الثلاثاء, يوليو 21, 2026
الثلاثاء, يوليو 21, 2026
Home » إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: استنطاق مجهولي لوحة النهضوي جورجيوني الأشهر

إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: استنطاق مجهولي لوحة النهضوي جورجيوني الأشهر

by admin

 

هل كان ثمة مسلم بين “الفلاسفة الثلاثة” الذين يزدادون غموضاً يوماً بعد يوم؟

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

لم يعش الرسام النهضوي الإيطالي جورجيوني سوى 33 سنة لينتهي في عمر الشباب كواحد من ضحايا الطاعون الذي فتك بأوروبا، بخاصة بإيطاليا في زمنه. ولسنا ندري ما الذي كان سينتهي به أمره كفنان لو أنه عاش أكثر؟ وهل كان من شأنه أن يوضح لو عاش كثيراً من الألغاز المتعلقة بحياته وفنه؟

الحقيقة أن جورجيوني، ومن بين الفنانين النهضويين المزامنين له، خلّف من التساؤلات وأنواع الغموض برحيله المؤسي والمبكر، أكثر كثيراً مما خلّف من لوحات. وحتى العدد القليل من هذه التي يمكننا اليوم أن نكون على يقين مطلق من أنها من إنتاجه، يمكن أن تحيط به الشكوك بحيث إن عدد لوحاته الباقية حتى زماننا والتي نبدو متأكدين من كونها من إنتاجه، يمكن أن تعد على أصابع اليد الواحدة.

جورجيوني في بورتريه ذاتي مفترض (غيتي)

 

من بين هذه اللوحات، على أية حال، تحفته المعنونة “الفلاسفة الثلاثة”. وحتى هذه لا تنجو، على رغم يقيننا من انتمائها إليه، من شكوك تتعلق بتاريخها والشخوص الذين تصورهم ثم، وهذا أهم من ذلك كله، بسرّ الموضوع الذي تتناوله.

لكن قبل التوجه إلى هذه الأسئلة، قد يكون من الأفضل التوقف عند تلك الحال التي تسمى في تاريخ الفن الإيطالي “حال جورجيوني” الذي تشير أغلب المصادر إلى أنه ولد في تريفيزي عام 1478 تقريباً ليموت في البندقية عام 1510، وهي المدينة التي سيرتبط بها تاريخه وفنه، كما ارتبطا برفيقه وزميله تيسيانو الذي يبدو في بعض الأحيان مشاركاً له في معظم ما رسم.

أسطورة حية

والحقيقة أن من نتحدث عنه هنا يبقى، وربما سيبقى لزمن طويل، أسطورة في عالم الفن النهضوي، وذلك من جراء أصوله الغامضة وموته المبكر وقلة عدد ما بقي لنا من تراثه، ولكن أيضاً روعة ذلك التراث.

بيد أن هذا البعد الأخير يمكن تفسيره غالباً من خلال تلمذة الفنان أساساً على جيوفاني بيليني الذي من طريقه، وبحسب ما يخبرنا جورجيو فازاري، تعلّم كيف يستوعب باكراً تأثيرات ليوناردو دا فينشي، ولكن أيضاً الألماني دورر الذي كان من عادته في تلك الأزمنة المرور بالبندقية بين الحين والآخر.

ومع ذلك لم ينتج جورجيوني أعماله الكبرى حقاً سوى خلال العشرية الأولى من القرن الـ 16، بخاصة حين انضم إليه رفيقه وتلميذه تيسيانو وحظيا معاً بتكليفات لأعمال تنفّذ لحساب الفنداكو ديل تديسكي، ومن هنا كان ذلك الخلط بين عمليهما خلطاً استغرق جلاء بعض غوامضه قروناً طويلة، وهو بالتحديد الخلط الذي نأت عنه “الفلاسفة الثلاثة” التي لن تبدأ في الظهور على أية حال إلا عام 1525 وتحديداً في كتابات واحد من مؤرخي الفنون النهضوية، تاديو كونتاريني، الذي كان هو كما يبدو من أعطاها عنوانها، إذ وصفها بأنها لوحة كبيرة الحجم تصور ثلاثة فلاسفة متجمعين في ركن من برية على أرض صخرية، اثنان منهما واقفان والثالث جالس، ويبدو عليهم أنهم يترقبون شيئاً ما. ولكن مَن هم؟ ولماذا هم هنا؟ وما الذي ينتظرونه؟ لا جواب.

من هنا سوف ينشغل مؤرخو الفن طوال الحقبة التالية بالبحث عن جذور تفسّر اجتماعهم ذلك، وكون الرسام قد انصرف إلى تصويرهم في لوحة يبلغ عرضها أكثر من 144 سنتيمتراً، وارتفاعها أقل من 129 سنتيمتراً، وتحتل اليوم مكاناً أثيراً في متحف تاريخ الفن في العاصمة النمساوية فيينا.

مجوس أم مفكرون؟ طبعاً ليس ثمة هنا من مكان يتسع للتمعن في التاريخ الحقيقي الذي عاشته هذه اللوحة، وكذلك لم يترك الرسام نفسه أية وثائق تنم حتى عما كان يريد أن يعنون لوحته به، ونعرف على أية حال أن ثمة مجلدات ومئات الدراسات التي حاولت ذلك.

تاريخ الفن

لكن في مقدورنا، على الأقل، أن نعود إلى بدايات القرن الـ 19 حين استعاد تاريخ الفن اهتمامه باللوحة ليجد أمامه ركاماً من معلومات وتخمينات وفرضيات وما إلى ذلك، وكلها تحاول فك خفايا اللوحة ولكن، من دون أن يصل أي منها إلى يقين ما في هذا السياق. ولعل التخمينات الأكثر طرافة، وربما منطقية، هي تلك التي تفترض اهتماماً من الفنان أساساً ببعض أفكار الطوائف القديمة والتعبير عنها من خلال تراتبية اللوحة وشخوصها. ومن ذلك الطوائف الكلدانية القديمة التي يعبر جورجيوني هنا عن نظرتها إلى أنماط العرافين الثلاثة كما تستوعبهم مصادر الفكر النيو أفلاطوني، بل إن ثمة من حدد بالاسم هوية هؤلاء “الفلاسفة” جاعلاً منهم فلكيين من تلامذة كوبرنيكوس وهم إينييه وإيفاندري وبالاس، ومن جعلهم فلكيين ولكن من دون علاقة تربطهم بالعالم الشهير. من هنا راجت، فترة، فكرة تربط الثلاثة بعلوم الفلك الإسلامية كما روّج لها المدعو البتاني وبطليموس باعتبار الاثنين على الأقل ظاهرين في اللوحة.

اقرأ المزيد

في هذا السياق تساءلت طائفة ثالثة من المؤرخين: لما لا يكون جورجيوني قد رسم نفسه هنا إلى جانب زميليه الفنانين كارباتشيو وبيليني معبراً عن توق الثلاثة للالتحام بالطبيعة؟ فما كان من مجموعة أخرى من المؤرخين إلا أن تتساءل: فماذا إن لم يكن هؤلاء الثلاثة في حقيقة أمرهم أفلاطون وأرسطو والإسكندر المقدوني؟ لكن في مقابل هؤلاء جميعاً لن يكون غريباً أن تعلن مجموعة أن هؤلاء الثلاثة لا يمكن أن يكونوا سوى ملوك المجوس الثلاثة وقد تجمعوا في مكان يمكنهم من خلاله أن يتلقوا الإشارة بأن السيد المسيح قد ولد وبات عليهم التوجه الآن لتقديم آيات التبجيل له كما تقول الحكاية.

تاريخ اللوحة

آية فن خالص في نهاية الأمر تنوعت وتعددت، بل تناقضت إلى حدّ كبير كل تلك الفرضيات على رغم أن تاريخ اللوحة نفسه بقي متمسكاً بالعنوان الذي عرفت به منذ البداية. والتاريخ تمسك بالعنوان على رغم أن كثراً من ممارسيه، لا سيما في العقود الأولى من القرن الـ 20، بخاصة بعد ظهور دراسات غومبريتش وشاستيل وسيتيس وهم من كبار مؤرخي الفنون على مدى التاريخ والفن النهضوي بشكل عام، من الذين رأوا أن فرضية ملوك المجوس تبدو الأقرب إلى المنطق، بخاصة من خلال حالة الترقب التي تعيشها الشخصيات عبر ذلك القلق الذي يتلاقى مع التوقع الفلكي في بؤرة طبيعية شديدة الخصوصية، وهو قلق يليق، كما يقول غومبريتش على أية حال، بأولئك الملوك الفلكيين الجغرافيين الذين سيكونون أوائل من يتوجهون للترحيب بمجيء السيد المسيح.

أما بالنسبة إلى الفوارق الدامغة في السن بين ملوك يجدر بهم أن يكونوا متقاربين في العمر والمكانة، فلا بدّ من أن يعزى إلى محاولة الرسام أن يعبّر عن نوع من رمزية تعبيرية تلتقي مع واقعية المكان وتاريخية الحدث، وهي التي تبرر الإبقاء على عنوان اللوحة على رغم ابتعاده عن كونها تعبيراً عن اجتماع تقني لفلاسفة في مكان يعطي نقاشهم الفلسفي طابعاً مغالياً في التأمل.

وانطلاقاً من هنا، بات في الإمكان فهم هذه اللوحة فهماً فكرياً لا واقعياً، حتى وإن كان الرسام قد جعله مرتبطاً بواقعية تاريخية ما، على أكثر من صعيد ومجال. وفي الأحوال كافة تبقى هذه اللوحة، على رغم كل تلك التفسيرات والسجالات من أجمل اللوحات “الفكرية” التي خلّفها لنا عصر النهضة، بل خلّفها فنان من المؤسف أنه رحل عن عالمنا ليس فقط قبل أن يفسرها لنا، بل حتى قبل أن يثني عليها بأعمال له أخرى كان يمكن أن تفهم أكثر على ضوئها، تماماً كما الحال بالنسبة إلى لوحته الكبرى الأخرى “العاصفة” التي تحمل من التفسير ما تدين له للوحة التي نحن في صددها هنا.

المزيد عن: لوحة الفلاسفة الثلاثة جورجيوني تاريخ الفن الإيطالي جيوفاني بيليني جورجيو فازاري ليوناردو دا فينشي

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00