مشهد من تقديم لباليه _عصفور النار_ (موقع العرض) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “عصفور النار” يطلق من باريس فن الباليه الروسي by admin 22 يوليو، 2026 written by admin 22 يوليو، 2026 18 تحفة الباليه حلت مكان “شهرزاد” بعدما أعجب الموسيقي الموهوب سترافنسكي برقص مواطنه نيجنسكي اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب صحيح أن السيد المطلق للباليهات الروسية التي كانت تغزو أوروبا في ذلك الحين، سيرج دياغيليف، كان يعرف عن موسيقى مواطنه إيغور سترافينسكي ما يكفيه لكي يعجب به ويعتبره مبدعاً موهوباً، غير أنه وبعد أسابيع قليلة من إبدائه خالص الإعجاب به إذ قيض له وهو في باريس في السادس من فبراير (شباط) 1909، أن يشهد تقديماً لعمل موسيقي من توقيع سترافنسكي تحت قيادة الكسندر سيلوتي، لم يخطر صاحب ذلك العمل وهو المعنون “أسهم نارية”، في باله حين جلس يفكر بالعرض التالي الذي يفترض أن يقدمه في العاصمة الفرنسية ضمن إطار غزوه بباليهاته الروسية أوروبا بأسرها. كان دياغيليف يريد عملاً قوياً له روح سلافية وألوان صاخبة وإيقاعات تقدم فكرة رائعة عن الفن الروسي الذي كان يعرف أنه يحظى، وسيحظى دائماً بمعجبين كثر في باريس وغيرها من المدن الأوروبية الذواقة إن أحسن مقدموه الاختيار. وهكذا راح يفكر. فكر أول الأمر باقتباس “كرنفال” شومان، ثم اقترب من روسيا والشرق إذ فكر بقصيدة رمسكي كورساكوف السيمفونية “شهرزاد”. وكان تفكيره يدور على أية حال، من حول عمل يتولى بطولته الراقص نيجينسكي الذي كان يكن له إعجاباً هائلاً. أما من ناحية الموسيقى فكان يفكر في ليادوف. ثم قرأ بالصدفة حكاية “عصفور النار” المستقاة من الأدب الشعبي الروسي واتصل بليادوف عارضاً عليه أن يموسقها. وكانت مفاجأته أن هذا اعتذر فهو يفضل الآن أن يقدم عملاً “أوروبياً” معاصراً. أسقط في يد دياغيليف ثم في لحظة يأس تذكر “الأسهم النارية” واتصل بصاحبها. للوهلة الأولى بدا وكأن سترافنسكي ينتظر بلهفة وثقة ذلك الاتصال. ومن هنا ما إن تلقى برقية من دياغيليف يسأله فيها عما إذا كان يحب أن يلحن “عصفور النار” حتى جاءه الجواب على الفور: “بالتأكيد!” إيغور سترافنسكي (1882 – 1971) (الموسوعة البريطانية) ولادة مدهشة وهكذا ولد عمل موسيقي افتتح حداثة القرن العشرين، لكنه افتتح أيضاً حلقة جديدة ومدهشة من تاريخ الباليه الروسي كما عرفته باريس وأوروبا يوم 25 يونيو (حزيران) 1910. ولعل المدهش في الأمر هو ما سوف يقوله سترافنسكي نفسه بعد سنوات من أنه حين تلقى برقية دياغيليف كان جالساً يحدق أمامه وكأنه يعرف أنها سوف تصل بين ثانية وأخرى. صحيح أن حكاية “عصفور النار” لم تخطر في باله لا حينها ولا قبل ذلك، غير أن “اختيار سيد الباليه الروسي لها، لم يفاجئني على اللإطلاق. كنت أعرف أنه لن يلبث أن يقع عليها أو على ما يشبهها، كذلك كنت أحدس بأنه سوف يتصل بي لأموسقها. كان هناك بالطبع موسيقيون كثر يحبون العمل مع دياغيليف، لكن معظمهم ولأن حكاية ازدهار الباليه الروسي تدور في أوروبا، وفي باريس عاصمة الحداثة الفنية العالمية، كانوا يريدون تجربة حظهم مع تلك الحداثة. نادرون من بينهم من كانوا يدركون أن أعمالاً مثل “عصفور النار” تتيح تجارب في الحداثة لا مثيل لها”. وكان سترافنسكي محقاً. فليلة “عصفور النار” لم تكن ليلته وحده الكبرى، بل ليلة كبيرة في تاريخ فن الباليه، وليلة كبيرة في تاريخ الفولكلور الروسي. وليلة حداثية كبرى خاصة في تاريخ “أوبرا باريس” حيث قدم عمل سترافنسكي الجديد هذا في تلك الليلة تحت إدارة غابريال بييرنه وبإعداد رقصات من فوكين تحت إشراف دياغيليف، ولكن برقص غريب من نوعه أداه نيجينسكي. مرة أخرى، كانت ليلة لا تنسى وبخاصة للموسيقي نفسه الذي شعر في تلك الليلة فقط وبعد أن ساد الصمت الصاخب بعد مغادرة الجمهور وانصرافه هو ورفاقه إلى عشاء متأخر، شعر أن مستقبله الفني قد بدأ لتوه. الشهرة في اليوم التالي صحيح أن ذلك لم يكن سوى نوع من الحدس والثرثرة الليلية بين رفاق آخر ذلك المساء. لكنه في صباح اليوم التالي بات حقيقة واقعة. فعندما أفاق سترافنسكي باكراً وأرسل من يشتري له صحف الصباح، وجد نفسه يشغل مكاناً بارزاً في صفحاتها الأولى. باتت شهرته أمراً حقيقياً. بات معروفاً في طول باريس وعرضها. والحقيقة “أن ذلك قد أدهشني أكثر مما أدهش أي شخص آخر أعرفه. لماذا؟ بكل بساطة لأنني حين كنت ألحن الحكاية، كنت أعمل تلقائياً من دون أن أبذل أي جهد. كنت ألحن وكأن الألحان تنبثق من بعضها البعض، وكأن الموسيقى تنتظرني لألتقطها من دون أن أسعى إليها. بدا الأمر لي وكأن الألحان تكتب نفسها بنفسها ومن هنا استغرقني إنجاز “عصفور النار” وقتاً أقصر كثيراً مما استغرقني أي عمل آخر أنجزته من قبل. بل كانت تمر علي لحظات لا أكاد أصدق فيها أنني أنا حقاً من ألّفت تلك الألحان…” سيردف سترافنسكي. غير أنه لن يصرح بهذا في ذلك الوقت. كان عليه أن يوحي بأن العمل قد أتعبه “لأن العقلية الروسية تحب التعب وتحب لأي عمل يجب أن يكون متعباً!”، ثم لن يكون مفيداً له أن يتحدث عن تلك “السهولة” وقد وجد نفسه من دون أي استعداد في مركز القلب من تلك “الثورة الرهيبة” التي بدا هو وكأنه صانعها الوحيد، بالنظر إلى أن كل التعليقات راحت تتحدث عنه وعن موسيقاه على رغم وجود مبدعين كبار في ذلك العمل أشهر منه وأقدر منه وأكثر رسوخاً منه بين المجموعة التي تضافرت لإنتاج ذلك العمل الفني التاريخي، كما سيقول. وأهم من هذا أن الباليه الروسي، وتحديداً انطلاقاً من صباح اليوم التالي، سيبدو وكأنه “ولد من جديد، ليعطي الجماليات الأوروبية زخماً بالغ الجدة، بل توجهات جمالية جديدة”، وهو ما سيشهد عليه طوال الحقبة اللاحقة، وبتعبير سترافنسكي نفسه الذي سيعود إلى الموضوع مراراً وتكراراً طوال سنوات وسنوات، أن ذلك العرض نفسه سيكون المنطلق الذي سيبلور منذ العقد الأول من القرن العشرين مساهمات تحمل تواقيع بيكاسو وكوكتو وجورج براك وماري لورنسان وإريك ساتي وكلود ديبوسي وحتى بوريس رافيل وبولنك، ودي فاليا… اقرأ المزيد ريمسكي كورساكوف: بين التراث الروسي والتاريخ العربي وصولا لـ ” شهرزاد” و”عنتر” الباليه من بلاط الارستقراطية إلى جدة الساحلية عيد حقيقي “صحيح، سيقول سترافنسكي، إن أياً من هؤلاء لن يكون مصيره أن يولد، مثلي من ليلة معينة من ليالي الباليه الروسي”، لكن جزءاً من فن كل واحد منهم سيكون مديناً لذلك الفن “المستورد” بشكل أو بآخر. “أما أنا فكانت تلك ليلة ولادتي الحقيقية بالتأكيد”. ويقيناً أن الأمر كان بالنسبة إليه بمثابة عيد حقيقي عاشه كما لم يعش أي عيد آخر في حياته. فها هو في باريس مدينة حلمه المراهق. وها هم جميعاً يريدون الاحتفال به معتبرينه في خلفية نجاح الباليه الآتي من بلاده والانتشار الغريب للموسيقى “الروسية الخالصة”. ترى أوليس من حقه أن يحس بدهشة هو الذي بالكاد كان أحد يرضى أن يقابله قبل أيام قليلة، إذ يبلغه أن كثراً يطلبون لقاءه الآن: بروست وبول كلوديل وجان جيرودو، وحتى رافيل ودا فاليا زميلاه في المهنة الواحدة اللذان كان حتى الأمس فقط يفخر بأن موسيقاهما قد أيقظت موهبته الموسيقية، اليوم باتا صديقين له. يا للغرابة. ويا لتصاريف القدر التي سرعان ما ربطته بصداقة مدهشة خصوصاً مع كلود ديبوسي. لقد كانت تلك أغرب الصداقات كما سيعترف سترافنسكي. لماذا؟ بكل بساطة لأن الموسيقي الفرنسي الانطباعي الكبير منحه صداقته في وقت نبهه فيه أنه غير معجب كلياً بما أنتجه حتى الآن! بل إنه يعتبره بالأحرى أهم آلة للتوزيع الموسيقي التقني في زمننا في أحسن الحالات! كذلك يجده على الصعيد الشخصي فجاً ويكره ربطات عنقه الغريبة التي لعل ما يزعجه فيها أنها تضع الإصبع في أنف الموسيقى الحقيقية. وعلى رغم ذلك. لن يتردد سترافنسكي عن اعتبار ديوسي أخلص أصدقائه إلى درجة أنه سوف يهديه علناً عمله التالي “ملك النجوم” الذي أنتجه بين 1911 1912 ولن يقدم كثيراً بعد ذلك على أية حال! المزيد عن: إيغور سترافينسكي فن الباليه سيرج دياغيليف رمسكي كورساكوف سيمفونية شهرواد 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: العراق.. الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل next post صدمة الفقد والحداد في فيلم “ولنا في الخيال… حب؟” You may also like ويليام فولمان يكتب “الإنجيل المضاد” للحروب الأميركية 22 يوليو، 2026 صدمة الفقد والحداد في فيلم “ولنا في الخيال…... 22 يوليو، 2026 صيف الرواية العربية بين متعة وواقع مضطرب 22 يوليو، 2026 ندى حطيط في “الشرق الاوسط”: تاريخ بريطاني طويل... 22 يوليو، 2026 قادة الفكر يسبقون قادة السياسة وليس العكس 22 يوليو، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الاوسط”: وحش وفريسة في... 22 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “عاصفة” روسية في... 21 يوليو، 2026 “تقبرني” تلبنن “أنتيغون” في عرض كوميدي طريف 21 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: استنطاق مجهولي لوحة... 21 يوليو، 2026 “غودو” بيكيت يأتي جريحا في مسرحية سورية كابوسية 21 يوليو، 2026