الثلاثاء, يوليو 14, 2026
الثلاثاء, يوليو 14, 2026
Home » أنطوان أبو زيد في “اندبندنت عربية”: أحمد بيضون المفكر المستشرف “في مهب النكبة اللبنانية”

أنطوان أبو زيد في “اندبندنت عربية”: أحمد بيضون المفكر المستشرف “في مهب النكبة اللبنانية”

by admin

 

جدارية لبنان التاريخية والسياسية والثقافية منذ إعلان الدولة حتى الحرب الأخيرة

اندبندنت عربية / أنطوان أبو زيد

يضم الكتاب بين دفتيه عديداً من المقالات والمطالعات النقدية، وبعضاً من موجزات الأبحاث في التاريخ والثقافة والسياسة والسوسيولوجيا وغيره. ومن الجدير ذكره أن الكاتب والباحث الأكاديمي والمدرس منذ مطلع السبعينيات في الجامعة اللبنانية أحمد بيضون، كان واحداً من نخبة مثقفة، شكلت ما سمي “لبنان الاشتراكي”، إلى جانب الكاتبين والأكاديميين وضاح شرارة وفواز طرابلسي. ولئن كان ابناً لنائب في البرلمان اللبناني (عبداللطيف بيضون، 1909-1984)، فإنه ارتضى أن ينخرط في صفوف الأحزاب المعارضة، ولما انسحب منها أوائل السبعينيات، آل على نفسه الانصراف إلى النظر في معضلات البلاد، وفي دواعي تخلفها، وانكماش أدوار الدولة الناظمة لشؤون المواطنين فيها، أسوة بالباحثيْن رفيقي الدرب شرارة وطرابلسي.

وهذا من منظار متعدد الميادين والاتجاهات، طلباً للحقيقة العلمية العارية، وخدمة للإصلاح، هذا المستبعد الأكبر من السلطات الحاكمة في لبنان، على مدى العهود الطوال، منذ الاستقلال إلى يومنا، وفق ما ورد في أحد أبواب الكتاب.

5 مداخل

كتاب أحمد بيضون “في مهب النكبة اللبنانية”، بدا من الفهرست أن مضامينه مقسمة إلى خمسة أبواب كبرى؛ في النظام (نظام لبنان)، وحركات وحروب وتليها قضايا ثم أعمال (بحثية) ووجوه، وأخيراً هوامش (مسارد، ورسائل). لكن المتبصر في كل من هذه الأبواب، بل في كل مقال منها، يدرك اتساع رؤية الباحث، وغوصه على أبعاد بحثه.

كتاب أحمد بيضون (دار رياض الريس)

وقدرته على استجلاء العوامل المؤثرة في المعضلة المطروحة، بلغة ناصعة وبليغة وعلى سمت أسلوب النهضويين الكبار وبراعة الأدباء المتمكنين من حرفتهم، والحريصين على التفاصيل الدقيقة، والتباينات في المواقف والآراء من مختلف الفرقاء أو الجماعات المؤثرة، في هذا الجانب أو ذاك من المشكلة أو المعضلة المطروحة للبحث.

علماً أن هذه الأبواب جميعاً، كان سبق للكاتب أن أفرد لها أبحاثاً، بل كتباً في مساره الأكاديمي الطويل. وبما ينسجم مع رؤيته السياسية، التقدمية في الأساس، والليبرالية على ما بلورته خبرته الحزبية الطويلة، ومعايشته مآسي شعبه المتتالية، ومكابدته الحروب المتناسلة شأن أي مواطن، وأي مثقف ملتزم فكرياً وعملياً بقضايا شعبه. المثقف الناظر عميقاً في هوية جماعاته، وفي دواعي تراجع الدولة عن أداء مهماتها، كما نصت عليه الدساتير الحديثة.

وينتهي، في أبحاثه السالفة، إلى خلاصات وإن تكن مقلقة، من مثل أن الدولة في لبنان ليست بدولة، والقانون ليس قانوناً، بالمعنى الحرفي للكلمة، أي بحضور الدولة الفعلي، وحكم القانون الفاصل في كل شيء، بسبب تدخل العامل الطائفي فيه. فإنها تلامس الواقع المرتاب منه، وتصفه من دون مواربة، ولا تحيز إلى الفرقاء المتنازعين في ما بينهم حول مغانم السلطة، من وراء قناع الطائفة.

الطائفية والنظام اللبناني

في الباب الأول من الكتاب، الذي جعله الكاتب تحت راية “نظام”، ليقينه بأن ما سوف يأتي من فصول إنما هي شواهد دامغة على نظام معتل، أو مشوب بمفسدة عظيمة، يتبين لنا، نحن القراء طبيعتها. وتبياناً لطبيعة النظام المشار إليه، يعرض الكاتب في أول مبحث له بعنوان “مائة عام من طائفية الدولة: أوج التفعيل أوج التعطيل”، لمعضلة لبنان التي آلت إلى تعطيل الحياة السياسية فيه.

المفكر احمد بيضون (دار الريس)

ومن أجل التمحيص في أصل الإشكال، الذي تحول تالياً إلى معضلة، مضى الباحث أحمد بيضون إلى استنطاق المحاضر والنصوص التي يُفترض أنها تنص، منذ بدء الجمهورية، على التوزيع الطائفي، المعطل للحياة السياسية وفقاً للمنظور العلمي، فتبين له أن “الميثاق” الذي اعتبره المتأخرون دستور البلاد، لم يكن مصوغاً في نصوص، وأن الرئاسات الأولى والثانية والثالثة، إبان الانتداب، وبعده بقليل، لم تكن محصورة بطوائف بعينها، بدليل تولي شارل دباس الأرثوذكسي رئاسة الجمهورية، وتولي الشيخ محمد الجسر رئاسة مجلس الشيوخ، ثم رئاسة مجلس النواب، خلفاً لماروني هو موسى نمور.

ومن الباب نفسه، نراه يطل على القراء ليكشف عن ترابط بين الفساد والطائفية، قلما سُلط الضوء عليه، باعتباره أحد عوامل النكبة التي أصابت اللبنانيين في الصميم، لدى انهيار العملة، وتبخر مدخرات فئات واسعة من المواطنين، وتهريب رؤوس الأموال إلى الخارج. ومفاد ذلك، أن الطائفية المتجددة، بفعل الحروب والمنازعات بين اللبنانيين، على مدى 25 عاماً (1975-2000)، قوضت فكرة الشأن العام والمال العام.

فقد تولت الفئات المتقاتلة، بعد اتفاق الطائف، سابقاً مفاصل الدولة، باعتبارها ملكاً خاصاً أو بمثابة غنيمة. وأجازت لنفسها التصرف بميزانياتها وميزانية المصرف المركزي على النحو الذي يروق لها، من دون أي حسيب ولا رقيب. ثم وصولاً إلى إفلاس القطاع المصرفي، وتدهور العملة المشار إليها سالفاً. وبناء عليه، تغدو الطائفية، لا الطوائف، في رأي بيضون، مصدراً للفساد المفضي بدوره إلى النكبة التي لا يزال اللبنانيون يعانون آثارها ولأجيال قادمة. ومن هذا القبيل أيضاً، يُفهم امتناع هذه السلطة ذات التكوين الطائفي، وعلى مدى عشرات من الأعوام، عن الإصلاح لكونه يحد من تقاسم “خيرات الدولة” ومواردها.

وهذا في ما سماه بيضون، المناهبة، أي اتفاق الشركاء في السلطة على نهب الأموال العامة من دون الخشية من المحاسبة. وبهذا المعنى تصير الطائفية عاملاً مقوضاً للدولة، باعتبارها “جهازاً يحتكر سلطة الضبط والإكراه، ويصون العدل ويوفر الأمان والاستقرار لجميع المواطنين، بغض النظر عن أي اعتبار أخلاقي أو ديني”.

جذوة الحرب وأفق لبنان

في الباب الثاني من الكتاب يعالج الباحث أحمد بيضون أهم تحول في الحياة السياسية اللبنانية، ما بين أوائل الستينيات من القرن الـ20 إلى العقد الثالث من القرن الـ21. يرى بيضون أن التنوع في انتماءات النواب في البرلمان اللبناني، بعدما كان ضامناً استمرارية الحكم وتداوله، بات مندثراً بفعل هيمنة الصوت الواحد داخل الطائفة الواحدة، وهيمنته على سائر الأفراد المنتمين إليها. وقد فاقم هذا الاستقطاب الطائفي، مدعوماً بالعصبية المتراكمة بسبب الحروب الأهلية والمنازعات الداخلية، إصدار قوانين انتخابية هي أقرب ما تكون قوانين للتمييز الطائفي (صنو العنصرية) منه إلى قوانين انتخاب “خارج القيد الطائفي” أو ضامنة للوحدة الوطنية. ولما صار قياد السياسة، على هذا النحو، في أيدي كتلة متراصة، عصبياً وطائفياً وعسكرياً، فقد بات من العسير تفعيل عمل الحكم، في لبنان، بسبب خضوعه لمثل هذه التحالفات الممسكة بالعجلة التنفيذية، بحجة كونها حائزة الإجماع داخل طائفتها.

ومن ثم حاصلة على ذريعة الثلث المعطل، في السلطة التنفيذية، وإلا احتسب إغفال رأيها مخالفة “لميثاق العيش المشترك”. وما هذا الطرف إلا الطائفة الشيعية التي يُحرم أفرادها، في ظل هذا الاستقطاب، أياً تكن توجهاتهم المختلفة عن التكتلات الحاكمة، من إبداء آرائهم أو المشاركة في مسيرة الحكم. وبالتالي، بات من المستحيل على ناظم الحكم والحكومة اللبنانية، الوقوع على بدائل (أفراد) عن آخرين من هذه الفئة المستحكمة، والمستفردة بالتمثيل، والحكم، والرأي، والانتفاع منها جميعاً.

في المقابل، يرى الباحث أن الطرفين الباقيين، أعني الطائفة السنية والدروز، والمسيحيين، يشكلان كتلاً منقسمة على نفسها، ولا عصبية ترص صفوف كل منها، سوى بعض الإرث السياسي، والثقل التقليدي في حاضنة شعبية محدودة. لكن هذا الانقسام، برأي الباحث بيضون، ليس دلالة على ارتفاع منسوب الديمقراطية لدى الطرف المسيحي، إنما هو دليل على “فقدان القدرة على الإجماع في الصراع الجاري في المحيط” (ص:131).

ترى ألا يكفينا هذا دليلاً على أن نظام لبنان الطائفي ميت، وينبغي دفنه، وأن المدخل الحقيقي، على ما يخلص إليه الباحث، للخلاص من حروب الطوائف ومذابحها، وفساد دويلاتها، هو الإصلاح، وأن أول الإصلاح الانتهاء من النظام الطائفي، وإلى الأبد.

قضايا ونقدات ثاقبة

تصعب الإحاطة الشاملة بكتاب أحمد بيضون، الغزير الإحالات، والكثير النقدات الثاقبة في كل شأن خطر له، من شؤون تكوين الرأي العام، إلى الكشف عن مواطن الفساد في الطائفية وغيرها. ثم إلى العصيان المدني وفشل اللبنانيين فيه، وإلى الحرب ومراحلها، والزواج المدني، والقانون الانتخابي. ثم لزوم تركيز علوم الإنسان والمجتمع على درس الطائفية، وتبيان صلات الطوائف بالدولة. فإلى عديد من مراجعات الكتب والأبحاث القيمة. ولكن لا ضير من الإضاءة اليسيرة على بعضها، بمقدار المتاح.

يرى الكاتب الباحث بيضون، من منظوره الواقعي والموضوعي، إلى الحرب الأخيرة التي طاولت بحممها لبنان وأهل الجنوب بصورة خاصة، بفعل الإسناد الأول والثاني. وهي الحرب التي لم تتوانَ إسرائيل عن الشروع فيها، تحقيقاً لعدوانيتها ومطامعها في آن. ويرى أن الأخيرة عازمة على استثمار حربها على لبنان، لضرب إيران أيضاً. وبالتالي، أخطأ من كان يفترض أن حرباً استباقية على إسرائيل، يمكن أن تحمي لبنان، وكيف به يحمي إيران؟

ولاحقاً، أمكن الباحث أن يدحض مقولة لطالما رددها أقطاب اليمين اللبناني، في اعتبارهم صيغة لبنان فريدة، على ما كان بيار الجميل يردد، وما كان ابنه بشير يضيق ذرعاً بها بتسميتها “مدموزيل فريدة”، بأن أكد أن غالب الدول في العالم، اليوم، متعددة في مكوناتها. وبالتالي فإن الشائع هو التعدد، وليست هذه الصفة حكراً على لبنان أو على سويسرا التي وإن تعددت الكانتونات فيها باعتبارها “مناطق جغرافية وليست جماعات قومية ولا لغوية” (ص:228)، فإن لأي مواطن سويسري الحق في الإقامة والعيش والتصويت حيث يحلو له من هذه الكانتونات.

ثم إن النظام المركزي في كل من هذه الدول هو الضامن لُحمة هذه المكونات، على أن يجدد انتماءها إلى الوطن قانون انتخابي واحد، لا تمييز فيه بين إطار جغرافي وآخر، أو بين مجموعة (طائفية أو عرقية أو لغوية) وأخرى. وإلا شابت القانون شبهة التمييز العنصري، وبطُلَت شرعيته من المنظار الحقوقي الإنساني.

الزواج المدني والاغتيال السياسي

ولا يفوت الباحث، في نقداته الثاقبة، أن يعرض لمظلمة الزواج المدني في لبنان، ونجاحه في النفاذ من بين شباك السلطات الدينية، على اختلافها. إذ يبين كيف أن المادة التاسعة من الدستور اللبناني، التي أضيفت إليه بعد 10 أعوام من صياغته (1936)، كانت قد اقترحت بنداً خاصاً بجماعات الحق العادي، أي اللاطائفي. إلا أن هذا الحق المبدئي الماثل في التشريع اللبناني، لم يستتبعه صوغ لقانون مدني ينظم أحوال أفراد هذه الجماعات. ولعل هذا الحائل (القانوني) هو ما برح يدفع المئات من آلاف اللبنانيين إلى الزواج مدنياً، في “مشارق الكوكب ومغاربه وتقرهم الدولة عليها وتعاملها المحاكم المدنية بموجبات القوانين المختلفة” (ص:202).

اقرأ المزيد

وهذا حاصل بين ظهراني السلطات الدينية التقليدية، ورغماً عن إرادتها وضيقها من رغبة عديد من اللبنانيين التحرر من أسر الطوائف. على أن القانون المدني للأحوال الشخصية الذي يشكل معبَراً للأجيال غير الطائفية، في اختيار الزواج المدني، ومجمل الحقوق المترتبة عليه، لا يزال في سلم أولويات النضال الذي تخوضه الجمعيات المدنية، العريقة منها والحديثة.

أما الاغتيال السياسي الذي يناقشه الباحث، فيعود فيه أول الأمر، إلى طبيعة الفعل (الاغتيال)، على أنه إجرام صريح في حق أفراد، وقد يطالهم الموت لسبب خلاف سياسي بين القاتل والقتيل. وقد يحصل الاغتيال على فرد، منتم إلى جماعة سياسية متشددة يميناً أو يساراً، أو من على دولة تعتمد الاغتيال عقاباً لمن تعدهم خونة، أو عملاء للعدو، أو غيرهم. وبالعودة إلى لبنان، يعرض الكاتب لضحايا الاغتيال، من عام 2004، ومحاولة اغتيال مروان حمادة، إلى اغتيال محمد شطح، واغتيال رفيق الحريري في فبراير (شباط) من عام 2005.

وما استتبعه من انسحاب القوات السورية من لبنان، واغتيال سمير قصير، وجورج حاوي، وصولاً إلى اغتيال لقمان سليم في الرابع من فبراير من عام 2021. وبغض النظر عن فاعلية الاغتيال في نصرة القضية المزعومة، أو استثمارها سياسياً، فإن فعلها الشنيع، على ما يصفه الكاتب، كفيل بتحقير المرتكب، والحض على محاسبته.

مراجعات ومواقف

في الكتاب أيضاً مقالات يراجع فيها الباحثُ أعمالاً بحثية جديرة بحسبانها مراجع علمية وذات صدقية عالية، وتعاود النظر في أسطورة “الميثاق” وحقيقته، والتدقيق في صواب شعار “وطني دائماً على حق”، واستذكار رجالات في العمل السياسي عبروا إلى دار الحق، من أمثال سمير فرنجية. ونقاش كتاب “أحزاب الله” لمؤلفه محمد علي مقلد، وإسلام المطران جورج خضر، وملتقى النهضة الروحية، ومسيحية بولس الخوري وإسلامه، وغيرها كثير.

ولا بد في ختام هذه المراجعة الالتفات إلى سرد حميم، طال كتمانه، لما جرى للكاتب، إبان الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، بينما كان في زيارة لبلدته بنت جبيل مع أفراد عائلته. وكيف أنه أسر مع ثلة من رفاقه، وتعرض معهم لإذلال على يد رجال لحد، والعسكر الإسرائيلي، قبل أن يفرج عنهم، ويعود أدراجه إلى بيروت، رغم كل الخراب فيها. وبالطبع، لن تفوت القارئ طلاوة السرد، ودقة الوصف، وحرارة المواقف الإنسانية، وحس التفاعل مع الشخص الراوي، وإن بعُد الزمن عن الحدث، ولم ينقضِ الألم منه.

المزيد عن: مفكر لبناني القضية اللبنانية التاريخ السياسة الثقافة الدولة الحرب المجتماع الطائفية الفساد

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00