لوحة هوراس فيرنيه (غيتي) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الفرنسي فيرنيه يستكمل “مدرسة أثينا” الفلسفية… معماريا by admin 24 يوليو، 2026 written by admin 24 يوليو، 2026 24 مهندسون بدلاً من الفلاسفة ورافائيل وآنجلو ماثلان في حضرة بابا روما اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب هناك لوحة تشكيلية تعود إلى القرن الثامن عشر الفرنسي وتحمل توقيع الرسام التشكيلي الذي كان يهتم بخاصة برسم المشاهد التاريخية، هوراس فيرنيه، تشي ما إن يتفرج عليها المرء بأن راسمها إنما واتته فكرتها وربما تفاصيلها كذلك مستوحياً لوحة الفنان النهضوي الكبير رافائيل، “مدرسة أثينا” التي تعتبر ومنذ القرن الخامس عشر، وأوج العصر النهضوي، أشهر لوحة في التاريخ جعلت الفلسفة وتاريخها موضوعاً لها. صحيح أن لوحة فيرنيه لا تمت إلى الفلسفة بصلة، وليس لها الحجم الجداري الضخم الذي للوحة رافائيل؛ لكن الكثير من عناصرها يذكر برافائيل مشيراً إلى أنه لولا لوحة هذا الأخير الاستثنائية، لما أقدم الفرنسي بعده بمئات الأعوام على تحقيق لوحته التي يمكننا أن نلاحظ أنها لم تحظ ولو بنسبة مئوية بسيطة من الشهرة ولا المكانة اللتين حظيت بهما لوحة – أو جدارية – رافائيل. واللوحة الفرنسية التي نتحدث عنها هنا، تكاد تكون مع ذلك رافائيلية تماماً بل إن رافائيل حاضر فيها بشكل غير متوقع، وعلى أكثر من صعيد كما سوف نرى. و”اللوحة” كما حال لوحة رافائيل جدارية بشكل أو بآخر، بمعنى أن تسميتها لوحة هنا لا يستقيم تماماً كما الحال مع تحفة رافائيل. فهي في النهاية عبارة عن رسمة كبيرة تشغل سقفاً بأكمله من إحدى القاعات الرئيسية في متحف اللوفر، تماماً كما أن “مدرسة أثينا” تشغل بدورها جداراً كاملاً في واحد من المباني الرئيسية في الفاتيكان. ومن هنا بالتحديد تبدأ تلك العلاقة التي تقارب بين العملين الكبيرين بل تجعل من جدارية فيرنيه نوعاً من الاستطراد لجدارية سلفه الكبير. أما العنصر الثاني المشترك في العملين فهو أن كلاً منهما يتناول اجتماعاً إبداعياً، يكاد يكون أنطولوجياً، لكنه لم يقم أبداً وإنما كان من خيالات الفنان الذي صوره. بين الفكر والفن ولكن، إذا كان موضوع الاجتماع في جدارية رافائيل الفلسفة وتاريخها وأقطابها منذ بدايات الفكر الإغريقي العقلاني، فإن موضوع لوحة فيرنيه، الفنون العمرانية وأساطينها وبخاصة في عصر النهضة أي عصر رافائيل بالتحديد. أما إذا كانت نقطة المركز في لوحة رافائيل تتمحور من حول الفيلسوفين المعلمين الكبيرين أفلاطون وأرسطو، فإن تلك النقطة تتمحور في جدارية فيرنيه من حول البابا جوليوس الثاني منسوخاً، على أية حال، من ذلك البورتريه الشهير الذي رسمه له رافائيل عند بدايات القرن الميلادي السادس عشر. وهو عنصر إضافي من عناصر “وحدة الحال” بين الجداريتين، وعنصر يشي تأكيداً بالتكامل بين العملين الفنيين الكبيرين. ويقيناً على أية حال، أن هوراس فيرنيه إنما كان هدفه منذ البداية حين صمم ورسم هذا السقف لقاعة متحف اللوفر، أن يعبر عن النتاج الفني الاستثنائي الذي كان البابا جوليوس الثاني راعيه ومموله. وهكذا إذ جعل من بورتريه رافائيل له مركز الثقل في وسط اللوحة جعل النهضوي الكبير الآخر مايكل آنجلو إلى يسار اللوحة، ويمكن التعرف إليه من خلال أنفه المكسور حتى وإن كان الرسام قد جعل له لحية لم تكن له في الواقع. واللافت أن رسم مايكل آنجلو بأنفه المكسور يشي بأنه كان لتوه قد انتهى من رسم سقف كنيسة سكستين بطلب من البابا نفسه. وإلى يسار البابا يقف المعماري الكبير برامانتي وهو يعرض للحبر الأعظم مخططات كنيسة القديس بطرس التي لم تكن قد بنيت بعد في الزمن الذي يفترضه فيرنيه لهذا الاجتماع. (وللعلم هنا أن اللوحة تذكرنا بأن مخططات بناء الكنيسة كانت من إنجاز برامانتي لا من إنجاز رافائيل الذي سوف يتولى فقط تنفيذ المشروع إثر موت المعماري الكبير). لوحة “مدرسة أثينا” لرافائيل (غيتي) رافائيل يستعد أما إلى يمين برامانتي فيقف رافائيل الذي كان لا يزال شاباً ويستعد لشرح مخططه لرسم واحدة من جدرانيات الفاتيكان كما تفيدنا اللوحة التي يضع يده عليها. وطبعاً سوف يقول المؤرخون إن ليس ثمة ما يؤكد أن هذا الاجتماع قد عقد حقاً، وهو ما ينطبق طبعاً على اجتماع الفلاسفة في جدارية رافائيل السابقة الذكر على أية حال. وعلى رغم أن لوحة فيرنيه تنتمي إلى القرن التاسع عشر فإنها تعود بالمتفرج إلى مطلع القرن السادس عشر حين كانت روما تتحول برعاية جوليوس الثاني إلى ورشة فنية وممارسة عملية كبيرة. ومن هنا تصبح المقارنة المشار إليها بينها وبين رائعة رافائيل مقارنة بين رؤيتين مختلفتين لعصر النهضة أكثر منها مقارنة بين موضوعين متشابهين. ففي “مدرسة أثينا” لا يرسم رافائيل حدثاً تاريخياً محدداً بل يبتكر فضاءً مثالياً يجمع كبار فلاسفة اليونان في لقاء لم يحدث أبداً. إنها لوحة تحتفي بالعقل والحوار والبحث عن الحقيقة، مع غياب تام للسلطة الدينية عن المشهد، لتحليل سلطة الفكر. أما في لوحة هوراس فيرنيه فينطلق المشهد من منطلق مختلف تماماً. فالمركز ليس الفيلسوف بل البابا، والنقاش ليس نظرياً بل تنفيذياً. هنا يتحول الفن والعمارة إلى أدوات في مشروع سياسي وديني كبير. المعماريون لا يتشاورون هنا في ما بينهم بل يعرضون تصاميمهم على صاحب السلطة الذي يملك حق الاختيار. ومن ثم فاللوحة تقدم قراءة لعصر النهضة من زاوية المؤسسة راعية الفنون لا من زاوية نظرة المبدعين وحدهم. اقرأ المزيد عن التشابه والتنافر بين أفلاطون وأرسطو في لوحة “رافائيل” مكتبة لورانزو: تحفة مايكل آنجلو في رمقه الأخير دور العمارة الجوهري ومع ذلك ثمة صلة عميقة لا يمكن إلا التنبه إليها بين العملين. ففي الحالتين تحتل العمارة مكاناً جوهرياً لكنها تؤدي وظيفتين مختلفتين. ففي “مدرسة اثينا” تشكل العمارة إطاراً رمزياً للفكرة: هي فضاء منسجم قائم على النسب الرياضية يعكس النظام العقلي الذي تقوم عليه الفلسفة الكلاسيكية، أما عند فيرنيه فالعمارة تنحو إلى أن تكون موضوع الحدث نفسه، إذ تتحول الرسوم والمخططات إلى دليل على أن النهضة لم تكن مجرد أفكار بل كانت كذلك مشروعات بناء غيرت روما. وإلى ذلك تكشف المقارنة اختلافات في النظرة التاريخية. فرافائيل رسم عصره من داخله هو الذي كان أحد صناع تلك النهضة ويعبر عن ثقتها بنفسها وعن إيمان مطلق بحتمية إحياء التراث الإغريقي والروماني. لذلك تبدو شخصياته، بحسب دارسيه على الأقل، وكأنها تعيش الحاضر بثقة تامة، أما فيرنيه ابن القرن التاسع عشر فينظر إلى النهضة بوصفها عصراً ذهبياً مكتمل الملامح. إنه يرسمها بعين المؤرخ الرومانسي الذي يعرف نتائج ذلك العصر… بل يحتفي به باعتباره لحظة تأسيس للحضارة الأوروبية. وفي النهاية يمكن القول بإيجاز إن كلاً من اللوحتين تكمل الأخرى. فإذا كانت “مدرسة أثينا” تقدم البعد الفكري للنهضة، فإن لوحة هوراس فيرنيه تقدم وجهها المؤسسي والسياسي، إذ يلتقي الفن بالسياسة ويصبح البابا الراعي الأكبر للمشروع الحضاري. المزيد عن: الرسام هوراس فيرنيه الرسام النهضوي رافائيل لوحة مدرسة أثينا العصر النهضوي الفاتيكان الفنون العمرانية مايكل آنجلو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: جماليات الفراغ… مساحة رمادية بين التكنولوجيا والحدس next post دنيز رحمة فخري في “اندبندنت عربية”: عندما يتحدث عون وترمب عن بري.. تبرئة أم حصار؟ You may also like هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: “العصر الذهبي” يدرج الممثلين... 24 يوليو، 2026 مأزق السيناريو في السينما العربية 24 يوليو، 2026 بحثاً عن حضور اللغة العربية في الآداب الأفريقية... 24 يوليو، 2026 مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: جماليات الفراغ… مساحة... 24 يوليو، 2026 ويليام فولمان يكتب “الإنجيل المضاد” للحروب الأميركية 22 يوليو، 2026 صدمة الفقد والحداد في فيلم “ولنا في الخيال…... 22 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “عصفور النار” يطلق... 22 يوليو، 2026 صيف الرواية العربية بين متعة وواقع مضطرب 22 يوليو، 2026 ندى حطيط في “الشرق الاوسط”: تاريخ بريطاني طويل... 22 يوليو، 2026 قادة الفكر يسبقون قادة السياسة وليس العكس 22 يوليو، 2026