لقطة من الفيلم (إدارة المهرجان) ثقافة و فنون محمد غندور في” اندبندنت عربية”: “عصافير الحرب”… قصة حب فوق ركام بلدين by admin 3 أغسطس، 2026 written by admin 3 أغسطس، 2026 13 وثائقي للمخرجين جناي بولس وعبدالقادر حبق يستند إلى أرشيف شخصي اندبندنت عربية / محمد غندور مدير المراسلين @ghandourmhamad في العتمة، لا نرى شيئاً سوى اهتزاز الشاشة وصوت نَفَس يتقطّع. تتوغّل كاميرا هاتف محمول في ممر جبلي عند الحدود السورية التركية، والصورة رديئة كأنها مسروقة من واقع لا يُحتمل تجميله. على الشاشة تظهر رسالة نصية مقتضبة، ثم أخرى، من صحافية قلقة في مكتبها بلندن إلى مصوّر يركض في الظلام بالجهة الأخرى من العالم. بهذا المشهد الخام، المسروق من الخوف نفسه، يفتتح الفيلم الوثائقي “عصافير الحرب” حكايته، ولم يكن هذا اختياراً بريئاً. أراد المخرجان جناي بولس وعبدالقادر حبق، منذ الدقيقة الأولى، أن يضعا المُشاهد في موقع من ينتظر رسالة طمأنينة من إنسان يعيش تحت القصف، لا في موقع من يشاهد فيلماً عن حرب بعيدة. العمل الذي عرض ضمن مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أوّل فيلم في دورته السابعة، تعود قصته إلى عام 2016، حين كانت الصحافية اللبنانية تعمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية من مكتبها في لندن، بينما كان عبدالقادر حبق، الشاب القادم من إدلب والمقيم آنذاك في حلب المحاصرة، ناشطاً ومصوّراً يوثّق ما يحدث لأهله بعدما مُنع الصحافيون الأجانب من دخول سوريا. طلبت بولس منه مادة مصوّرة، فاستجاب، وتكرر الطلب، وتكررت الاستجابة، إلى أن تحوّلت علاقة العمل الروتينية هذه، ببطء لا يخلو من غموض، إلى شيء آخر تماماً. هنا يكمن أحد أكثر جوانب الفيلم إثارة للتفكير، ذلك السؤال الذي يطارد كل صحافي عمل يوماً مع “مصدر” في منطقة نزاع: متى يتوقف الإنسان عن كونه مادة خبرية ويصبح شخصاً بمعنى الكلمة؟ يعالج الفيلم هذا السؤال من دون خطابية مباشرة، عبر تراكم تفاصيل صغيرة، رسالة صوتية هنا، سؤال شخصي هناك، حتى تدرك بولس، ومعها المُشاهد، أنها كانت تتعامل مع رجل يخاطر بحياته لتزويدها بلقطة، لا مع مورد أخبار. أرشيف يستند الفيلم بالكامل تقريباً إلى أرشيف شخصي هائل، رسائل نصية وتسجيلات صوتية ومكالمات فيديو متقطعة، لم تُصنع أي منها لتُشاهَد يوماً، بل عاشت أولاً كوسيلة بقاء عاطفي بين اثنين يفصل بينهما احتلال جوي ومسافة قارّية. “عصافير الحرب” يستخدم قصة الحب عدسة لرصد سؤال أعمق حول الانتماء. بولس مسيحية من بلدة جبيل الساحلية، حبق مسلم من إدلب، والفارق بينهما ليس جغرافياً فقط بل هو طائفي وسياسي، تتشابك فيه ذاكرة حروب لبنانية وسورية متقاطعة، إلى درجة أن بولس أخفت عن والديها، لفترة طويلة، حقيقة ارتباطها به. هذا التفصيل، الذي يُروى بحياء شديد ومن دون افتعال، يضع سؤالاً حاضراً في هذه المنطقة تحديداً: ماذا يعني أن يحب المرء من خارج طائفته؟ تنعطف الحكاية عام 2017، حين يظهر حبق في صورة انتشرت عالمياً وهو يحمل طفلاً مصاباً بعد استهداف قافلة نازحين من حلب. تلك اللحظة، التي وثّقتها كاميرته هو نفسه قبل أن يصبح موضوعها، حوّلته من ناقل للخبر إلى خبر بحد ذاته، وجعلته هدفاً مباشراً للنظام السوري. اضطر إلى الفرار عبر الحدود إلى تركيا بمساعدة مهربين، وهناك التقت به بولس، وتزوجا بعد أشهر قليلة، قبل أن يستقرا معاً في لندن. مخرجا العمل (إدارة المهرجان) النصف الأول من الفيلم هو الأكثر تماسكاً وإحكاماً. يوازن بين قسوة اللقطات الميدانية وحميمية الرسائل المتبادلة، بحرفية تُحسب لمخرجيه. الوحشية هنا لا تُستَغل لإثارة الصدمة، بل تُدمَج بهدوء ضمن نسيج علاقة تنمو رغم كل شيء. ضياع غير أن هذا التماسك ينهار فعلياً، لا مجازياً، في النصف الثاني، وهذا أحد إخفاقات الفيلم الأكثر وضوحاً، لا مجرد نقطة ضعف عابرة. بعد انتقال حبق إلى لندن، يتخلى صانعا الفيلم عن المنطق السردي الذي أسّساه بعناية طوال ساعة كاملة، ويستبدلانه بمحاولة يائسة لاستيعاب كل شيء دفعة واحدة. انتفاضة تشرين اللبنانية تندلع في 2019، وقبل أن يلتقط الفيلم أنفاسه تشتعل الحرب في غزة، فالحرب الإسرائيلية على لبنان، وسقوط نظام الأسد أواخر 2024، وفي غمرة ذلك كله يعود حبق إلى بلده وينتقل الزوجان من بيت إلى بيت في لندن، وكأنهما يبحثان عن أرض ثابتة لم تعد موجودة. النتيجة ارتباك بنيوي حقيقي، إذ تتحول العلاقة الثنائية التي كانت حتى تلك اللحظة عمود الفيلم الفقري إلى خط ثانوي تتقاطع معه عناوين إخبارية متلاحقة، فيفقد الفيلم صوته الخاص بالضبط حين يحتاج إليه أكثر، أي حين تتزاحم الأحداث الكبرى وتتطلب راوياً واثقاً لا مرتبكاً. المادة التي جمعها الثنائي كانت، بصراحة، كافية لفيلمين متكاملين، لا لفيلم واحد يحاول أن يكون كليهما معاً فيخسر وضوح كل منهما. ثمة ملاحظة أخرى يصعب تجاهلها، وهي الموسيقى التصويرية التي تميل أحياناً إلى المبالغة، وكأنها لا تثق بقدرة الصورة الخام وحدها على إيصال الأثر، فتضاعف الشحنة العاطفية في لحظات كانت الصورة كفيلة بحملها بمفردها. الأمر نفسه ينطبق جزئياً على المشهد الافتتاحي، فعلى رغم قوته الحسية، يقترب أحياناً من لغة الإثارة أكثر من لغة الشهادة الحميمة التي تقوم عليها بقية الفيلم. اقرأ المزيد “ملكة القطن”… حقل يبتلع حكاية السودان “ما وراء الإطار” شعار الدورة السابعة لمهرجان عمان السينمائي مهرجان عمان يسلط الضوء على السينما الفلسطينية يلاحظ المشاهد أيضاً أن بعض اللقطات التي تجمعهما في الإطار نفسه، وهما يتعانقان أو يتحدثان بعفوية ظاهرة، توحي بتحضير سابق، بكاميرا مثبّتة بدل أن تكون مسروقة من لحظة عابرة. هذا لا ينزع عن الفيلم صدقه العام، لكنه يذكّر بأن كل توثيق ذاتي، مهما بدا خاماً، ينطوي على قدر من الإخراج، ولو كان إخراجاً لا واعياً بالضرورة. معظم لقطات “عصافير الحرب” عن الحرب السورية نفسها مألوفة، رأيناها من قبل على شاشات الأخبار وفي وثائقيات أخرى كثيرة، وهذا ليس عيباً بحد ذاته بقدر ما هو واقع كل فيلم يوثّق حرباً استُهلكت صورها إعلامياً على مدى عقد كامل. تكمن قيمة العمل في مكان آخر تماماً، في نقطة الالتقاء بين وثيقتين شخصيتين نادراً ما تجتمعان، أرشيف حرب وأرشيف حب، ضمن فيلم واحد. يحمل الفيلم عنوانه من اللقب الذي أطلقه كل من بولس وحبق على الآخر أثناء تغطيتهما المشتركة للحرب، “الطائر” و”الطائر الصغير”، كائنان صغيران يحاولان التحليق فوق ركام هائل. في إحدى آخر الرسائل التي وثّقها الفيلم، تسأل بولس من بيروت “إلى متى سنبقى على هذه الحال؟” فيجيبها حبق بجملة واحدة: “إلى أن تنتهي الحروب”. جملة بلا شعارات ولا خطابة، تقول ببساطة ما عجزت الأحداث الكبرى في النصف الثاني من الفيلم عن قوله بالوضوح نفسه. المزيد عن: سينما وثائقي سوريا لبنان حرب 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إبراهيم العريس في” اندبندنت عربية”: غوته مفكر الشعر في “الفن” next post مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي الإنسانوي العربي في النهضة الأوروبية You may also like مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في” اندبندنت عربية”: غوته مفكر الشعر... 3 أغسطس، 2026 محمد خان… مخرج الأمكنة الذي لا يصرخ إنما... 3 أغسطس، 2026 الشعر والسينما… العالم كقصيدة تتحرك 3 أغسطس، 2026 موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 كارين اليان ضاهر في “اندبندنت عربية”: الدبكة اللبنانية…... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: “ملكة القطن”… حقل... 2 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “يوبيك” رواية فيليب... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: أبرز مسلسلات أغسطس…... 2 أغسطس، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: جورج وسوف يتمرد... 2 أغسطس، 2026