كتابة على لوح فرعوني (المتحف المصري) ثقافة و فنون علي عطا يكتب عن : الفلسفة المدنية الفرعونية سبقت رؤية نيتشه الميثولوجية by admin 12 يونيو، 2026 written by admin 12 يونيو، 2026 19 دراسة مقارنة للباحثة المصرية فوزية أسعد تسترجع الاستعارات القديمة اندبندنت عربية / علي عطا تربط الباحثة المصرية الفرنكفونية فوزية أسعد في كتابها “رؤى مصرية سابقة على فكر نيتشه” (ترجمه عن الفرنسية محمد حسونه لحساب “المركز القومي للترجمة”) بين فلسفة “إرادة القوة” كما عبر عنها فريدريك نيتشه (1844- 1900) والميثيولوجيا المصرية القديمة، (بخاصة في أطروحاتها عن الفراعنة المتمردين مثل إخناتون وحتشبسوت)، مبينة كيف أثرت التساؤلات والتأملات اللاهوتية والفلسفية في “هليوبوليس” (مدينة الشمس) على الفكر الغربي وأطروحات نيتشه. ووظفت أسعد فكر نيتشه كأداة نقدية للمركزية الأوروبية، لإثبات أن الحضارة المصرية كانت حاضنة أصيلة للنظرة الفلسفية والأدبية التي عالجها نيتشه لاحقاً في مؤلفاته. الكتاب بالترجمة العربية (المركز القومي) وانطلقت أسعد من ملاحظة بعض الباحثين الغربيين، ومنهم يان أسمان، أن فكرة نيتشه المركزية عن “العَود الأبدي” (التي تدعو لقبول الحياة كما هي وتكرارها إلى ما لا نهاية) تتطابق في جوهرها مع الرؤية المصرية للخلود والتحنيط، فبدلاً من الهرب إلى عالم آخر (كما في الفلسفة الأفلاطونية)، سعى قدماء المصريين إلى استمرار دورة الحياة اليومية والأبدية في تناغم مع الطبيعة. أزوريس وديونيسوس تتألف دراسة أسعد من جزأين، يبدأ الأول الذي يتناول المشترك بين أوزوريس في الميثولوجيا المصرية وديونيسوس في الميثولوجيا الإغريقية، ومدى تأثر فكر نيتشه بالأفكار التي تطرحها الأسطورتان، بمفتتح تشير فيه إلى أن “الاستعارات القديمة تقع عند منابع اللغة الميتافيزيقية، فهي قارة في عالم من التعاويذ البالية، ولكنها تستطيع بفضل النسيان، أن تستفيد من عمل لا واع لتجديد يعيد لها شبابها، بل يعيد لها حدتها المفقودة”. وتتفق أسعد في هذا الصدد مع قول بعض علماء المصريات إنه يجب تحرير أنماط تفكيرنا الموروثة من اليونانيين، حتى نتمكن من فهم مصر القديمة، “بيد أن المسار هو في الأساس نيتشاوي: إن الزمن الذي يفصلنا عن العصور القديمة هو هذه العصور المرتبطة بالفكر الغربي، والتي تشير، كما يرى نيتشه، إلى زمن شيخوخة وزوال”. الكتاب بالأصل الفرنسي (دار آج دوم) وتقول المؤلفة إنه من قبل نيتشه “فهم الرومانسيون أهمية الأسطورة، واستدامة وحي الديانات القديمة، والعودة للمصادر البدائية لكل إلهام شعري مقدس، بل حتى كهنوتي” (ص:8) ولاحظت أسعد أن زرادشت، بوصفه آخر لذات نيتشه، كان يرقص فوق تلال المساء النيتشاوي، شأنه شأن زارع نثر البذور على الأرض، شأن أوزوريس ينمي النبات في رحم أمومي: هذه ورقة فرعون التي كنا نلف بها صورة الإله المصنوعة من الشعير، مثل شمس عابرة للمقابر، أراد زرادشت أن يجلب للبشر، ونيتشه قرينه، ظله، النور والحياة” (ص:152) وترى أسعد أن في مصادر نيتشه ولب فكره، يوجد هذا الإله الغريب عن مجمع الآلهة اليوناني: إنه ديونيسوس، إذا كانت الآلهة اليونانية خالدة، فإن ديونيسوس كان مثل الآلهة المصرية يموت ويحيا، فهل هو صنيعة خيال أورفيوس الذي ذهب إلى مصر وجلب منها أسطورة إيزيس وأوزوريس، أم أنه قد وفد مع رجال رحلوا من هذا البلد نفسه؟ لكن الاكتشافات الأثرية تقترح نظرية أخرى: منذ العصور الغابرة، وصل أوزوريس عبر جزيرة كريت إلى اليونان ليصبح اسمه زاجروس أو ديونيسوس. تأثير مصر في عام 1900 أجرى أرنولد إيفانز حفريات في كنوسوس، وهكذا جرى اكتشاف الحضارة المينوسية المتعلقة بالعهد الكريتي واليوناني القديم، منسوباً إلى مينوس الملك الأسطوري القديم، “وبدأنا للمرة الأولى نبحث عن تأثير مصر في جزيرة كريت، كانت كل من مصر وكريت تتبادلان المنتجات منذ عصور سحيقة، فلم لا يتبادلان آلهتهم إذاً؟ نحن نعلم من مصدر يوناني وآخر مصري أن ثمة مستعمرات مصرية استقرت في اليونان، وقد ظهرت آثار هذا العصر في كثير من الكتب الواصفة لها، وعلى جدران مقبرة رخمي رع، حاكم طيبة في عصر تحتمس الثالث”. لكن إلى أي مدى كان نيتشه يعرف مصر القديمة؟ ما المدهش في هبوط نيتشه الذي يشعر بالوحدة والمعاناة المقاربة للجنون، إلى ما أطلق عليه بوركهارت مدينة الأموات الشاسعة: مصر القديمة؟ الفيلسوف نيتشه (مؤسسة نيتشه) في الواقع وجد نيتشه هذه المدينة في نفسه، في موته الخاص وعزلته. كانت العبقرية الدينية تتمثل لدى نيتشه في استنباط الآلهة القديمة: أي هذا الصرح الهائل من الصور التي تعبر عما هو إلهي. ما إن بلغ الـ 30 من عمره، حتى قبل أن ينشر “ولادة التراجيديا” هجرته فرحة الحياة والشباب، “وكما قلنا من قبل فإن معاناة ديونيسوس التي تجسدت فيه بكل أشكالها، دمرته” (ص:34) وترى أسعد أنه إذا ما كان ديونيسوس قد بدا رويداً رويداً بديلاً عن نيتشه، وإذا ما كان ديونيسوس يسكن أعماق نيتشه أكثر فأكثر، حتى احتل أكثر الجوانب الخفية لجنونه، إذاً يجب الحفر للوصول إلى أعمق المنابع الممكنة للإله حتى نعثر على مصادر أسمى لأفكار الفيلسوف، “المعاد الأبدي”، و”إرادة القوة”، أي إعادة اكتشاف نشاط تداعي الأفكار، استبدالها وابتكارها، وهو ما يمكن تفعيله في حضور كل التحولات المجازية للأسطورة، بل إن نيتشه، مع تفاقم شعوره بالألم، تخيّل وفكّر في جمع ديونيسوس وأوزوريس وآريان معاً. تحوت وماعت في الجزء الثاني من الكتاب ترصد أسعد أثر مزيد من الرؤى المصرية القديمة في فكر نيتشه، وخصوصاً من خلال أسطورة تحوت، إله الحكمة عند المصريين القدماء، ونظيره الأنثوي الإلهة ماعت. تحوت ترجم اليونانيون اسمه إلى هرمس، مثلث العظمة. يقول نيتشه “تولد الحياة من الحرب. هذا ما قاله تحوت، هذا الطبيب الكوني الذي يعالج كل القوى المطلوبة للحياة وللحرب. هذا المحامي المشهور، الذي تجاوزت بلاغته بلاغة أفضل السفسطائيين اليونانيين، قام بالدفاع عن أوزوريس وحورس، ولكنه دافع أيضاً عن “ست” وأنصاره، أحياناً كان يأخذ جانب الخير، وأحياناً أخرى جانب الشر، ولكن الخير والشر ليسا إلا وجهين لعملة واحدة، و”تحوت” كان يستهدف تناغم العالم، كان مهموماً بالهدنة المطلوبة لكل تجديد للحياة، ولكن الهدنة التي كان مراقباً لها، كانت تبدو مثل السلام الذي يتكلم عنه زرادشت بوصفه نقطة الانطلاق لحروب جديدة. كانت الأسطورة تحمل في ذاتها ملخص التاريخ الذي يمضي فيما وراء الخير والشر، عما وراء الصحيح والخطأ، مثلما نجد لدى نيتشه في القرن الـ 19 ولدى تحوت، كاتب الآلهة، بوصفه طبيباً ومحامياً كونياً. يصف لنا نيكوس كازانتازاكيس، تقول أسعد، هذا المسار الروحي الذي قاده إلى فهم فكر نيتشه، “لقد كبر في كريت، في هذا المناخ المشحون بالكراهية بين اليونانيين والأتراك. فقرة جديدة من هذا الصراع الأبدي، الأسطوري، الذي يقابل حلفاء حورس بحلفاء ست، بكل احتدام النفور القومي بين الجانبين، والذي يلقي بدياجير الجحيم في وجه كل تركي” (ص:108) اقرأ المزيد لو سالومه روضت نيتشه وفتنت فرويد وحنت على ريلكه طلاسم الفراعنة وعوالمهم الافتراضية يؤمّن العمل السحري لتحوت مسار العودة، وكان نيتشه يأمل في ذلك وهو يحلم بأسطورة آريان. كانت آريان سره الأول. القدرة الأنثوية الأولى، كما كانت أنيما الخطيبة الملازمة لديونيسوس. آريان شبيهة بالآلهة التي تخلق الحياة وتمنح الموت، إنها في مقام ما وراء الخير والشر، عكس القوة الأنثوية الشيطانية السلبية والأخلاقية، أم الخير والشر، تلك التي تحتقر الحياة وتنفيها. ستتذكر الأجيال القادمة في رضا، نصوص نيتشه التي تبدي عداوة للمرأة: “لا تذهب إلى امرأة إلا ومعك سوطك”. وبالنسبة إليه، للمرأة وجهان: فهي تجسد أخلاقيات الغل والبغضاء، وكل أشكال الفكر اليهودي – المسيحي: الخطيئة والمسؤولية. والوجه الآخر، هو وجه آريان، بهاء وجمال الفرح، كثافة الحياة،Anima السمو الأنثوي، إنها أريان التي كان بُعدها بالنسبة إلى نيتشه يعني الكآبة والأسى. تقدم فوزية أسعد قراءة تتحدى المنظور الغربي الذي يحصر تاريخ الفلسفة في اليونان، فبدلاً من الاقتصار على الصلة الواضحة بين نيتشه والثقافة اليونانية، تؤكد أن الفيلسوف الألماني الشهير كان محقاً في رفض هذا المنظور الضيق، إذ كان يرى ضرورة انفتاح الفكر الغربي على تيارات مختلفة، ولهذا تستند أسعد إلى محورين: إثبات أن نيتشه تجاوز اليونان في مراجعته للماضي وصولاً إلى مصر الأوزيرية، وتسليط الضوء على كيفية امتداد الميثولوجيا المصرية القديمة وتأثيرها في الفكر الغربي، وصولاً إلى فلسفتها الخاصة، ومن خلال ذلك فإن هذا الكتاب لا يكتفي بالكشف عن علاقة نيتشه بمصر، بل يكشف دور الحضارة المصرية في تشكيل الفكر الغربي. وفوزية أسعد (1929- 2023) ولدت في القاهرة، حصلت على الليسانس في الفلسفة من كلية الآداب في جامعة السوربون ثم الدكتوراة من الجامعة نفسها عام 1956، وعملت في تدريس الفلسفة في جامعة عين شمس قبل أن تتفرغ للكتابة البحثية والأدبية. وأسعد التي كانت تقيم في سويسرا، قبل وفاتها عام 2023، كتبت روايتها الأولى بالفرنسية L’Égyptienne عام 1975 وترجمت إلى العربية بعنوان “مصرية”، وأصدرت روايات عدة منها “أطفال وقطط”، و”حتشبسوت”، و”بيت الأقصر الكبير”. المزيد عن: الفيسلوف نيتشه مصر الفرعونية الميثولوجيا اليونانية دراسة فلسفة رموز إستعارات التاريخ رؤية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “جاكراندا” مسرحية تونسية تجريبية عن صعود حلم وسقوطه next post “إقليم الوسطى”… ليبيا حائرة بين التطوير والتفكيك You may also like “جاكراندا” مسرحية تونسية تجريبية عن صعود حلم وسقوطه 12 يونيو، 2026 سؤال لعين حير برليوز: لماذا فضل الفرنسيون “فاوست”... 12 يونيو، 2026 “منديل” أنجيليكا لوبيس سجل النضالات النسوية 11 يونيو، 2026 شارع المتنبي في بغداد يفقد قراءه: الكتب تراكم... 11 يونيو، 2026 وصية جون هستون المستعارة من أهالي دبلن 11 يونيو، 2026 مرصد الأفلام من المجلة … عوالم الساحرة المستديرة... 11 يونيو، 2026 التين والزيتون في رؤية توماس مان 10 يونيو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: جدارية الأرض المثمرة… أموية... 10 يونيو، 2026 حين كان ديكارت على حافة الجنون 10 يونيو، 2026 أفلام مدوية… أو العنصر الغامض في وليمة الشهرة 10 يونيو، 2026