ليس لسوق بنت جبيل منشأ معروف (الإنترنت) ثقافة و فنون محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: سوق بنت جبيل.. وفلسطين (2) by admin 1 يوليو، 2026 written by admin 1 يوليو، 2026 23 تسجل هذه المرويات عن بنت جبيل وجوهًا من أحوال مجتمعها، تقلّباته وتحولاته ومنعطفاته، في القرن العشرين. وهنا حلقة ثانية عن سوقها الأسبوعية، بعد أولى عن حوادث وصور من عقد الستينيات في البلدة العاملية، أقصى جنوب لبنان. جريدة المدن الالكرونية – بيروت / محمد أبي سمر– كاتب وصحفي لبناني وفي ختام هذه الحلقة ننشر تصويبات أحمد بيضون لتواريخ انتخابات في بنت جبيل، وردت في الحلقة السابقة. مكاراة، فلاحة، حِرف، وتجارة في أزمنة ما قبل وسائل النقل والمواصلات الحديثة المعاصرة، كانت الأسواق الأسبوعية -ربما لاحقًا وُصِفت بأنها تقليدية وشعبية- قَلْبَ الحياة الاقتصادية والتجارية المحلية أو البلدية في قرى جبل عامل وبلداته، في أزمنة البطء القديم، والشقاء القديم، أيام كان فلاحون ومزارعون ينقلون إلى تلك الأسواق غلالهم الشحيحة، أو ينقلها مكاريون على ظهور الدواب، فيما يتنقل بينها على أقدامهم أو على ظهور الحمير حرفيون، حاملين عدّة صنعتهم. ولعل المطلع الملحمي لقصيدة عباس بيضون “صور”، يستعيد صورة عن ذاك الزمن العاملي: “من أنا حتى أقف بين المنشدين، صانعي النعال الذين جاؤوا على خيول هزيلة من الوعر، الحطابين الذين خنقوا بالكلس النيران الصغيرة، صبيان الفرّانين الذين أشعلوا في الأحياء المستديرة أكياس القش والخيش وحشرات الجدران، الفلاحين الذين حملوا نساءهم وأطفالهم على أكتاف الحمير المسنّة وعبروا بها تحت بدر الحقول وديانًا كالخدوش الجافة”. وروت امرأة من بلدة شبعا، على سفح جبل الشيخ الغربي في أقصى مثلث حدود لبنان الجنوبية الشرقية مع سوريا وفلسطين، أن والدها المحتضر جمع إخوتها عندما كانت في العاشرة من عمرها سنة 1938، وأوصاهم وصيته أو حكمته الأخيرة في الحياة، فقال: الفلاحة تغني عن الشحاذة، المكاراة تغني عن الفلاحة، والتجارة أشرف الأعمال. أما عن سوق بنت جبيل، فيذكر المؤرخ الاجتماعي اللبناني، العاملي البنت جبيلي، منذر جابر -في مساهمته بكتاب أعده “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” ونشره سنة 2025 في بيروت بعنوان “50 سنة على حرب لبنان 1975: الآثار والمتغيرات”- أنه “المعلم الأول” فيها. وهي كانت سوقًا أسبوعية تنعقد فيها “نهار كل خميس”، وتُعدُّ “إحدى سوقي جبل عامل الأكبرين”، إلى جانب “سوق نهار الإثنين في النبطية”. ويضيف جابر: “ليس لسوق بنت جبيل منشأ معروف، (بل هي) تعاشر اسم (البلدة) منذ زمن غير محدد”. وفي كتابه “فصول من تاريخ الشيعة في لبنان” المنشور سنة 1979 لدى “دار الكلمة” البيروتية، نقل المؤرخ العاملي علي الزين (1902- 1984) عن الواعظ وكاتب الحوليات العاملي علي الركيني الذي عاش وكتب بين نهايات القرن 18 والنصف الأول من القرن 19، أن سوق الخميس في بنت جبيل نُقِلت “في شهر ذي الحجة 1234هـ/ 1818م، إلى شمال البلد”. وبدوره ينقل جابر عن كتاب عنوانه “تاريخ ولاية سليمان باشا العادل”، لكاتبه ابراهيم العورة -كان من العاملين في ديوان ولاية عكا المالي في عهد سليمان (1805- 1819)- أن “تاجرًا زحليًا (من مدينة زحلة البقاعية) باع نَقْلَةً واحدة (لا يذكر ما الذي نقله التاجر وباعه) بمبلغ 5 آلاف غرش في سوق بنت جبيل (التي) يقصدها مكاريو (ناقلو محاصيل زراعية غالبًا، ومتاجرون بها لحسابهم الخاص أحيانًا) ليبيعوا ويشتروا فيها (حينما كانت عمليات التبادل التجاري تشمل في الوقت نفسه البيع والشراء بالعملات النقدية، أو مقايضة سلعة بأخرى، من دون استعمال النقود). ولو كان (ذلك) بتعبٍ وفي أيام طويلة” تستغرقها رحلات النقل والمتاجرة في ذاك الزمن. ويضيف جابر أن سوق بنت جبيل، بعد “ضيقها بزبائنها ووسائل نقلهم من دواب وجمال (في) منخفض يُعرف اليوم بالساحة، انزاحت (السوق) إلى بيادر البلدة الشمالية”، واستقرت أخيرًا في “أعالي عمرانها (حيث) اشتبكت أبنية كبيرة ومؤسسات تجارية وإدارية، ما بين التقاء عيناتا وكونين ببيادر سف (مهب) الهوا، أو صف الهوا، كما يلفظ” اسم ذاك المكان في طرف البلدة العاملية الجنوبية. ويستنكر الكاتب، الباحث والشاهد، “يد الحداثة الوقحة” التي امتدت “نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات (إلى) بلاط شوارع (بلدته) فاقتلعته واستبدلته بالباطون”. وهو بلاط “منحوت مقصوب (بُلِّطت به)، قبل سني الحرب العالمية الأولى، ساحات البلدة وطرقها وزواريبها، حتى عتبات بيوتها”. هجرات.. أسواق ورحلات تجارية وفي شهادة شفوية، روى لنا أبو علي المولود في عيترون سنة 1943، والمتزوج سيدة من بنت جبيل، أن بلدات وقرى جبل عامل كانت، قبل الانتداب الفرنسي والبريطاني، تتبع لواء صفد في ولاية عكا أو صيدا العثمانية. وفي عشايا نكبة فلسطين ونشوء دولة إسرائيل، ظلت سوق خميس بنت جبيل تجمع تجارًا يأتونها، على دوابهم وجمالهم غالبًا، وبالسيارات في ما ندر، من عريش مصر وبلاد حوران في الجولان السوري، فينزلون أو يبيتون ومعهم دوابهم -إن لم يغادروها في نهار وصولهم بعد إنجاز عمليات بيعهم وشرائهم- في خانات ثلاثة ببنت جبيل، واحد منها كان يملكه أسعد بيضون. أما مزارعو وفلاحو ومكاريو نحو 40- 50 قرية عاملية وفي الجليل الأعلى الفلسطيني بمحيط بنت جبيل، فكانوا غالبًا ما يصلون ساعة أو اثنتين قبل فجر نهارات الخميس إلى سوقها، حاملين غلالهم على دوابهم، فيبيعونها ويشترون ما يحتاجونه من سلع السوق التي لا تتوافر في قراهم، ثم يسارعون في العودة إليها في النهار نفسه. وفي حكايات المرأة المولودة سنة 1928 بشبعا -كان جدّها لوالدها هو من توطّن وتزوج وأنجب فيها، بعد فراره من مدينته نابلس، حيث ارتكب جريمة قتل، ولجأ إلى تلك القرية الجردية العزلاء النائية، خشية أن يثأر منه أهل القتيل، فيقتلونه- في حكاياتها أن والدها المولود في شبعا سبعينيات القرن 19، كان في شبابه يقوم برحلات تجارية على الجمال إلى دمشق ومصر، مرورًا بأسواق بنت جبيل، الخالصة، صفد، وأحيانًا نابلس حيث يحط رحاله في ديار أقاربه. وفيما كانت المرأة تروي حكاياتها عن والدها -الذي منه سمعتْ كثرة من القصص الديني النبوي والقرآني، التي تقول إنه قرأها في كتب كثيرة كانت مكدّسة في صندوق صدفيّ في البيت- كان يتراءى لي أن صورًا من رحلات النبي محمد التجارية من مكة إلى دمشق، كامنةٌ في مخيلتها خلف صور رحلات والدها. وهذا قبل أن يهاجر مرتين إلى أميركا، ويعمل بائع كشة متنقل في البر الأميركي لسنتين أو ثلاث، يعود بعدها إلى شبعا. وفي ثلاثينات القرن العشرين كان أحد أبنائه -شقيقها الأكبر- يعمل في ميناء حيفا، ويتنقل على دراجة هوائية، فصدمته سيارة صدمة مميتة. ولما ذهب والده لإحضار جثمانه من المدينة الفلسطينية، لم يتمكن من ذلك، ربما بسبب حوادث انتفاضة 1936، فدفنه في مقابر أقاربه في نابلس. أما بنت جبيل فشهدت في أواخر القرن 19، وبين الحربين العالميتين، هجرة كثرة من أبنائها إلى أميركا. وقبل نشوء الدولة العبرية، كان ارتباط البلدة العاملية اللبنانية الحدودية جنوبًا، سوقها وحرفها، عضويًا بفلسطين، وإليها يتوجه البنت جبيليون، لا إلى بيروت عاصمة بلدهم شمالًا. بل كانوا على معرفة وثيقة بحيفا وصفد والخالصة والجليل الأعلى، وليس ببيروت. وربما كانت صلة العامليين ناشطة بمدينة صيدا التي كانت صلتها قوية بفلسطين. وفي صيدا أنشأ الكاتب والصحافي أحمد عارف الزين (1884- 1960) العاملي مجلة ومطبعة “العرفان” سنة 1909، وكانت نهضوية إصلاحية، وساهمت في بلورة الهوية العاملية في إطار حركة النهضة الثقافية، الأدبية والإصلاحية العربية، في النصف الأول من القرن العشرين. وروت لنا أم علي في شهادتها عن بنت جبيل أن جدها المولود فيها سنة 1870، كان يعمل إسكافيًا في بلدته، فحملته مجاعة الحرب العالمية الأولى على الهجرة إلى حوران مع أولاده، للعمل هناك في حرفته. ومن صَنَع لهم أحذية من الحوارنة، سمحوا له، ليأكل ويطعم أولاده الصغار، بأن يُسَنْبِلَ (يجمع بقايا سنابل القمح) من حقولهم، بعد فراغهم من حصدها. الحدود.. ورِفْعَة الحِرفة وروى شقيق أم علي الأكبر أنه ولد في بلدة الزيب الفلسطينية سنة 1940، حيث كان والده يعمل في فبركة صاحبها إنكليزي أيام الانتداب البريطاني. وذكر أن الإنكليز يحترمون الحِرف والحرفيين، يقدّرونهم ولا يحطّون شأن ومكانة الحِرفي، الإسكافي والنجار والحداد وسواهم من أهل الصنائع والمهن اليدوية. من دون أن تنطوي ملاحظة الراوي العملية هذه على تلك الفكرة القائلة إن الثقافة الأخلاقية والاجتماعية الانكلوسكسونية البروتستانتية كانت تُجِلُّ العمل والصنعة اليدوية وترفعهما إلى مرتبة تداني “التقديس” الدنيوي، مقارنة بالثقافة الفرنكوفونية وأخلاقياتها الكاثوليكية التراث والمصدر، التي ترتِّب الأعمال والمهن والحرف ترتيبًا مختلفًا، كان يقلّل من شأن العمال اليدويين ويدرجهم في مراتب أدنى من سواهم. وبعيدًا من المصدر الثقافي والفلسفة الأخلاقية لهذا الفرق في النظر إلى العمل والمهن والعمال والمراتب، وما يترتب عليه من اختلاف بين البريطانيين وانتدابهم على فلسطين والفرنسيين وانتدابهم على لبنان، قال شقيق أم علي إنه نال في أثناء إقامته ووالده في الزيب الفلسطينية شهادة مهنية إلى جانب تعليمه المدرسي العام الذي لم يتابعه، بل عمل نجارًا بناءً على شهادته المهنية. وقد ترتَّب على ذاك الفرق أن أجور أهل الحرف والمهن اليدوية العاملين في فلسطين، كانت أعلى بكثير من أجور نظرائهم العامليين اللبنانيين الذين يعملون في لبنان. ثم إن العاملين اللبنانيين في الديار الفلسطينية كانوا يتقاضون أجورهم بالليرة الإنكليزية المرتفعة الثمن في سوق صرف العملة. وبناءً على هذه المعطيات، تشير شهادات بنت جبيليين إلى أن الحِرف التي كانت ناشطة في البلدة العاملية قبل الانتداب، ازدهرت وتنامت في البلدة اللبنانية الجنوبية الحدودية طوال حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين. وتزايد النشاط وتكاثف في سوق خميس بنت جبيل، الذي كان التبادل التجاري فيه لا ينفصل عن الأعمال والمهن الحرفية، بل يتداخلان ويتكاملان. فالحدود التي أقامتها سلطات الانتدابين البريطاني والفرنسي بين فلسطين ولبنان، لم توقف ذينك النشاط والنمو في بنت جبيل الحدودية. والعلاقات بين الأسواق التقليدية الأسبوعية -العاملية الأكبر في النبطية وبنت جبيل، وتلك القائمة في مرجعيون الأرثوكسية، و”سوق الخان” قرب نبع الوزاني، والمشتركة لقرى منطقة العرقوب (الهبارية، كفرشوبا، كفرحمام، راشيا الفخار، وشبعا)، وسوق حاصبيا عاصمة وادي التيم، وصولًا إلى سوق راشيا الوادي في البقاع الغربي- ظلت كلها أسواقًا أسبوعية ناشطة ومتصلة بمثيلاتها في فلسطين: الخالصة وصفد في الجليل، وكذلك بسوق القنيطرة وسواها في الجولان السوري. وكانت هذه الأسواق تشكل شبكة يتنقل بين محطاتها الأسبوعية فلاحون ومزارعون ومكاريون ورعاة وحرفيون، فيبيعون فيها محاصيلهم ومنتجاتهم ويشترون منها حاجاتهم، حسب المواسم. وكان الإسكافيون وحذّاؤو الخيول والبغال والحمير، يحملون عدّة حرفهم ويتنقلون بدورهم بين هذه الأسواق، إلى جانب تجار المواشي، حيث كانت تنشط أيضًا عمليات تعشير (تلاقح) الأبقار والدواب من خيول وحمير. أحمد بيضون تصويبات طفيفة في التواريخ في هذا التحقيق الشائق (الحلقة السابقة). كان علي بزّي أوّل من انتخب نائبًا من أبناء بنت جبيل، وذلك في سنة 1951 على لائحة أحمد الأسعد، ورسب عبد اللطيف بيضون المرشّح على لائحة عسيران-الخليل. وفي سنة 1953 اعتمد نظام الدائرة الصغيرة، وترشّح أحمد الأسعد نفسه عن بنت جبيل، فاتّحدت البلدة خلف علي بزّي في وجهه، لكنّه فاز. وفي سنة 1957 فاز علي بزّي بالنيابة عن الدائرة، ورسب المرشّح عبد اللطيف بيضون، فيما رشّح أحمد الأسعد نفسه عن دائرة صور ورسب. وفي 1960 فاز أحمد الأسعد مجدّدًا عن بنت جبيل مع سعيد فوّاز (تبنين) ورسب بيضون وحسن الأمين، وانتخب علي بزّي عن مرجعيون في وجه كامل الأسعد الذي رسب. ولكنّ أحمد الأسعد لم يلبث أن توفّي فانتخب كامل عن الدائرة بالتزكية. وفي سنة 1964 فاز عبد اللطيف بيضون وعبد الله غطيمي (تبنين) عن الدائرة أوّل مرّة، مدعومين من كامل الأسعد. وفي 1968، فاز إبراهيم شعيتو (الطيري) وسعيد فوّاز (تبنين) ورسب بيضون وعلي عبّاس خليل (حاريص) المدعومين من الأسعد. وفي 1972، فاز بيضون وحميد دكروب (تبنين) المدعومين من الأسعد، ورسب بزّي ومرشّحون آخرون منفردون… وكان علي بزّي أوّل وزير من البلدة في عهد شهاب، وأوّل سفير منها إذ انتدب لاحقًا إلى الكويت والأردن. وافتتحت الثانويّة في بنت جبيل في سنة 1961 في غرفتين من المدرسة التكميليّة، قبل أن تنتقل إلى بناء مستقلّ استُؤجر لها. (تتبع حلقة ثالثة عن سوق بنت جبيل والتهريب) محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: بنت جبيل الستينيات.. سهرات استلطاف وفولكلور انتخابي (1) 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: بنت جبيل الستينيات.. سهرات استلطاف وفولكلور انتخابي (1) next post محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت/ بنت جبيل-شبعا: حدود وتهريب.. وجريمة ثأر غرامي You may also like محمد حجيري في “المدن”-بيروت : ستهزمينه يا دلال 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت/ بنت... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: بنت... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في”المدن” – بيروت: مسيحيو صور..... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: حارة... 1 يوليو، 2026 حين تتقاطع الرومنطيقية الفرنسية والنهضة العربية 30 يونيو، 2026 إبراهيم العريس في اندبندنت عربية : رحلة ديلاكروا... 30 يونيو، 2026 فيBBC : لماذا يثير فيلم “الأوديسة” كل هذا... 29 يونيو، 2026 أنطوان جوكي في”المجلة”: الكاتب الأرجنتيني أليخاندرو روميرس يواجه... 29 يونيو، 2026 “ليالي سان دوني”… الأرواح التائهة في متاهات الشتات 28 يونيو، 2026