ثقافة و فنونعربي عندما أخرج السينمائي أوليفر ستون ثعبان بوتين من جحره by admin 11 مارس، 2022 written by admin 11 مارس، 2022 107 فيلم وثائقي طويل يصحح نظرة الأميركيين إلى العدو ومواجهة ذكية لرئيس داهية اندبندنت عربية \ هوفيك حبشيان الحدث العالمي المتمثل في الحرب الروسية الأوكرانية دفع بالإعلام إلى النبش في الدفاتر القديمة، لعله يجد عناصر دالة على ما يحدث الآن بين البلدين الجارين وتحليله سياسياً، لا سيما مع تزايد اهتمام الناس بالقضية المطروحة. ففي مثل هذه الحالات، كل تفصيل يغدو مرغوباً فيه، فماذا عن أفلام وكتب وشهادات ومقاطع فيديو كاملة تكشف عما هو عصي على الفهم؟ ولأن الشيطان، كما يُقال، يكمن في التفاصيل، فهذا النبش طاول أيضاً الوثائقي الذي أخرجه السينمائي الأميركي أوليفر ستون في عنوان “حوارات بوتين” قبل خمس سنوات وحمل الفكر والعقيدة والآراء التي يتمتع بها قيصر الكرملين الذي يسعى العالم الغربي حالياً إلى عزله. الفيلم الذي بثته محطات تلفزيونية وهو متوافر على “يوتيوب” حالياً، مقسوم إلى أربعة أجزاء كل جزء منها ساعة، وينطوي على الكثير من التفاصيل التي تسهم في فهم عقلية بوتين. انطلق ستون من قناعة مفادها “إذا كان بوتين أكبر عدو للولايات المتحدة، فدعونا نسعى لفهمه”. وفي تصريح له قال إنه كان في وده تنوير الجمهور الأميركي الذي “يملك نظرة متخلفة للعدو منذ الحرب العالمية الثانية”. مَن واكب مسيرة ستون، الذي نال أربعة “أوسكارات” في حياته، يجد أنه من الطبيعي أن يكون صاحب مثل هذا الفيلم. فهو، إلى جانب أفلامه الروائية التي تعري السياسة الأميركية وتعيد النظر في مسلماتها من خلال نقد لاذع لأميركا وقيمها الاقتصادية والوطنية والدفاعية، سبق أن كرس وثائقياً للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو في “كوماندانتي”. من هذا “الولع” التاريخي برجال السلطة القساة الذين يقفون في المعسكر النقيض لأميركا ويعرقلون سياستها الخارجية، جاء اهتمام ستون ببوتين فأجرى معه حوارات بين عامي 2015 و2017 كانت ستصبح لاحقاً مادة دسمة لنوع سينمائي، يعرف المخرج جيداً كيف يصيغه بحنكته واطلاعه على الشاردة والواردة في مجال الجغرافيا السياسية. 12 مقابلة مخرج أميركي معارض يواجه “عدو” أميركا (الخدمة الإعلامية) أعطى بوتين مخرج “بلاتون” 50 ساعة من وقته لينجز 12 مقابلة، جال خلالها على كل القضايا الإشكالية والأسئلة السجالية التي تشغل أعداءه وخصومه قبل حلفائه. تعرف ستون إلى حصانه، وركب معه في السيارة، وشاهد برفقته “دكتور ستراينجلاف”، فيلم ستانلي كوبريك عن الخطر النووي. نال ستون موافقة غير مسبوقة لدخول الحياة الرئاسية والشخصية لبوتين ولم يتأخر في “اقتحام” تلك الخصوصية في بعض الأحيان، ضمن الحد المسموح له، سواء داخل الكرملين أو في مقره الرسمي في سوتشي. منذ تولي السلطة في روسيا، لم يكشف بوتين عن أوراقه إلى هذا الحد، فهو استجاب لكل الأسئلة التي طرحها عليه محاوره، حتى الحساسة منها مثل موقفه من المثلية الجنسية التي لا تعد روسيا واحدة من أكثر الدول دعماً لها. نعلم من بين ما نعلمه أنه أصبح جداً لطفل، وأنه من غير الوارد لشخص مثله بطل في الجودو أن “يأخذ الدوش جنب رجل مثلي” على حد قوله، وأن استخبارات بلاده لا تتدخل في شؤون بلاد أخرى. أفيش الفيلم (الخدمة الإعلامية) يتحدث بوتين عن صعوده إلى السلطة وعلاقته بالأجهزة، وتعامله مع الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الذين عرفهم جيداً، مثل كلينتون وبوش وأوباما وترمب، وكذلك عن الذين جلسوا قبله على كرسي الرئاسة، مثل يلتسن وغورباتشوف. الإرث الروسي له أيضاً حصة من الحوارات: ما تركة ستالين في السياسة الروسية اليوم؟ كيف ينظر إلى البيريسترويكا؟ لماذا أعطي إدوارد سنودن، المتعاقد السابق مع “وكالة الأمن القومي”، المطلوب للعدالة بعدما سرب تفاصيل برنامج التجسس عام 2013، اللجوء السياسي في موسكو؟ العديد من الأسئلة التي لا تحمل إجابات جاهزة بل يجب الاستماع إليها بصوت بوتين الصريح والحذر في آن، كي ندرك مدى التباس بعضها وصعوبة الرد عليها، ففي السياسة لا شيء محسوم تماماً. حتى الاتهامات التي وُجهت إليه بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لدعم ترامب، يرد عليها بوتين ببرودة أعصاب يُحسد عليها، فيزجنا في سبعة عقود من العلاقات الروسية الأميركية المضطربة يقاربها بوتين كشاهد أكثر منه كلاعب. مع وضد هذا بالإضافة إلى مواضيع جدالية ثلاثة قسمت العالم أخيراً إلى معسكرين، مع وضد، وهي: سوريا، وحلف الناتو، وأوكرانيا. من خلال ردود بوتين، يرسم ستون بورتريهاً دقيقاً لزعيم روسيا، مع كل ما يحمله في داخله من تناقضات، محاولاً الحفاظ على حيادية غير ممكنة. في المقابل، نرى أن بوتين لا يمانع. يحلو له هذا الظهور في مظهر السياسي المفكر الذي يملك قناعات راسخة وقدرة على التحليل، كاسراً صورة الزعيم السطحي التي تصدرت وسائل الإعلام الغربية. وستون لا يفوت فرصة لتقريبه من المُشاهد، مصوراً إياه كأي إنسان عادي، يمارس الرياضة ويهتم بمظهره. الرئيس والمخرج يشاهدان فيلماً عن الخطر النووي (الخدمة الإعلامية) في موضوع على هذا القدر من الإمعان في السياسة، كان من البديهي ألا يسلم ستون من الانتقادات عند عرض الفيلم. فاتهم بالتضليل والتواطؤ مع بوتين والتعتيم على بعض المواضيع التي كان سيغير طرحها المعادلة. لا شك أن ستون يكن إعجاباً معيناً لبوتين، فهو يميل إلى أي من الشخصيات ذات النفوذ التي تقف في وجه سياسة بلاده، على الرغم من أنه صور ما يريده في أميركا وشن فيها معارك طاحنة ضد سياستها، ما يعني أنه ينعم بالحرية، على عكس أي مخرج روسي لا يمكنه تناول كل ما يرغبه في أفلامه. هذا الإعجاب ببوتين نلتقطه هنا وهناك في تعليقات ستون، مثلاً عندما يقول له “أنت مدير شركة ممتاز. روسيا هي شركتك”. صحيح أن ستون لا يعترض كثيراً على أطروحات بوتين، ولا يحاول حشره في الزاوية، لا بل يبدو أحياناً كتلميذ أمام أستاذ تبهره قدراته. لكن أليست هذه شروط اللعبة التي تسمح بالمزيد من الولوج في عقل الشخصية؟ هذه هي الطريقة الوحيدة، وستون يعرف جيداً أن هذا ضروري لكسب ثقة بوتين، الذي يمسك في النهاية بمقاليد الفيلم. أي أسلوب عدائي في المحاورة، كان أخذ الحوار إلى المنحى التلفزيوني العادي، الرائج في الـ”توك شو”، حيث صحافي مخضرم يحاول أن يحرج الضيف ويستدرجه إلى كلام كبير. ما يفعله ستون هنا هو إخراج الثعبان من جحره، وكي يستطيع إخراجه منه عليه أن يحادثه بلغته ويكون على قدم المساواة معه. في طائرة بوتين (الخدمة الإعلامية) وفي هذا الصدد، يقول ستون “لم أحاول أن أكون الصحافي الفحل الذي يجسده عادةً الصحافيون في الغرب، فإذا لم يلعبوا هذا الدور ولم يكونوا قساة في أسئلتهم، لن يُعتَبروا صحافيين جيدين. قد يأتي هذا الأسلوب بنتيجة جيدة أحياناً، ولكن يختلف الأمر عندما تتحدث إلى زعيم دولة مكرس منذ 16 سنة وصاحب خبرات واسعة. في هذه الحالة، أعتقد أنه عليك أن تبقى مهذباً، إلا إذا قال شيئاً غير صحيح. بل على العكس، عليك ببناء أفضل العلاقات معه. بوتين شخص يملك حساً فكاهياً قوياً. أحياناً، كنت أمازحه”. خيارات غير ديمقراطية أساليب ستون لتنفيذ هذا الفيلم قد تكون مفهومة، ولكن هذا لا يعني أنها خالية من العيوب. في الأقل لن يستطيع أن يبرر تفهمه خيارات بوتين غير الديمقراطية فيما هو (ستون) من أشد المنددين بالمؤسسات الأميركية. لا يخفي ستون أن أحد أهدافه من خلال هذا الفيلم هو تصحيح صورة بوتين عند الجمهور الأميركي، الصورة التي كرسها الإعلام الذي يعتبره المخرج مضللاً. بيد أنه، في الحقيقة، إذا نظرنا جيداً في الموضوع، لاكتشفنا أن ستون يصفي حساباته مرة أخرى مع أميركا والبروباغندا المعادية لروسيا، مستخدماً بوتين وشخصيته الجدلية. فالأخير ليس سوى حجة لفيلم آخر يحارب فيه ستون الإمبريالية الأميركية، ومن خلاله يتصدى للنيوليبراليين الذين يعتقدون أنهم انتصروا في الحرب الباردة. يبقى السؤال الذي تصعب الإجابة عنه: مَن استغل الآخر، بوتين أم ستون؟ هل استطاع زعيم روسيا خداع المخرج الأميركي الذي يعتز باطلاعه على كل شيء يحدث في العالم، من شرقه إلى غربه، ومن اغتيال كينيدي إلى مطاردة سنودن فتمرد كاسترو؟ وبالتالي استفاد من مكانته وشهرته ومصداقيته ليروج لنفسه كزعيم؟ أم أن ستون وظف الروسي ليحكي من خلاله حكاية أميركية أخرى عن تسلط الغرب وهيمنته؟ أياً يكن الجواب، فلا يبدو ستون شديد التفاؤل في ما يخص مستقبل البشرية. يردد بأن كابوساً نووياً ينتظرنا جميعاً ونحن متجهون صوبه لا محالة. أما في ما يتعلق بالغزو الروسي لأوكرانيا، فلم يتوانَ عن إبداء رأيه فيه قائلاً إن روسيا أخطأت. “في ضمير أميركا اعتداءات وحروب عديدة، لكن هذا لا يبرر غلطة روسيا”. المزيد عن: بوتين \ أوليفر ستون \ فيلم وثائقي \ سينما \ حوار \ تصوير \ الأميركيون 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post المحكمة الدولية تدين عضوين في “حزب الله” بقضية اغتيال الحريري next post عشرة أجزاء لسرد حكاية أوروبية غريبة في زمن أغرب You may also like ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026