فيليب روث (1933 - 2018) (غيتي) ثقافة و فنون الفرنسيون جمعوا روايات فيليب روث الكاشفة للحاضر الأميركي by admin 4 ديسمبر، 2025 written by admin 4 ديسمبر، 2025 170 جائزة “نوبل” لم تكتشف صاحب “الرعوية” و”المؤامرة” إلا بعد رحيله عن عالمنا اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب للوهلة الأولى يبدو الأمر أشبه بتحصيل الحاصل، ومع ذلك انتظر الكاتب الأميركي فيليب روث (1933 – 2018) سنوات طويلة قبل أن يرى ناشراً يتنبه إلى الروابط الفكرية والتاريخية، ناهيك بالإبداعية، التي تجمع بين 4 روايات أساسية من متنه الروائي الذي لو بحرنا به جيداً سنكتشف فرادته وراهنيته، ناهيك بلؤمه، في مجال التحدث فيها عن بلده. عن أميركا كلها على رغم أنه ولد في نيوجرزي ليموت في نيويورك التي لا تبعد عنها كثيراً. ولعل ما يمكننا قوله هنا هو أن الروايات الأربع التي نشير إليها، وأقدم ناشر ترجمتها الفرنسي قبل أربعة أعوام من رحيل الكاتب على جمعها معاً في مجلد واحد يتوزع على قرابة 1200 صفحة هو أن تلك المبادرة أتت في وقتها. فالحقيقة إن ما من مشروع أدبي يمكنه أن يضاهي في ضرورته وراهنيته، هذا المشروع الذي يخيل إلينا أن الفرنسيين تنبهوا إليه حتى قبل الأميركيين هذه المرة. ما أحال إلى ظهور عنوان جامع هو “أميركا فيليب روث”، كعنوان بدا للمطلعين على أدب روث كالبديهة، بل إن الأمر استدعى حينها ظهور عدد لا بأس به من كتب ودراسات حملت عنواناً يدور من حول الفكرة نفسها: العلاقة بين الراهن الأميركي وأدب روث، وليس فقط كما عبرت عنه تلك الروايات الأربع. فما هي هذه الروايات وما موقعها في أدب روث الذي أجمع النقاد والباحثون خلال العقود الأخيرة على أنه كان من بين أبناء جيله، أكثر الكتاب الأميركيين استحقاقاً لجائزة نوبل الأدبية التي لم تصل إليه، على عكس جوائز كثيرة أخرى منها بوليتزر وجائزة فولكنر، والجائزة القومية الأميركية. حساسية خاصة ينظر النقاد إلى فيليب روث المعتبر واحداً من أكبر الروائيين الأميركيين في القرن الـ20 وبداية ما يليه، باعتباره أديباً شديد الحساسية تجاه التحولات السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة الأميركية. وبخاصة طبعاً بعالمه الروائي لا ينفصل عن الواقع الأميركي، بل يتقاطع معه في أشكال متعددة: من نقده أسطورة الحلم الأميركي، إلى تحليل أزمة الهوية، مروراً بالتوقف المعمق عند الانقسامات العرقية والثقافية، وصولاً إلى تشريح البنية السياسية في فترات الاضطراب. وبذلك تصبح رواياته مرآة مشروخة تعكس صورة المجتمع الأميركي كاشفة ما هو مخفي تحت الخطاب الرسمي وصورته اللامعة. ومن المؤكد أن من أبرز أعمال روث التي تلامس الشأن السياسي مباشرة “رعوية أميركية” التي نالت جائزة بوليتزر (وهي واحدة من الروايات المجموعة في المجلد الفرنسي إلى جانب “المؤامرة ضد أميركا” و”اللطخة البشرية” و”تزوجت شيوعياً”). في “رعوية أميركية” يتعامل روث مع انهيار الحلم الأميركي عبر قصة رجل أعمال ناجح يجد نفسه يوماً أمام تطرف ابنته السياسي في ستينيات القرن الماضي، مما يتيح للكاتب أن يقدم قراءة في صميم التمزق الأميركي الداخلي، حيث تتصادم النزعة التقليدية المحافظة مع الراديكالية الاحتجاجية. وذلك حين يجد المواطن نفسه محاصرا بين عالمين: عالم النظام الذي يريد الاستمرار وعالم الغضب الثوري الذي يريد أن يطيح ه. وهذه الثنائية كما يرصدها روث لا تزال، كما نعرف حاضرة في أميركا المعاصرة بوضوح، خصوصاً بعد صعود الحركات الشعبوية، وعودة الاستقطاب الحاد في العقدين الأخيرين. ملصق فيلم مقتبس عن “رعوية أميركية” (موقع الفيلم) ماذا لو أن فاشياً… أما الرواية التالية “المؤامرة ضد أميركا”، فقد اكتسبت أهمية جديدة بعد صدورها بوقت طويل. فالرواية تتخيل أن الطيار الشهير تشارلز لندنبرغ، الذي كان معروفاً بتعاطفه القوي مع ألمانيا النازية الهتلرية، قد فاز بالرئاسة الأميركية في انتخابات عام 1940 ضد الرئيس روزفلت، لتنحرف أميركا بذلك، انحرافا رهيبا نحو الانعزال القومي ومعاداة السامية. وعلى رغم أن هذه الرواية تنتمي إلى صنف الدستوبيا (التاريخ البديل)، فإن قراءتها في ظل أحداث السنوات الأخيرة – تحت ظل ولايتي ترمب الأولى والثانية، أو في ظل صعود خطاب الكراهية والانقسام العرقي – جعلت منها نصاً “تنبؤياً”، كما وصفه بعض النقاد، إذ يستخدم روث التاريخ المتخيل ليعبر عن خوف حقيقي من هشاشة الديمقراطية الأميركية، ويكشف عن أن الانحراف السياسي ليس احتمالاً متخيلاً فحسب، بل إمكانية كامنة في بنية المجتمع ذاته. وتبرز السياسة بصورة مكثفة أيضاً في الرواية الثالثة “اللطخة البشرية”، الرواية التي تتناول فضيحة أخلاقية تكشف عن عمق التوترات المتعلقة بالهوية والعرق والسياسات الثقافية. في هذه الرواية يتصدى روث لما يعرف في أميركا باسم “الصوابية السياسية” التي اجتاحت جامعاتها، ليرى فيها شكلاً جديداً من الرقابة المكارثية الاجتماعية. وهو يقدم ذلك من خلال الشخصية الرئيسة كولمان سيلك، وهو أستاذ جامعي أسود يخفي سواده تحت لونه الفاتح وغير الواضح بالتالي، كنوع من التمرد على هويته البيولوجية ليعيش كرجل أبيض ويجد نفسه ضحية منطق سياسي جديد يدين كل كلمة وكل فعل يحاول التعبير خارج منظومة ما هو مسموح به. والحال أن هذه الرواية ليست عن المستبعدين فحسب، بل نقد لأواليات الهيمنة التي تتخفى أحياناً تحت شعارات التقدم والتحرر. رفض الشعارات السهلة ولئن كانت الرواية الرابعة في هذه المجموعة “تزوجت شيوعياً” تعود عقوداً إلى الماضي للكشف عن جذور ذلك كله في مرحلة الجنون المكارثي عند نقطة الفصل بين سنوات الـ40 والـ50 في التاريخ الأميركي الحديث، فإن من اللافت أن روث لا يتعدى موقف المراقب الذي يرفض الشعارات السهلة. فهو لا ينحاز أيديولوجياً إلى اليمين أو إلى اليسار، بل إلى الفرد بوصفه مركز التجربة، إذ إن السياسة عند روث ليست مجرد صراع أحزاب، بل صراع حول معنى الحرية الشخصية والهوية والذاكرة، والنجاة في نظام اجتماعي يتبدل بسرعة، لذلك تبدو شخصياته – مثل زوكرمان، أناه/ الآخر الحاضر بديلاً عنه في عدد من آخر رواياته، أو سيلك نفسه أو سفيريكا في الرواية الأخيرة… شخصيات “تسعى إلى الحفاظ على ذاتها في عالم يضغط عليها باستمرار لتكون شيئاً آخر غير ما هي عليه”، بحسب الباحثين. باختصار، تظهر روايات روث الأربع هذه كيف أن السياسة الأميركية الراهنة، لا يمكنها أن تكون معزولة عن تاريخ طويل من التوترات والاستقطابات والشعبوية، والعنف الثقافي وصراع الهويات. وهي كلها أبعاد نجد بذورها حاضرة في أعماله قبل أن تنفجر على أرض الواقع. ولذلك يبقى روث على رغم رحيله، كاتباً معاصراً بامتياز، هو الذي من خلال شخصياته الرازحة تحت ضغط السياسة، يكشف هشاشة المجتمع الأميركي مذكراً بأن الديمقراطية ليست ضمانة مُثلى، بل تجربة تعاد صياغتها – أو تعرضها للتهديد – بصورة يومية. المزيد عن: فيليب روثالمكارثيةالحلم الأميركيأزمة الهويةجائزة بوليتزر 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إيرينا بوروغان – أندريه سولداتوف يكتبان عن : الخطر البحري الروسي next post David Schenker : A Year Later, Lebanon Still Won’t Stand Up to Hezbollah You may also like كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 “مفجر البارثينون” رواية يونانية تفكك قداسة الماضي 16 مارس، 2026 تولستوي ينصر الإنسان ضد آلة الحرب في “حاجي... 16 مارس، 2026 ماهلر حذف ثلث مغناته “أنشودة النحيب” ثم ندم 16 مارس، 2026 يورغن هابرماس رائد النظرية النقدية في زمن الاضطراب 16 مارس، 2026