الشجر حياة وفقدان في لوحات تمارا حداد (خدمة المعرض) ثقافة و فنون “إلى أبي” معرض يجمع بين موت الغابة والفقدان الشخصي by admin 20 مايو، 2026 written by admin 20 مايو، 2026 19 الأشجار في لوحات تمارا حداد قصائد بصرية بين الأرض والسماء اندبندنت عربية / مهى سلطان “الأشجار قصائد تكتبها الأرض على صفحة السماء، ونحن نقطعها ونحولها إلى ورق لنسجل عليه خواءَنا”. بهذه العبارة المأثورة لجبران خليل جبران، مهدت الفنانة تمارا حداد لمعرضها الجديد “إلى أبي”، المقام في “غاليري تانيت” والمستمر حتى الثاني من يونيو (حزيران) المقبل، ويأتي المعرض بمثابة إهداء إلى روح والدها، المهندس المعماري والمحب للطبيعة، الذي نقل إليها شغفه بالأشجار التي كان يزرعها ويرعاها. جمالية الأغصان ورمزيتها (خدمة المعرض) من هنا يتمحور المعرض حول العلاقة بين موت الغابة والفقد الشخصي، فيما تحضر هذه الصلة الحميمة بالطبيعة في مجمل الأعمال، إذ تستعيد الفنانة الأشجار بوصفها ذاكرة حية ومهددة في آن معاً. تنطلق الأعمال من غابات لبنان، ومن أشجار بسكنتا تحديداً، حيث تتداخل التجربة الشخصية بالفقد مع التأمل البيئي. فبعد الحرائق التي التهمت الأحراج المحيطة بمنزل العائلة، راحت الفنانة تجمع بقايا الأغصان والعناصر المحترقة لتدمجها في لوحاتها، محولة أثر الخراب إلى مادة بصرية مؤثرة. غير أن المعرض لا يقف عند حدود الرثاء أو التوثيق الكارثي، بل يسعى إلى استعادة الجمال بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة، فالأشجار لا تظهر كضحايا صامتة، بل ككائنات نابضة بالضوء، تقاوم الفناء عبر اللون والمادة والذاكرة. “تشكل صوري الكثيرة التي التقطتها خلال رحلاتي في الطبيعة الأساس لهذه السلسلة”، تكتب الفنانة التي عرفت منذ عام 2010 بمشاريعها المنضمة إلى مواجهة التحديات البيئية، فبعد انشغالها برسم الطبقات الجيولوجية والمنحدرات الصخرية والتسربات النفطية، بدأت تتجه في عام 2024 إلى ثيمة إزالة الغابات وحرائق الأحراج، غير أن هذه الأعمال لا تنبع من التسجيل البصري للطبيعة وحسب، بل من قلق عميق وإحساس متزايد بالاختناق إزاء كوكب منهك يتآكل بصمت، فالأشجار، في نظرها، لم تعد مجرد عناصر من المشهد الطبيعي، بل أصبحت من أشياء لم نعد نراها، في عالم يندفع نحو العنف والقبح وتدمير ذاته حتى فقد القدرة على التأمل والإصغاء إلى أنفاس الأرض. الغابة بمشهديتها الساحرة (خدمة المعرض) ومن هنا تلامس تمارا في مقاربتها قضية معاصرة تتجاوز البعد البيئي المباشر، لتصبح سؤالاً وجودياً يشغل العلماء والمفكرين كما الشعراء والفنانين، إذ إن القضاء على الغابات لا يهدد النظام الإيكولوجي وحسب، بل يفتح الباب أمام التصحر واختلال المناخ وإبادة الكائنات الحية بما فيها الإنسان نفسه. وفي مواجهة هذا الخراب، تبدو هذه السلسلة كأنها دعوة إلى استعادة الزمن البطيء للطبيعة، إذ نتوقف قليلاً لنتأمل ونتنفس وندرك أننا لسنا منفصلين عن هذا العالم، بل نحن جزء حي منه، من ضوئه وروائحه وألوانه وحركته. وبينما يختار العالم الإنكار، تختار الفنانة النور. الأرز كجسد للذاكرة والغياب “ألا تعرف أن الغابات هي حياة الأرض”، مقولة وجدت على مخطوطة بابلية تعود لأكثر من 3 آلاف عام، تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، فمنذ القدم احتفى لبنان بشجرة الأرز بوصفها رمزاً للحياة والهوية، حتى غدت علامة وطنية مترسخة في الذاكرة الجماعية. وخلال الأعوام الأخيرة، برزت هذه الشجرة بقوة في أعمال عدد من الفنانين التشكيليين المعاصرين، ولا سيما المهاجرين منهم، لا كعنصر طبيعي أو زخرفي وحسب، بل كرمز بصري مشحون بالتاريخ والحنين وأسئلة الانتماء. أما لدى تمارا حداد، فتقف شجرة الأرز عند تقاطع الطبيعة والتاريخ والأسطورة، حاملة فكرة الثبات في مواجهة الزمن، والعلو في مواجهة الانكسار. تمارا حداد في محترفها (خدمة المعرض) في هذه اللوحة الثلاثية الضخمة الممتدة على قرابة خمسة أمتار، تبدو الشجرة وكأنها تخرج من حدود الطبيعة لتتحول إلى حضور جارف يحتل الفضاء بأسره. لا ترسم تمارا الشجرة بوصفها عنصراً من المشهد، بل تجعل منها المشهد نفسه: كتلة حية من الأغصان المتشابكة التي تمتد بعنفوان عبر سطح اللوحة، حتى يكاد المتلقي يشعر بأنها تطوقه بثقل حضورها، وهو الإحساس الذي استمدته الفنانة من تجربة عاشتها تحت ظلال “أرز جاج”، في أعالي قضاء جبيل. في هذا العمل الجداري تتداخل الأغصان الداكنة بخطوط كثيفة ومتعرجة، فيما يفيض الضوء الذهبي في الخلفية كأنه وهج داخلي ينبعث من قلب الطبيعة نفسها. هذا التناقض بين قتامة الفروع وتوهج اللون الأصفر يمنح العمل توتراً بصرياً وشعوراً مزدوجاً بالحياة والقلق، فالشجرة هنا ليست صورة شاعرية وحسب، بل كائن هش أيضاً، يحمل آثار الزمن والتهديد والفناء. وتكشف المادة الكثيفة التي تعتمدها الفنانة عن رغبة في جعل اللوحة أقرب إلى جسد طبيعي ملموس، لا إلى سطح تصويري مسطح، فالأغصان تبدو محفورة في القماش، لكنها تنبض كعروق حية تمتد في فضاء المكان. دموع الخريف مناظر تمارا حداد واقعية تستند إلى الصورة الفوتوغرافية، وتتخذ طابعاً خريفياً يتجلى في أوراق الأشجار المتوهجة بلمعان يشبه الدموع، وكذلك بألوان الذهب وتدرجات الأحمر، وسط فضاء كثيف بالعناصر النباتية التي تدخل المتلقي إلى قلب الغابة، وتعتمد الفنانة طبقات سميكة من اللون والعجائن والمواد العضوية (أكريليك وألوان زيتية ورماد)، إذ تتحول اللوحة إلى سطح حي يكاد يقترب من النقش البارز، فالأغصان والأوراق لا ترسم فقط، بل تبنى مادياً فوق السطح عبر التلصيق والتراكم والملامس الخشنة، مما يمنح العمل حضوراً حسياً كثيفاً. وتمزج بين الصورة الفوتوغرافية المنقولة على القماش والتدخل التشكيلي المباشر، فتتجاور الصورة الرمادية الباهتة مع انفجارات لونية دافئة تستعيد نبض الطبيعة وحيويتها. اقرأ المزيد الرسامة ليلى داغر تنسج مدينة من ورق وخيطان الرسامة تغريد درغوث تطرح أسئلة الانتماء والاغتراب تنحاز حداد إلى استعادة الحياة داخل المادة نفسها. ومن خلال هذا التوتر بين الصورة والمادة، وبين التوثيق الفوتوغرافي والانفعال اللوني، تتحول لوحاتها إلى فضاءات غامرة تستدعي إحساس السير في قلب الغابة. هناك، لا تبدو الطبيعة مجرد مشهد خارجي، بل كياناً يتنفس ويتألم ويقاوم، فيما يصبح الفن محاولة لإعادة بناء العلاقة المفقودة بين الإنسان والأرض. تستكشف تمارا حداد الحدود بين الصورة والذاكرة والطبيعة، عبر حوار بصري بين الفوتوغرافيا والرسم، فتظهر صورة الأشجار في الخلفية كأشباح رمادية، كأنها تنتمي إلى زمن ماض أو إلى ذاكرة بعيدة. وتحمل هذه المساحات الضبابية طابعاً شاعرياً حزيناً يوحي بالغياب والصمت. لكن الحياة تتقدم الى الواجهة بقوة، عبر أشجار مرسومة بألوان دافئة ونابضة، تتوهج فيها الأوراق الصفراء والبرتقالية بكثافة لونية وملمس نافر يبرز على سطح اللوحة. هنا تتحول المادة إلى تعبير عن الحيوية والمقاومة، كأن الطبيعة تصر على الظهور رغم كل ما يهددها. في مفارقة بصرية، تضع الفنانة عالم الصورة الباردة والمظلمة في مواجهة عالم اللون الحي المتدفق، لتطرح سؤالاً عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة والذاكرة والفقد، والأمل الذي يستمر في التجدد على رغم الخراب. وبين الأغصان المتشابكة، والضوء المتسلل عبر الأوراق، والسطوح المشبعة بالمادة، تطرح الفنانة سؤالاً هادئاً لكنه ملحّ: كيف يمكن للفن أن يعيد لنا قدرتنا على رؤية الطبيعة، في عالم يزداد ابتعاداً منها واختناقاً بفقدانها؟ المزيد عن: رسامة لبنانية الأشجار الأب الفقدان الغابة قصائد بصرية اللون السماء الارض 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post المقاوم الفرنسي جان مولان يواجه السجان النازي في كان next post هدنة على الورق… وحرب ترسم بالنار في لبنان You may also like المقاوم الفرنسي جان مولان يواجه السجان النازي في... 20 مايو، 2026 وجع أكبر من الحجر… مثقفو جنوب لبنان ينعون... 20 مايو، 2026 شابلن ولوبيتش وحدهما واجها النازية الهوليوودية 20 مايو، 2026 “بلاغة الاستمالة” يعيد تفكيك خطاب طه حسين النقدي 19 مايو، 2026 بطلا جيمس غراي يفقدان الحلم الأميركي في مهرجان... 19 مايو، 2026 إيرفنغ يطلق أدب الرعب في العالم الجديد 18 مايو، 2026 الطفولة عندما تعاني الاستلاب الوجداني في مهرجان كان 17 مايو، 2026 مواء القطط يشارك في صنع تاريخ إيران في... 17 مايو، 2026 الفلسفة أيضا جرفتها رياح الرقمنة والذكاء الاصطناعي 17 مايو، 2026 برنارد شو في المسرح “مسل ومزعج” 17 مايو، 2026