السينما أداة للكشف وليس للإظهار فقط (وسائل التواصل) ثقافة و فنون مأزق السيناريو في السينما العربية by admin 24 يوليو، 2026 written by admin 24 يوليو، 2026 25 بين هشاشة النص وهيمنة النزعة التجارية يواجه الفيلم العربي أزمة في بناء رؤيته الجمالية والفكرية اندبندنت عربية / أشرف الحساني يعتبر كثير من النقاد أن سبب أزمة السينما العربية تعود بشكل أساس إلى هشاشة السيناريو وعدم قدرة المؤلفين على كتابة سيناريوهات حقيقية تسهم بقوة في إنجاح الفيلم العربي وتخرجه من المنطقة الرمادية التي بات يتخبط فيها منذ ربع قرن أو أكثر. ففي غمرة الأفلام التي تطالعنا على طول العالم العربي يصعب على الناقد أن يجد سيناريو حقيقياً، مكتوباً بعناية ويمتلك من المقومات الجمالية ما يجعله يخترق بنية المجتمع الذي ينتمي إليه، صوب فضاء أرحب تصبح فيه الكتابة السينمائية وسيلة لتملك العالم. نجحت السينما العربية خلال سبعينيات القرن الماضي، على رغم قلة الموارد المادية في أن تكون الصورة السينمائية مؤثرة في بنية الاجتماع العربي، إذ لم تكن السينما مجرّد بذخ جمالي، كما يحدث اليوم داخل مهرجانات سينمائية عربية، بل ظلت بمثابة الأفق الفني الذي يبلور من خلاله المخرج رؤيته النقدية تجاه قضايا وإشكالات يتخبط فيها المجتمع في ذلك الإبان سياسياً واجتماعياً وثقافياً. حرصت أسماء من قبيل مارون بغدادي ويوسف شاهين وداوود عبدالسيد وجوسلين صعب وأحمد البوعناني وبرهان علوية، على أن تكون الصورة السينمائية امتداداً فكرياً للمجتمع العربي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فالأفلام مكتوبة بعناية وبنفس فكري يجعلها تتحرر من الإبلاغ والإطناب البصري والتدريب الإنشائي الذي يحول السينما إلى وسيلة لمحاكاة الواقع من دون التفكير فيه أو تخييله أو حتى نقده. على هذا الأساس فإن السيناريو يظل بمثابة العلامة الجمالية الفارقة في بنية بعض الأفلام السينمائية، لأن هؤلاء المخرجين العرب فطنوا إلى كون الفيلم قبل أن يكون صورة متخيلة، فهو يبقى في باطنه يمتلك قاعدة أدبية تفرض على المبدع أن يكون السيناريو حقيقياً ومستفزاً وعالماً بعناصر الحكاية وشرايينها وأوردتها. يوسف شاهين تمتلك أفلامه قدرة كبيرة على التماهي مع السياق التاريخي العربي المتبدّل (أ ف ب) فلسفة السيناريو إن التأثير الذي يمارسه السيناريو لا يتجلى في موضوع الفيلم وحواراته، بل أيضاً في علاقة جسد الممثل بالنص، فكلما كان السيناريو مدهشاً أدى دوراً تجديدياً، إذ يدفع جسد الممثل إلى الإبداع إلى تجاوز الحيّز الفني الذي يرسم له جسده. فالسيناريو يحرر الجسد من التنميط الأدائي ويجعله يقوم بثورة جسدية وهو يؤدي دوراً سينمائياً ما، لكن الممثل الناجح لا يقبل بأي دور، بل ينتظر الإشارات الداخلية التي يمليها عليه جسده، إذ يعثر داخل نص سينمائي معين على بعض من التناغم الفني الذي يجعله ينخرط جمالياً في العمل السينمائي، لكن هذا غير موجود داخل البيئة العربية لأسباب لها علاقة بالبطالة التي يفرضها القطاع السينمائي وقلة الأفلام التي تصور سنوياً بالمقارنة مع أميركا والهند وفرنسا. لذلك فإن غياب الوفرة الإنتاجية والتنوع السينمائي يجعل الممثل العربي يقبل بأي دور سينمائي حتى يعمل ويعيش، لكن هذا الأمر لا يمنع بعض الممثلين المخضرمين من رفض السيناريوهات غير المكتوبة بصورة جيدة، لأنهم يعرفون مسبقاً أن فعل الكتابة يعتبر عماد الفيلم السينمائي، إذ من دون السيناريو يصبح العمل السينمائي مجرد محض خرافة وهباء. على هذا الأساس حرصت أسماء عربية على جعل السيناريو يتماهى مع مشاغل البيئة العربية ورصد تمثلاتها وانكساراتها وتطلعاتها، سواء في سبيل الخروج من ربقة الاستعمار أو من أجل الثورة على الواقع الذي ينتمون إليه. هكذا نجحت أفلام عربية في أن تكون وثيقة تاريخية بصرية تبرز الوقائع والأحداث والتحولات التي طبعت المجتمعات العربية خلال فترة ما، بما جعلها تمتلك سردية سينمائية قوية ترافق سيرة البيئة العربية وتغيراتها، فهذه الأفلام تمتلك خطاباً سينمائياً قوياً يهجس بتجريب فني يتحكم فيه النص وقدرته على التماهي مع الواقع العربي من أجل إنتاج سرديات سينمائية تشرّح الواقع وتكشف عن المآزق الاجتماعية والأهوال السياسية. بيد أن السيناريست الناجح لا يسقط في الكتابة التنميطية التي تحوّل فعل الكتابة إلى عملية خاضعة لمنطق الطلب، بل يعمل على ضبط إيقاع الحكاية وأليافها السردية، بما يجعلها تتجذر في جسد المجتمع وتبني لنفسها مساراً أصيلاً في عمق المجتمع، إذ يصبح السيناريو مرآة حقيقية للأسئلة التي ترج المجتمع وتعرّي مآزقه وأعطابه. وتأتي الكتابة هنا باعتبارها مخاضاً فكرياً يقوم على تفكيك المجتمع وتشكيل صورته من خلال القبض على حكايات مستلة من الواقع الحميمي الذي ننتمي إليه. إن السيناريو ليس ممارسة فنية / أدبية عابرة في بنية العمل السينمائي، بل يتنزل متوغلاً في جسد الفيلم السينمائي، فهو يعد الموجه الأساس للعملية الإخراجية، إذ رغم الانزياحات الجمالية التي يسعى المخرج إلى خلقها عن طريق تكثيف الصورة السينمائية، يظل السيناريو القاعدة الفنية التي تتحكم في مسار الحكاية وتطورها داخل “براديغم” الصورة السينمائية. يظل العمل هشاً وغير قادر على خلق تشويق بصري وتوترات درامية ما لم يقم على أفق فكري (أ ف ب) سيناريوهات فكرية تمتلك أفلام مثل “العصفور”(1974) و”إسكندرية… ليه؟”(1979) للمصري يوسف شاهين و”حروب صغيرة” (1982) للبناني مارون بغدادي و”السراب” (1979) للمغربي أحمد البوعناني على سبيل المثال لا الحصر، قدرة كبيرة على التماهي مع السياق التاريخي العربي المتبدّل في ذلك الإبان، وقدرة مذهلة على تأصيل السيناريو السينمائي وجعله يصبح وسيلة لنوع من التخييل الفكري الذي يتأمل المجتمع ومزالقه، إذ من دون جودة السيناريو الذي يعتبر العمود الفقري للفيلم السينمائي، لم يكن بإمكاننا تذكر هذه الأفلام التي تشكل علامة فارقة في تاريخ الفن السابع بالعالم العربي، ذلك أنها أفلام قديمة لكن الناس لا تزال تشاهدها، لأنهم يجدون فيها متعة بصرية ووثيقة سينمائية تبرز الرجّات العربية والطريقة التي بها كان الفن السابع يتماهى مع المجتمع العربي ويعبر عن هواجسه وقضاياه وإشكالاته عبر باب السينما ومتخيلها. من ثم، فمن دون الرهان على هذا الأفق الفكري يظل العمل هشاً وغير قادر على خلق تشويق بصري وتوترات درامية تزيد من حدة الفيلم وإيقاعه السردي وجمالياته البصرية. لذلك فإن المنزع التجاري الذي أضحى يسيطر على الممارسات السينمائية العربية، أسهم بقوة في ارتباك السينما العربية وجعلها سينما ترفيهية، لا علاقة لها بالواقع العربي ويومياته، كذلك فإن غياب الإحساس بالمغامرة السينمائية التجريبية التي تدفع المخرجين إلى ابتكار أشكال جديدة ومقاربة موضوعات مغايرة، جعلت كتاب السيناريو يرومون إلى كتابة سينمائية سهلة تنظر إلى العمل السينمائي بوصفه آلية من آليات الترفيه الجماعي وليس مختبراً للتفكير والتأمل والحلم. بهذه الطريقة تغدو الصورة السينمائية عبارة عن مرآة حقيقية لما يشهده الواقع من تصدعات ومآزق وأهوال، ولهذا فالأفلام المذكورة تبدو مفكّراً فيها، لأنها مبنية على إيقاع فكري يدين الواقع أكثر مما يسعى إلى تصوير حكاياته وقصصه، فهي أفلام تجريبية بالمعنى الفلسفي الذي يجعلها ثائرة على الواقع وتحاول عبر جهازها المفاهيمي البصري أن تبني سردية سينمائية مضادة للسردية الفكرية المنتشرة داخل المجتمع. إن السينما أداة للكشف وليس للإظهار فقط، لذلك نتعلم من تلك الأفلام كيف تغدو الصورة أداة لإنتاج الذاكرة الجماعية وسلاحاً بصرياً يقوم على تفكيك الواقع وإبراز ما يحبل به من تناقضات سياسية ومآسٍ اجتماعية. المزيد عن: السينما العربية يوسف شاهين كتابة السيناريو السينمائي نقد سينمائي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post بحثاً عن حضور اللغة العربية في الآداب الأفريقية الراهنة next post هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: “العصر الذهبي” يدرج الممثلين في لقطات أرشيفية You may also like هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: “العصر الذهبي” يدرج الممثلين... 24 يوليو، 2026 بحثاً عن حضور اللغة العربية في الآداب الأفريقية... 24 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الفرنسي فيرنيه يستكمل... 24 يوليو، 2026 مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: جماليات الفراغ… مساحة... 24 يوليو، 2026 ويليام فولمان يكتب “الإنجيل المضاد” للحروب الأميركية 22 يوليو، 2026 صدمة الفقد والحداد في فيلم “ولنا في الخيال…... 22 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “عصفور النار” يطلق... 22 يوليو، 2026 صيف الرواية العربية بين متعة وواقع مضطرب 22 يوليو، 2026 ندى حطيط في “الشرق الاوسط”: تاريخ بريطاني طويل... 22 يوليو، 2026 قادة الفكر يسبقون قادة السياسة وليس العكس 22 يوليو، 2026