل، 2026 ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ