ليون الأفريقي (مكتبة الفاتيكان) ثقافة و فنون مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي الإنسانوي العربي في النهضة الأوروبية by admin 3 أغسطس، 2026 written by admin 3 أغسطس، 2026 13 هواري تواتي يعود الى نصوصه الأصلية ليكشف حقيقة مشروعه وافكاره اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN لا يطمح هواري تواتي إلى تقديم سيرة جديدة للجغرافي والرحالة الأندلسي الحسن بن محمد الوزان الزياتي الفاسي المشهور بليون الأفريقي أو يوحنا ليون الأفريقي أو يوحنا الأسد الأفريقي (1488 – 1554)، بقدر ما يسعى إلى إعادة بناء شخصيته الفكرية داخل فضاء النهضة الإيطالية، وإعادة النظر في موقعه ضمن تاريخ الإنسانوية الأوروبية نفسها. أي هذه الحركة الفكرية التي نشأت في القرن الـ16، واتخذت من العودة إلى التراث الكلاسيكي اليوناني والروماني، منطلقاً لإعادة الاعتبار إلى الإنسان كمحور للمعرفة والثقافة، بالاستناد إلى دراسة اللغات والآداب والتاريخ والفلسفة الأخلاقية والإيمان بقدرة التربية على صقل الفرد وإعداده للمشاركة في الحياة المدنية. فمثلت منهجاً معرفياً يقوم على القراءة النقدية للنصوص، والانفتاح على الثقافات، وقدرة الإنسان العقلية والإبداعية على فهم العالم والمساهمة في إصلاحه. ولأن اسم ليون الأفريقي ارتبط لدى القراء بالرواية الشهيرة التي وضعها أمين معلوف عام 1986، والتي أسهمت بصورة كبيرة في التعريف بهذه الشخصية التاريخية، مقدمة إياها في قالب سردي آخاذ، فإن هواري تواتي اختار طريقاً مغايراً للطريق الذي سلكه معلوف، إذ ترك السرد الروائي جانباً، وعاد إلى النصوص الأصلية التي وضعها ليون الأفريقي في إيطاليا، ليقرأها قراءة تاريخية وفيلولوجية دقيقة، متسلحاً بمناهج التاريخ الثقافي وتاريخ الأفكار وسوسيولوجيا النصوص وجماليات التلقي، ناقلاً النقاش من سيرة رجل استثنائي إلى دراسة مشروع فكري متكامل. الشخصية الفاعلة الكتاب الجديد عن ليون الافريقي (دار فران- باريس) ينطلق الكتاب من أطروحة مفادها أن ليون الأفريقي لم يكن مجرد وسيط بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية، ولا مجرد شاهد على عصر النهضة، بل كان فاعلاً داخل هذا المشروع الإنسانوي الجديد، بوصفه أول “مثقف” غير أوروبي أدرك عالمية الثقافة الأوروبية كما صاغتها الإنسانوية، وأسهم في الوقت عينه في توسيع آفاقها. في فاتحة كتابه يطرح الباحث الجزائري سؤالاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في باطنه، يفتح أفقاً واسعاً للتأمل: ما الذي يجمع بين كتاب في التراجم والسير البيوغرافية، وكتاب في علم الكون، ومعجم لغوي، ورسالة في علم العروض، وهي الأنواع العلمية الأربعة التي برع فيها يوحنا ليون الأفريقي، والتي اختزلت مجمل ما ألفه خلال سنوات إقامته في روما وبولونيا (1518–1527)، مشكلة مشروعه المعرفي المتكامل المندرج في صلب الثقافة الإنسانوية الجديدة والتي نهل منها هذا الكتاب مادته الأساس؟ إنها من المعارف والفنون الفكرية والأدبية التي ازدهرت على أيدي الإنسانويين الإيطاليين، الذين خالطهم هذا المغربي الشهير، والتي أدرجت ضمن ما أطلق عليه اسم “الدراسات الإنسانية” أو “الإنسانيات”، أي الحقل المعرفي والعلمي الذي تحددت معالمه في عصر النهضة، علماً أن أولئك الذين سموا إنسانويين لم يطلقوا هذا الوصف على أنفسهم ولم يرد هذا المصطلح في أي من مؤلفاتهم. ولئن كان قد استعمل بالفعل، فإن أول ظهور له كان سنة 1490 في مراسلات أحد رؤساء الجامعات، ثم ظهر بعد سنوات قليلة في وثائق جامعتي بولونيا وفيرارا، قبل أن يبدأ مسار انتشاره في أوروبا، الذي توج بدخوله إلى الفرنسية سنة 1552، ثم إلى الإيطالية سنة 1523. لكن هذا المصطلح اللاتيني ورد في كتابات يوحنا ليون الأفريقي على نحو يثير الدهشة، إذ لم يستخدمه للدلالة على الإنسانويين الإيطاليين أو الأوروبيين، بل للإشارة إلى إنسانويين عرب. فكأن هذا المفكر القادم من خارج أوروبا هو أول من شهد على الطابع الكوني للثقافة الأوروبية، بالمعنى الذي سعت الحركة الإنسانوية إلى تجديده وإرساء أسسه. إنسانوية ليون الأفريقي الباحث الجزائري هواري تواتي (الجامعة الأوروبية) هذا يعني أن الكتاب يكشف عن جانب بالغ الأهمية يتعلق بمفهوم “الإنسانوية”، مؤكداً أن المصطلح الذي لم يكن متداولاً بين كبار الإنسانويين الإيطاليين، ولم يظهر إلا متأخراً في الوثائق الجامعية، استخدمه أولاً الأفريقي بلفظه اللاتيني humanista ليصف به علماء وأدباء عرباً، لا نظراءهم الأوروبيين في دليل على أن الإنسانوية لم تكن، في نظره، حكراً على أوروبا، وإنما كانت فضاءً معرفياً يمكن أن ينتمي إليه مثقفون من حضارات متعددة. تزعزع هذه القراءة الجديدة عديداً من التصورات التقليدية التي جعلت من النهضة الأوروبية نتاجاً أوروبياً محضاً. فالمؤلف يدعو إلى إعادة بناء تاريخ النهضة بوصفها فضاءً للتفاعلات والانتقالات والترجمات. وبهذا المعنى يغدو حسن الوزان أو ليون الأفريقي شخصية مفصلية لفهم كيفية تشكل المعرفة الأوروبية الحديثة من خلال الاحتكاك بالعالم الإسلامي عبر الحوار العلمي والثقافي والصراع العسكري. في ضوء هذه الفرضية، يعيد الكتاب إذا رسم المسار الشخصي لحسن الوزان الذي ولد في غرناطة قبيل سقوطها النهائي عام 1492. فيتحدث عن لجوء أسرته إلى فاس، حيث تلقى تعليماً رفيعاً في جامع القرويين، قبل أن يدخل في العمل الدبلوماسي ويجوب المغرب والأندلس ومصر والدولة العثمانية وبلاد السودان. لكن الشاب الذي وقع أسيراً في قبضة قراصنة البحر المتوسط عام 1518، وقدمه خاطفوه هدية إلى البابا ليون العاشر، بدا وكأن مسيرته السياسية قد وصلت إلى نهايتها. إلا أن هذا المنعطف تحول، في قراءة هواري تواتي، إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الإبداع الفكري، إذ غدت الإقامة القسرية في روما أكثر من تجربة أسر، فكانت فضاءً للقاء بين ثقافتين، مما أتاح لحسن الوزان أن ينجز أهم مؤلفاته، وأن يندمج في الأوساط الإنسانوية الإيطالية. “وصف أفريفيا” ومن أبرز ما يقدمه الكتاب أيضاً قراءة جديدة لمؤلفات ليون الأفريقي، ولا سيما كتاب “وصف أفريقيا” الذي ظل لقرون عديدة مرجع أوروبا في معرفة القارة السوداء. فيه يقدم الوزان نموذجاً جديداً في النظر إلى الإنسان والعمران والثقافات، قوامه الملاحظة المباشرة والوصف النقدي، بعيداً من الصور النمطية والأساطير التي كانت تهيمن على المخيال الأوروبي في العصور الوسطى. ولهذا السبب وجد الجغرافيون والرحالة الأوروبيون في هذا العمل مرجعاً لا غنى عنه حتى أواخر القرن الـ18. لكن مساهمة ليون الأفريقي، كما يوضح هواري تواتي، لم تقتصر على الجغرافيا. اقرأ المزيد الأوروبيون أضفوا طابعا أسطوريا على فرقة “الحشاشين” لهجة “الحشاشين” تفك متلازمة التاريخ والفصحى وهو ألف، كما أشرت أعلاه، معجماً عربياً، ورسالة في العروض، وكتاباً في تراجم وسير العلماء العرب، وشارك في تعليم اللغة العربية داخل إيطاليا، وأسهم في مشاريع الترجمة بين العربية واللاتينية والعبرية. ومن ثم فإن صورته الحقيقية هي صورة مثقف موسوعي، لا مجرد رحالة أو جغرافي. يتميز كتاب هواري تواتي بمنهجه. فهو لا يقرأ النصوص بمعزل عن شروط إنتاجها، بل يربطها بسياقاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، مستفيداً من أدوات التاريخ الفكري وسوسيولوجيا المعرفة. وهذا ما يجعل من كتابه الجديد كتاباً مختلفاً عن معظم الدراسات السابقة التي تعاملت مع أعمال ليون الأفريقي بوصفها وثائق جغرافية أو تاريخية، بينما ينظر إليها تواتي كخطاب ثقافي متكامل يعكس تشكل هوية هجينة تجمع بين الثقافة العربية الإسلامية والإنسانوية الإيطالية. ولئن نجح المؤلف في تجاوز الثنائية التقليدية بين الشرق والغرب، فإنه أظهر حسن الوزان كشخصية قادرة على تحويل المنفى إلى فضاء للإبداع، والأسر إلى فرصة للمعرفة، والاختلاف الثقافي إلى مشروع للحوار، مما أكسب كتابه بعداً راهناً، لتقديمه نموذجاً تاريخياً للتفاعل الثقافي بعيداً من منطق الصدام أو الذوبان. مع ذلك فإن هذا الكتاب ليس سهل القراءة. فهو يفترض إلماماً بتاريخ النهضة الإيطالية، وبالفكر الإنسانوي الأوروبي، وبالتراث العربي الإسلامي، كما يعتمد على تحليل فيلولوجي دقيق للمصطلحات والنصوص. ولذلك قد يجد القارئ غير المتخصص صعوبة في متابعة بعض فصوله، لا سيما تلك المتعلقة بتاريخ مفهوم الإنسانوية أو بتاريخ الأنواع الأدبية، لكن هذه الصعوبة تمثل في الوقت عينه أحد مصادر قوة الكتاب، لأنه يقدم بحثاً علمياً أصيلاً، لا عملاً تبسيطياً. ويحسب لتواتي أيضاً أنه يحرر شخصية ليون الأفريقي من القراءات الاختزالية التي حصرتها في صورة “الرحالة” أو “الأسير” أو “المتحول دينياً”. فهو يعيده إلى مكانته الحقيقية باعتباره مفكراً وإنسانوياً ومترجماً ومؤلفاً أسهم في تشييد فضاء معرفي مشترك بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط. إن كتاب “جان ليون الأفريقي، إنسانوي عربي في النهضة الأوروبية” هو بالتأكيد إضافة نوعية إلى الدراسات المتعلقة بتاريخ النهضة الأوروبية والعلاقات العربية الأوروبية، لمساءلته مفهوم النهضة ولكشفه أن تشكل الحداثة الأوروبية كان أكثر انفتاحاً وتعدداً مما اعتادت السرديات التقليدية أن تصوره. فمن خلال قراءة دقيقة لمجمل أعمال ليون الأفريقي، يبرهن المؤلف أن المعرفة لا تعرف حدوداً ثابتة، وأن الأفكار الكبرى تولد غالباً عند نقاط التماس بين الثقافات. ولهذا يمكن اعتبار هذا الكتاب من الدراسات الحديثة المهمة التي أعادت إدراج ليون الأفريقي في تاريخ الفكر العالمي، باعتباره شاهداً ومساهماً في صياغة أفق النهضة الإنسانوية، مما يجعل من سيرته وتجربته نموذجاً للمثقف العابر للغات والهويات والحدود. المزيد عن: ليون الأفريقي الحسن الوزان بحث تارخي البعد الإنسانوي عصر النهضة المشروع الفكري النصوص الحضارة العربية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post محمد غندور في” اندبندنت عربية”: “عصافير الحرب”… قصة حب فوق ركام بلدين next post “المنطقة التجريبية” في رفح… فخ ناعم بتكنولوجيا الإغاثة You may also like محمد غندور في” اندبندنت عربية”: “عصافير الحرب”… قصة... 3 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في” اندبندنت عربية”: غوته مفكر الشعر... 3 أغسطس، 2026 محمد خان… مخرج الأمكنة الذي لا يصرخ إنما... 3 أغسطس، 2026 الشعر والسينما… العالم كقصيدة تتحرك 3 أغسطس، 2026 موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 كارين اليان ضاهر في “اندبندنت عربية”: الدبكة اللبنانية…... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: “ملكة القطن”… حقل... 2 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “يوبيك” رواية فيليب... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: أبرز مسلسلات أغسطس…... 2 أغسطس، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: جورج وسوف يتمرد... 2 أغسطس، 2026