جورج برنانوس- من التاريخ إلى حديث الذات (غيتي)جورج برنانوس- من التاريخ إلى حديث الذات (غيتي) ثقافة و فنون الفرنسي برنانوس يحاور الموت مع راهبة تحت المقصلة by admin 23 مايو، 2026 written by admin 23 مايو، 2026 10 صاحب “تحت شمس الشيطان” يصور في عمله الأخير “حوار الكرمليات” كيفية ولوج عالم ما بعد الحياة اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب منذ رحيله في أواخر عام 1948، بدا الكاتب الفرنسي جورج برنانوس وكأنه بات نسياً منسياً وسط ضجيج الحياة الأدبية الفرنسية خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ففي تلك المرحلة راحت توجهاته الروحية بل الكاثوليكية حتى، تبدو وكأنها تنتمي إلى ماضٍ بعيد، وبدا على أسئلته الروحية ومواضيعه وكأنها خارج السياق، ولهذا خفت ذكره وتضاءلت المحاولات لإعادة إصدار كتبه التي كانت تلقى رواجاً قبل تلك الحرب. اليوم إذاً، باتت الموضة للوجودية ومن بعدها للبنيوية، ومن خلالهما لشتى أنواع الماركسيات التي لم تبد مهتمة بأسئلة برنانوس الميتافيزيقية، وبخاصة بتلك الأسئلة المتأخرة التي طرحها في نصه شبه الأخير “حوار الكرمليات”، وهو نص سيفسر بكونه تعبيراً عن رعب برنانوس نفسه أمام موته الوشيك (هو مات بعد أشهر قليلة من إنجازه كتابة تلك “الحوارات”، التي لن تصدر مطبوعة في كتاب، إلا بعد عام من موته). ولكن في تلك الأثناء كان ثمة مبدع آخر هو الموسيقي فرانسيس بولنك الذي ما إن قرأ النص حتى وجده مبرراً لعمل أوبرالي كان يحلم بإنجازه ويتلاءم تماماً كما سنرى مع تلك الحوارات. غير أن العمل الذي أنجزه بولنك لن يظهر إلا في عام 1957 وليس في اللغة الفرنسية الأصلية على رغم أهمية اللغة فيه، بل في الإيطالية، إذ إن هذا العمل قدم في ميلانو الإيطالية قبل أن يقدم في فرنسا، لكنه عاد بعد ذلك ليحتل مكاناً مهماً في الريبرتوار الفرنسي وصولاً إلى تقديم مدهش له في ليون الفرنسية بطوله الزمني المفرط: 3 ساعات تقريباً. واعتبر على أية حال تحفة بولنك حتى وإن لم يكن النص تحفة من تحف برنانوس يقارن بأعماله الكبرى. مشهد من تقديم لأوبرا “حوار الكرمليات” (موقع العرض) الصبية والموت في حديثنا هنا عن هذه الأوبرا، شديدة الخصوصية، قد يكون من الأفضل أن ننطلق من عدة كلمات تعريفية أدلت بها مخرجة العرض الذي قدم في مدينة ليون، تيفاني رافييه، فهي حين سئلت عما تريد هذه الأوبرا أن تتحدث عنه، أجابت بكل بساطة: “إنها حكاية صبية تتعلم أمامنا كيف تموت”. حسناً، قد يبدو هذا الكلام تبسيطياً بل متناقضاً مع ما عهد عن هذا النص منذ ظهوره، وبخاصة أن كونه تعبيراً عن الكيفية التي تعلمت بها صبية كيف تموت، يبدو شيئاً آخر غير المعروف تاريخياً عن الحكاية الأصلية، والمدونة تاريخياً أيام الثورة الفرنسية حين أعدم الثوار على المقصلة عدداً من الراهبات الكرمليات بعدما قبضوا عليهن. فالحقيقة أن تلكم هي الحكاية الحقيقية في خلفية نص برنانوس، حتى وإن كنا نعرف أن هذا الأخير إنما وجد موضوعه في مصدرين متكاملين: رواية ألمانية تناولت الموضوع نفسه، ومشروع فيلم سينمائي فرنسي عن الموضوع لم يحقق حينها. علماً أن علاقة برنانوس الأولى مع هذا المشروع كانت مجرد تكليفه كتابة الحوارات ولا سيما تلك الحوارات الغنائية التي تتلى على منصة المقصلة لحظة الإعدام من قبل المحكومات اللاتي تلقي كل واحدة منهن، على شكل أوراتوريو ديني، فهن راهبات في السلك الكرملي على أية حال. مهما يكن لا شك أن المشروع عاد وتحول لدى برنانوس، إلى نص شديد الذاتية يحاول من خلاله أن يتغلب على الموت الذي كان واثقاً من أنه سيكون قريباً جداً، موته هو نفسه، وهذا ما جعل المشروع في نهاية الأمر، عملا ذاتياً ميتافيزيقياً. وهكذا تلقاه بولنك حين تمسك بالمشروع ليحول العمل إلى أوبرا بعدما أدرك الطبيعة بالغة الأهمية للحوارات المغناة في عمل يتعين على الموسيقى أن تسمح للشعر فيه بأن يظهر، تماماً كما يتيح العمل بأكمله لمخرجته أن تتحدث بذلك التعبير البسيط عما فهمته هي من النص، و”كيف يجب” أن يفهمه الجمهور من دون أن تنفي في طريقها أهمية ذلك اللقاء في موضوع العمل، بين قبول برنانوس بموته، وتعلم الراهبة الصبية “بلانش دي لا فورس” كيف تموت بعدما أمضت أعوام عمرها القصيرة وهي في رعب موروث من حتمية موت معلن ومحقق، لكنها تعلمت في النهاية كيف تقبل بأن تعدم على المقصلة وعبرت عن ذلك في حصتها من حوار جماعي مموسق تختتم به الأوبرا كما أسلفنا. إحدى طبعات “حوار الكرمليات” (أمازون) الموضوع التاريخي وهذا ما يعيدنا بالطبع إلى الموضوع الفاتن الذي وجده جورج برنانوس (1888 – 1948)، بين يديه في حقبة أخيرة من حياته كان يعيش فيها ذلك الرعب الحقيقي إزاء مرض سيقوده حقاً إلى الموت. والموضوع المستقى كما أشرنا من حادثة تاريخية حقيقية تبدأ من دارة أحد النبلاء الفرنسيين الريفيين، وهو المركيز دي لا فورس الذي تنجب زوجته طفلة يدعوها بلانش، وحين تموت الزوجة إثر الوضع يخشى الأب أن يكون المصير ذاته في انتظار طفلته فيعيش مرتعباً إزاء ذلك، وهو ينقل الرعب إلى الطفلة التي تترعرع في ظل ذلك الخوف وتبقى متمسكة به حين تشب وترى أن الوسيلة الوحيدة لمقارعة الموت إنما هي الدخول في السلك الرهباني، فتنضم إلى مجموعة من الراهبات الكرمليات، حيث يهيمن على حياتها نوع من اطمئنان مريح. اقرأ المزيد نظرات يلقيها هنري جيمس على الأدب الفرنسي ردا للجميل “المنتفضون” لغوته… نظرة خارجية إلى الثورة الفرنسية غير أن ذلك الاطمئنان سيكون عابراً، إذ سرعان ما تنشب الثورة عند نهايات القرن الـ17، ويكون نصيب الكرمليات منها أن يقبض الثوار، في المرحلة التي تحولت فيها الثورة إلى الإرهاب، على 16 راهبة ومن بينهن بلانش والمصلية الرئيسة، ويقررون إعدامهن تحت المقصلة. ونعرف تاريخياً أن هذا الحدث حقيقي وأن الثوار أعدموا الراهبات من دون شفقة أو مراعاة، غير أنهم سمحوا لكل واحدة منهن بأن تلقي نصاً على سجيتها لحظة وصول دورها للإعدام وهي تحت المقصلة. ومن هنا ولدت تلك الحوارات التي أعارت اسمها للعمل، وكان ما يهم برنانوس من بينها ذلك النص الذي تلقيه بلانش نفسها، وتكشف فيه عن ذلك التبدل الجذري الذي طرأ على موقفها من الموت هي التي بعدما عاشت عمرها كله في رعب من وصوله إليها، ها هي الآن في اللحظات الأخيرة من حياتها تتقبله، وليس بالتحديد لأسباب إيمانية، بل لأسباب شديدة الشخصية، عرف برنانوس كيف يضفي عليها تلك الذاتية التي مكنت المخرجة رافييه، من أن تستخدم ذلك التوصيف “التبسيطي” الذي وسمت العمل كله به. المزيد عن: جورج برنانوس الأدب الفرنسي البنيوية الموسيقي فرانسيس بولنك الثورة الفرنسية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post وصمة النسوية… أعراض جانبية لـ”أحوال مصر الشخصية” next post مخرج وابنته الممثلة يصوران حياتهما المضطربة في “كان” You may also like شراسة ما بعد الحرب في إيران تخيف السينمائيين 23 مايو، 2026 الجسد عندما يقترح طريقة أخرى للتفكير في الزمن 23 مايو، 2026 “كوكوروجو”… يعيد كتابة أسطورة الساموراي 23 مايو، 2026 مخرج وابنته الممثلة يصوران حياتهما المضطربة في “كان” 23 مايو، 2026 عبده وازن يكتب عن: كتاب “تفسير الأحلام” ليس... 21 مايو، 2026 التنوير الفائق أو كيف يستخدم الإنسان فكره بحكمة 21 مايو، 2026 زفياغينتسف الذي أنهكه “كورونا” يعود بقوة إلى كان 21 مايو، 2026 مونتسكيو يسخر من أحوال بلاده بـ”رسائل فارسية” 21 مايو، 2026 “فيورد” يكشف طغيان الأيديولوجيا على الطفولة في كان 21 مايو، 2026 “الاستشراف الأدبي” أو حين يسبق الخيال الواقع بأشواط 21 مايو، 2026