ما يجري ليس تفاوضاً هادئاً بين دولتين، بل تفاوض تحت النار، إذ تحاول إسرائيل تحويل كل متر تتقدم إليه لورقة في يدها، وكل قرية مدمرة إلى شرط، وكل ضربة لرسالة سياسية (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي) عرب وعالم هدنة على الورق… وحرب ترسم بالنار في لبنان by admin 20 مايو، 2026 written by admin 20 مايو، 2026 11 لا تتعامل تل أبيب مع التفاوض بوصفه بديلاً عن الحرب بل كامتداد لها اندبندنت عربية/ سوسن مهنا صحافية @SawsanaMehanna لم تصمد هدنة الـ45 يوماً، التي أعلنت عنها وزارة الخارجية الأميركية، نهار الجمعة الماضي، لساعات قليلة حتى، فكان الميدان وصوت القصف المتبادل مسموعاً أكثر. وكانت الخارجية الأميركية أعلنت أن إسرائيل ولبنان اتفقا على تمديد وقف إطلاق النار عقب مباحثات وصفتها بـ”المثمرة للغاية” بعد محادثات استمرت في واشنطن على مدى يومين الأسبوع الماضي. وكان المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت أعلن أن المسار السياسي للمفاوضات سيستأنف في الثاني والثالث من شهر يونيو (حزيران) المقبل، وسينطلق مسار أمني في وزارة الدفاع، في الـ29 من مايو (أيار) الجاري، بمشاركة وفود عسكرية من الجانبين. بيان نشرته الرئاسة اللبنانية، أشار بدوره إلى أن “تمديد وقف إطلاق النار وإطلاق مسار أمني برعاية أميركية يوفران هامشاً ضرورياً من الاستقرار لشعبنا، ويعززان مؤسسات الدولة، ويفتحان مساراً سياسياً نحو تهدئة واستقرار دائمين”. “هدنة” أو تمديد للأعمال القتالية؟ ولكن وعلى رغم تمديد الهدنة، واصلت إسرائيل اعتداءاتها الجوية والمدفعية على الجنوب والبقاع، في مقابل استمرار الحزب بإطلاق مسيرات باتجاه إسرائيل وقوات إسرائيلية في أرض الجنوب. وفي جديد التطورات الميدانية استهدفت تل أبيب بصاروخ موجه شقة تقطنها عائلة فلسطينية عند المدخل الجنوبي لمدينة بعلبك، قتل على أثرها سبعة أشخاص بينهم القيادي في حركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية وائل عبدالحليم وابنته، كذلك أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية عن سلسلة غارات على قرى في جنوب لبنان، وضربتين استهدفتا بلدة سحمر في منطقة البقاع (شرق). وقتل خمسة أشخاص في الأقل في الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان الأحد (أمس) وفق وزارة الصحة. بدوره أعلن “حزب الله” أنه قصف بالصواريخ تجمعاً لآليات إسرائيلية في محيط بلدة حداثة جنوب لبنان، وأعلن تفجير عبوات ناسفة بجرافة إسرائيلية كانت تحاول التقدم من بلدة رشاف إلى حداثة. وقال الحزب أيضاً إنه استهدف بمسيّرتين مقراً قيادياً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة جنوب لبنان، وهاجم بصاروخ موجه دبابة ميركافا كانت موجودة في البلدة نفسها، كذلك أعلن عن استهداف ثكنة يعرا في الجليل الغربي قرب الحدود اللبنانية بسرب من المسيّرات الانقضاضية. سيدة تقطع جسراً أقيم بشكل موقت أقامته بلدية قرية بدياس على نهر الليطاني، 18 أبريل (أ ف ب) بنيامين نتنياهو: “نُطهر مناطق” على صعيد المواقف، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن تشكيل فريق جديد لمواجهة مسيرات “حزب الله”، مبيناً أن الجيش كان يعمل على تخفيف تهديد الطائرات من دون طيار على مدى الأعوام الستة الماضية. وخلال اجتماع حكومته قال “بناءً على طلبي، قام الجيش الإسرائيلي بتركيب مظلات (canopies) على الدبابات، وكان ذلك إجراء واحداً من بين كثير من الإجراءات”، وتابع “نقوم بكثير هناك (في جنوب لبنان)، ونسيطر على مناطق، ونُطهر مناطق”. مفاوضات منع الانفجار الكامل وعليه، تتقدم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن ببطء شديد، تحت رعاية أميركية تحاول منع انفجار الجبهة بالكامل، لا إنهاء الحرب فعلياً. ويدور الحديث حول تمديد الهدن، وعن الترتيبات الأمنية، وتوسيع دور الدولة اللبنانية جنوباً، وآليات تمنع عودة المواجهة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، لكن خلف اللغة الدبلوماسية الهادئة، ثمة حقيقة واضحة، أن إسرائيل لا تتفاوض من موقع الباحث عن تسوية، بل من موقع القوة التي تريد تثبيت نتائج الميدان سياسياً. ولهذا السبب تحديداً تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى غطاء تفاوضي منها إلى وقف نار حقيقي، لأنه أصبح واضحاً أن إسرائيل لن تلتزم أي هدنة ساعة واحدة، إذا رأت أن هناك هدفاً أمنياً أو فرصة ميدانية أو محاولة من “حزب الله” لإعادة التموضع. وهي تتعامل مع الهدنة كإطار مرن يسمح لها بمواصلة الضغط العسكري بالتوازي مع التفاوض، لا كاتفاق يقيد حركتها، لذلك، كلما جلس المفاوضون في واشنطن للحديث عن التهدئة، تتكثف الغارات الإسرائيلية فارضةً على الأرض واقعاً مختلفاً تماماً. مطالب لبنانية وشروط إسرائيلية أصبح المسار واضحاً، إذ إن للبنان مطالب خلف الجلوس على طاولة المفاوضات، في حين أن لإسرائيل شروطاً تريد فرضها على تلك الطاولة، من هنا تتسع الفجوة بين الفريقين شيئاً فشيئاً. ويطالب لبنان بوقف الأعمال العدائية، والانسحاب، وتثبيت السيادة، وإعادة القرار الأمني إلى الدولة، لكن تل أبيب لا تتعامل مع التفاوض بوصفه بديلاً عن الحرب، بل كامتداد لها، لذلك لم تتوقف الضربات، ولم يتوقف الضغط الميداني، ولم يتحول وقف النار إلى وقف فعلي للعمليات، حتى وكأن تمديد الهدنة 45 يوماً جاء كإطار سياسي يسمح باستمرار التفاوض، لا كضمانة لوقف الأعمال القتالية على الأرض. وتكمن الأزمة الحقيقية أن الطاولة تبحث عن صيغة سياسية، فيما الميدان يواصل إنتاج وقائع عسكرية، ويريد لبنان أن ينتزع وقفاً شاملاً للنار قبل الذهاب بعيداً في أي مسار تفاوضي، بينما تطرح إسرائيل المسألة من زاوية مختلفة تماماً، أي نزع سلاح “حزب الله”، ومنع أي تهديد مستقبلي، وتثبيت معادلة أمنية جديدة جنوباً، وبمعنى أوضح، لبنان يفاوض على وقف الحرب، وإسرائيل تفاوض على نتائج الحرب. اقرأ المزيد التحرير اللبناني الممنوع أكثر من 3 آلاف قتيل في لبنان منذ تجدد الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” الجولة الثالثة من مفاوضات لبنان وإسرائيل… هدنة غير ثابتة “حزب الله” يحذر أما “حزب الله” فيقف خارج الطاولة لكنه حاضر في كل بند عليها، وهو يرفض المفاوضات المباشرة، ويهاجم الدولة لأنها ذهبت إليها، ثم يقول إن سلاحه شأن داخلي، لكنه عملياً هو الذي أوصل لبنان إلى هذه الطاولة بعدما جعل الجنوب ساحة مفتوحة لحروب الإسناد من غزة إلى طهران، وربط القرار اللبناني بمسارات إقليمية، وبنتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وكلها مسارات لا يملك لبنان القدرة على التحكم بها. وكان الحزب دعا الحزب السلطة اللبنانية إلى “عدم الذهاب بعيداً في خيارات منحرفة مع العدو”، محذراً من تداعيات ذلك على الاستقرار اللبناني “دولة ومجتمعاً”، كما دعاها إلى وقف ما وصفه بـ”مسلسل التنازل المجاني” و”سيناريو التفريط بالحقوق وبكرامة الوطن”. وكان الحزب قد أشار في بيان في الذكرى الـ43 لاتفاق الـ17 من مايو 1983، إلى ما اعتبره “المسار التنازلي” منذ اتفاق وقف إطلاق النار في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وتساءل عما حققه هذا النهج للبنان. وعن قبول مشاركة مدني في “الميكانيزم، (لجنة مراقبة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل)، ثم الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، وقال “ماذا جنى لبنان وشعبه من هذا المسار سوى مزيد من الضغوط والتنازلات والعدوان والدمار؟”، معتبراً أن هذه الذكرى تأتي في ظل “ظروف وأوضاع لبنانية – إقليمية بالغة الخطورة”، بفعل ما وصفه بـ”العدوان الأميركي – الإسرائيلي المتصاعد” على المنطقة ولبنان، وقال الحزب إن الحديث عن اتفاق سلام “كامل وشامل” بين السلطة اللبنانية وإسرائيل يشكل محاولة لـ”إعادة إنتاج ما يتجاوز اتفاق 17 أيار خطراً وانحرافاً”. إسرائيل تستثمر الانقسام اللبناني هنا تكمن المفارقة الأخطر، فالحزب لا يريد للدولة أن تفاوض من موقعها، ولا يريد أن يسلّمها قرار الحرب والسلم، ولا يريد أن يعترف بأن سلاحه صار مادة تفاوض دولي، لكنه في الوقت نفسه يريد تحميل الدولة مسؤولية نتائج حرب لم تقررها هي، وهو بهذا يتحول إلى قوة أمر واقع تصادر قرار الدولة ثم تتهمها بالتنازل حين تحاول تقليل الخسائر. في المقابل، إسرائيل تستثمر هذا الانقسام إلى أقصى حد، وما دامت الدولة لا تملك وحدها قرار نزع السلاح، تستطيع إسرائيل أن تقول إن أية ضمانة لبنانية غير كافية، وما دام “حزب الله” يرفض حصر السلاح بيد الدولة، تستطيع إسرائيل أن تواصل الضربات تحت عنوان “منع التهديد”، وهكذا يتحول ضعف السيادة اللبنانية إلى ذريعة إسرائيلية جاهزة للبقاء والتوسع والضغط. والأخطر أن إسرائيل لا تتصرف كمن ينتظر نتيجة المفاوضات، بل كمن يرسم حدود التفاوض بالنار، فعملياتها في الجنوب، والحديث عن سيطرتها على نهر الليطاني، والإخلاءات، وأوامر طرد السكان والضربات، كلها تقول إن الميدان هو الذي يسبق الطاولة. وكان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قد صرح، خلال مارس (آذار) الماضي، أن “نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بيننا وبين لبنان، ومثلما نسيطر على 55 في المئة من غزة علينا أن نفعل ذلك في لبنان”. في حين كشف وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير عن وجود خطط إسرائيلية للاستيطان في لبنان، إلى جانب مساعٍ لتشجيع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية. يعمل الجيش الإسرائيلي على الأرض كأنه يسابق أي اتفاق محتمل (ا ف ب) تفاوت كبير بين الميدان والمفاوضات عند هذه النقطة، يبدو أن ما يجري ليس تفاوضاً هادئاً بين دولتين، بل تفاوض تحت النار، إذ تحاول إسرائيل تحويل كل متر تتقدم إليه لورقة في يدها، وكل قرية مدمرة إلى شرط، وكل ضربة لرسالة سياسية. هنا لا بد من طرح سؤال جوهري، هل يمكن فصل المسار التفاوضي عن الميدان؟ وما الحدود التي يمكن أن يذهب إليها لبنان الرسمي تحت نار الضربات الإسرائيلية؟ الجواب بكل بساطة أنه لا يمكن فصل المسارين، إذ تصاغ في واشنطن العبارات الدبلوماسية والبيانات “التفاؤلية”، في حين تصاغ في الجنوب الوقائع على الأرض. وبينما تتحدث الوفود عن ترتيبات أمنية، يعمل الجيش الإسرائيلي على الأرض كأنه يسابق أي اتفاق محتمل. وبدوره “حزب الله”، بدل أن يمنح الدولة فرصة استعادة القرار، يحاول إبقاء المفاوضات رهينة لسلاحه ولمعادلاته ولحسابات طهران. تبدو الدولة اللبنانية اليوم أمام هامش ضيق ومعقد في آن، فهي قد تستطيع الذهاب بعيداً في التفاوض حول تثبيت وقف النار، وتوسيع انتشار الجيش، وتعزيز حضور المؤسسات الرسمية جنوباً، وتستطيع تقديم نفسها كشريك دولي قادر على إدارة الحدود ومنع الانهيار الكامل، لكنها في المقابل تصطدم بمحاذير داخلية وإقليمية شديدة الحساسية. أول هذه المحاذير هو الاصطدام المباشر بـ”حزب الله” في ملف السلاح، لأن الدولة تدرك أن أية محاولة لفرض وقائع بالقوة قد تدفع البلاد إلى انفجار داخلي لا قدرة لها على تحمّله. أما المحذور الثاني، فهو الذهاب إلى تنازلات سياسية أو أمنية كبيرة تحت ضغط الحرب، بما قد يُفسر داخلياً كاستسلام أو قبول بشروط إسرائيلية مفروضة بالنار، كذلك تخشى الدولة أن تتحول إلى مجرد أداة لتنفيذ أجندات خارجية، فيما هي لا تزال عاجزة عن امتلاك قرار الحرب والسلم بالكامل. لهذا تحاول السلطة اللبنانية السير فوق خط شديد الدقة، عبر إقناع الأميركيين والإسرائيليين بأنها قادرة على أداء دور أمني وسيادي أكبر، من دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة مع الحزب، ومن دون الظهور كأنها تفاوض على حساب جزء من اللبنانيين، لكن المشكلة أن الوقت يضيق، وإسرائيل تتقدم ميدانياً بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الدولة على إنتاج تسوية داخلية حقيقية. واشنطن تفاوض على ورق من هنا يبدو أن المفاوضات في وادٍ، والميدان في وادٍ آخر، ذلك أن بيروت تريد انسحاباً ووقفاً شاملاً للنار، أما تل أبيب فتريد جنوباً منزوع التهديد، ودولة لبنانية تتحمل وحدها مسؤولية ضبط الأرض والسلاح. وبين الطرحين، يقف “حزب الله” في موقع المعرقل والسبب في آن، فهو يرفض التفاوض المباشر، ويهاجم الدولة لأنها تفاوض، لكنه في الوقت نفسه يمنح إسرائيل الذريعة الكاملة للاستمرار في العمليات بحجة أن قرار الحرب لا يزال خارج يد الدولة اللبنانية. لهذا، تبدو واشنطن وكأنها تفاوض على الورق، فيما الجنوب اللبناني يعيش مفاوضات من نوع آخر بالكامل، مفاوضات بالنار، وبالإخلاءات، وبالتوغلات، وبمحاولة إسرائيل فرض خطوط أمنية جديدة قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي. في المحصلة، أي مفاوضات لا تنطلق من وقف فعلي للاعتداءات والعمليات العسكرية من قبل الطرفين المتقاتلين، إسرائيل والحزب، ومن قرار واضح بحصر الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها، ستبقى مجرد مسار سياسي هش يسير فوق أرض مشتعلة، ويمكن أن ينهار مع أول عملية تتجاوز القواعد الأمنية الحالية، أو حسابات إقليمية تتجاوز حدود لبنان. المزيد عن: المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية جنوب لبنان حزب الله إسناد غزة الغارات الإسرائيلية وزارة الخارجية الأميركية متابعة المقالة على الموقع الاصلي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “إلى أبي” معرض يجمع بين موت الغابة والفقدان الشخصي next post هل تعتمد سوريا “الكردية” لغة رسمية في البلاد؟ You may also like عسكرة الشوارع… أكشاك لتدريب الإيرانيين على السلاح 20 مايو، 2026 قائد سابق للحرس الثوري بعد صمت: شروط إيران... 20 مايو، 2026 ترمب: سننهي الحرب بسرعة ولا يمكن لإيران امتلاك... 20 مايو، 2026 البند 17: تطويق “حماس” وفرض واقع جديد في... 20 مايو، 2026 كواليس أزمة “القوات المجهولة” في صحراء العراق 20 مايو، 2026 نقاط حاسمة تتحكم بمصير الهدنة في لبنان 20 مايو، 2026 هل تعتمد سوريا “الكردية” لغة رسمية في البلاد؟ 20 مايو، 2026 طفل اختبأ في خزانة خلال الهجوم على مسجد... 19 مايو، 2026 الإمارات وخط النفط الجديد.. بديل حقيقي لمضيق هرمز؟ 19 مايو، 2026 أكثر من 3 آلاف قتيل في لبنان منذ... 18 مايو، 2026