رحلة أوديسيوس في فيسفساء إغريقية (متحف الفن الإغريقي) ثقافة و فنون مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: أوديسيوس… البطل الهوميري الذي ألهم الأدب العالمي by admin 29 يوليو، 2026 written by admin 29 يوليو، 2026 13 عودة المنفي إلى البيت والوطن لم تكتمل إلا باستعادة الهوية والثقة الاهلية اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN في حين تلاشت شهرة عديد من أبطال الملاحم الإغريقية القديمة أو تحولت إلى رموز بعيدة في الذاكرة الجماعية، بقي اسم ملك إيثاكا، المحارب الذي شارك في حرب طروادة، والذي جاب البحار وعاش مئات المغامرات، حاضراً كإحدى أكثر الشخصيات الإنسانية تعقيداً في التراث اليوناني القديم. فهو، من دون أدنى شك، نموذج للإنسان الذي يواجه مصيره بالعقل والحنكة والصبر والقدرة على التكيف مع تقلبات الزمان. تعود شهرة اوديسيوس إلى “الأوديسة”، الملحمة المنسوبة إلى هوميروس، الشاعر الإغريقي القوال الذي يقال إنه عاش في القرن التاسع قبل الميلاد، والتي تروي في أكثر من 12000 بيت رحلة عودته الأسطورية إلى مملكة إيثاكا بعد نهاية حرب طروادة التي استغرقت 10 سنوات، إذ تعرض لسلسلة من الأخطار والمحن، امتزجت فيها التجربة الإنسانية الأعمق بتدخلات الآلهة وأفعال السحرة والصدام مع الكائنات الخرافية، مما جعل من رحلته نموذجاً للصراع بين الإنسان والقوى التي تتجاوز عالمه. لكن شخصية اوديسيوس تظهر قبل ذلك في “الإلياذة” كأحد القادة اليونانيين، علماً أنه لا يحتل في هذه الملحمة المكانة نفسها التي يحتلها أخيليس أو أغاممنون أو ديوميديس أو بتروكلوس. فهو لا يتميز مثلهم بالقوة الجسدية والمهارات القتالية، بل بصفات الذكاء والفطنة والحيلة وضبط النفس والقدرة على الإقناع، التي جعلت منه لاحقاً بطلاً من طراز مختلف، انتقلت معه البطولة من ميادين القتال إلى رحاب التجربة الإنسانية، ومن سطوة السلاح إلى سلطان العقل ودهاء الفكر. المثال الأعلى في عالم الملاحم الإغريقية القديمة، غالباً ما كان البطل التقليدي يقاس بقوته الجسدية وبطولاته في ساحات الوغى. فأخيليس جسد المثال الأعلى للمحارب الباحث عن المجد الأبدي حتى لو كان ثمن قوته الموت المبكر. في حين أن اوديسيوس قدم نموذج البطل الذي أراد العودة إلى وطنه وزوجته وابنه، والذي رأى في الحياة والارتباط بالوطن والأسرة قيمة لا تقل أهمية عن القوة والبطولة الجسدية والمجد العسكري. الأوديسة باللغة اليونانية (أمازون) هذه النقلة النوعية جعلت منه شخصية حديثة على نحو لافت. فهو ينتصر لأنه يعرف كيف يفكر في اللحظة المناسبة. سلاحه الأساس ليس الرمح، بل العقل. لذا ارتبط اسمه بـ”المتيس” μῆτις، المفهوم اليوناني الذي يعني الحيلة والدهاء والذكاء العملي والقدرة على التكيف وعلى قراءة الأحوال وإيجاد الحلول في المواقف المستحيلة. هكذا استطاع اوديسيوس أن يهزم أشهر كائنات الصقلوب ذات العين الواحدة، العملاق بوليفيموس بن بوسيدون، ليس بالقوة وإنما بالخداع، ملخصاً فكرة مفادها أن الإنسان الضعيف جسدياً بإمكانه أن ينتصر بفضل الحنكة والذكاء. ففي فاتحة “الأوديسة” يطلق هوميروس على اوديسيوس أيضاً صفة “بوليتروبوس” πολύτροπος، التي تعني حرفياً “الذي يسلك دروباً كثيرة”. ولعل هذه الصفة لا تشير فقط إلى كثرة أسفار بطلنا بقدر ما تشير إلى قدرته على تغيير صورته وهويته بحسب الظروف. فهو الملك والمحارب والمتسول والراوي والدبلوماسي والخطيب في آنٍ واحدٍ. هكذا قدم اوديسيوس نفسه حين عاد إلى إيثاكا بعد 20 عاماً من الغياب، لا كملك منتصر، وإنما كمتسول فقير. فقد أراد من خلال تنكره اختبار الناس المحيطين به وبزوجته بينيلوبي وابنه تيليماخوس، ومعرفة من بقي وفياً له ومن خانه أثناء غيابه، متطلعاً إلى استعادة مملكته بالمعرفة والمراقبة والصبر. أعماق الشخصية هنا تكشف “الأوديسة” عن جانب عميق من شخصية اوديسيوس: إدراكه أن العودة إلى البيت والوطن لا تكتمل إلا باستعادة الهوية والعلاقات والثقة. ولا بد أيضاً من الاعتراف أن فهمنا لشخصيته لا يكتمل من دون الإشارة إلى شخصيتي زوجته بينيلوبي وابنه تيليماخوس. فبينيلوبي ليست مجرد زوجة وفية تنتظر عودة زوجها، هي أيضاً شخصية تمتلك “المتيس” نفسها التي يتمتع بها اوديسيوس. فقد دأبت على صد الخاطبين الذين توافدوا إليها طوال غياب زوجها، متوسلة بالحيلة، إذ أوهمتهم بأنها لن تتزوج قبل أن تتم نسج كفن والد زوجها. الكاتب الإغريقي يوريبيدس كتب مأساة اوديسيوس (متحف الفن الإغريقي) غير أنها كان تفك ليلاً ما تنسجه نهاراً، مواصلة تأجيل قرار الزواج لسنوات طويلة. هكذا، قامت العلاقة بين بينيلوبي واوديسيوس على تقدير متبادل للذكاء والدهاء، فعندما عاد إلى وطنه، لم تسلم به زوجاً إلا بعدما اختبرته بسر سريرهما الزوجي، المنحوت من جذع زيتونة راسخة في الأرض. أما تيليماخوس، فهو يمثل الجيل الجديد الذي يبحث عن الأب الغائب. ومن خلال اللقاء بينه وبين أبيه، تتحول عودة اوديسيوس من مجرد استرجاع للملك إلى استعادة للأسرة والنظام الاجتماعي. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى إن رحلة اوديسيوس ليست مجرد سلسلة من المغامرات الأسطورية مع الوحوش والآلهة والسحرة والنساء والحوريات. إنها رحلة داخلية في قلب الإنسان تكشف طبيعته أمام الخوف والإغراء والوحدة. فخلال 10 سنوات من التيه، واجه اوديسيوس قوى تتجاوزه، آلهة غاضبة وعوالم مجهولة، وسحرة ومخلوقات خارقة، وإغراءات هددت رغبته في العودة إلى مملكته وذاته. فالحورية كاليبسو عرضت عليه الخلود إن بقي معها، لكنه رفض حياة أبدية واختار العودة إلى الوطن والأسرة، مفضلاً الحياة البشرية بكل ما فيها من ألم وفناء على حياة أبدية بلا جذور ولا انتماء. المقاومة والصبر هكذا أصبح اوديسيوس رمزاً للوفاء للعائلة والوطن. ولعل هذا الخيار يحيلنا إلى أحد المعاني الفلسفية في “الأوديسة”، وقوامه أن الإنسان لا يجد قيمته في الهرب من الموت، بل في عيش حياته الإنسانية بكل ما تحمله من ألم وحدود وذكريات. كأني بهوميروس أراد أن يقول لنا إن عظمة اوديسيوس تكمن في أنه “إنساني، إنساني جداً”. وثمة جانب آخر من شخصية بطل “الأوديسة” يتجلى في قدرته على الصمود. فالصفة الثانية التي أطلقها هوميروس على اوديسيوس هي “بولتلاس” πολύτλας، التي تعني الصبور والجلد والمقاوم للصعاب. فقد خسر اوديسيوس رفاقه واحداً تلو الآخر، وواجه الجوع والعواصف والأخطار، لكنه استمر في مقاومة الظروف، مؤكداً أن البطولة ليست تلك التي ترتبط بالانتصارات السريعة، وإنما بالاستمرار على رغم كل شيء. رواية “يوليسيس” الملحمية لجيمس جويس (أمازون) وتنطوي عبقرية اوديسيوس أيضاً على وجه آخر أكثر التباساً. فالحيلة والدهاء اللذان رفعاه إلى مصاف الأبطال هما نفسيهما ما جعلا منه شخصية مثيرة للجدل. لذلك لم يحظَ في جميع التقاليد الأدبية القديمة بالإعجاب نفسه. فقد صوره بعض الكتاب اليونانيين كنموذج للمخادع والسياسي الانتهازي الذي يوظف البلاغة والمكر لتحقيق غاياته. ذلك أن الدهاء الذي مكنه من الإفلات من قبضة بوليفيموس هو ذاته الذي تجسد في حيلة حصان طروادة، والتي استطاع اليونانيون بفضلها التسلل إلى المدينة والتسبب في سقوطها. ولهذا لم يتردد بعض كتاب التراجيديا اليونانية في تقديم شخصيته بصورة الرجل القاسي والمتلاعب، البعيد من نموذج البطل النبيل الذي تجسده الملاحم. ففي مأساة سوفوكليس الشهيرة “فيلاكتيتيس”، يتجلى اوديسيوس كشخصية براغماتية، تعتمد الحيلة والمراوغة لتحقيق غاياتها السياسية والعسكرية. فهو لا يتردد في اللجوء إلى الخداع والتلاعب بالآخرين عندما يرى في ذلك وسيلة تخدم مصلحة الجماعة وانتصار الإغريق. ولعل هذا التصوير، قدم شخصية اوديسيوس لا كبطل مثالي، وإنما كرجل يجيد توظيف ذكائه ودهائه في خدمة تحقيق الأهداف التي يتطلع إليها، ولو على حساب المبادئ الأخلاقية. مسرحية يوريبيدس أما في مأساة يوريبيدس “هيكوبا”، فيظهر اوديسيوس في صورة أكثر قسوة وبعداً عن نموذج البطل الرحيم العائد إلى إيثاكا. ففي هذه المسرحية نراه يدافع عن التضحية ببوليكسينا، ابنة ملك طروادة الأسيرة، مبرراً ذلك بضرورة إرضاء روح أخيليس وضمان استمرار النصر اليوناني. هكذا يتحول اوديسيوس في هذه المسرحية التراجيدية إلى ممثل لمنطق الحرب والسلطة والمصلحة الجماعية، لا إلى بطل تحكمه قيم الرحمة والعدالة. الشاعر اليوناني جورج سيفريس كتب قصائد عن أوديسيوس (أمازون) هذا يعني أن التراجيديا الإغريقية مع سوفوكليس ويوريبيدس في القرن الخامس قبل الميلاد، أعادت تفسير شخصية اوديسيوس محولة إياها من صورة بطل يمثل الذكاء والانتصار، إلى رمز للسياسة الواقعية، التي تسخر الدهاء في خدمة الخداع والقسوة. هذا التناقض هو بالضبط ما جعل هذه الشخصية حية حتى اليوم. فاوديسيوس ليس قديساً ولا محارباً مثالياً بقدر ما هو إنسان بكل فضائله ونقائصه. إنه ذكي، لكنه أحياناً مغرور، صبور لكنه قادر على الانتقام، محب لعائلته، لكنه لا يخلو من الضعف أمام الإغراءات. ولعل هذه التعقيدات كلها هي التي جعلته قريباً من الإنسان المعاصر. لذا عادت شخصيته في الأدب العالمي لتتصدر المشهد كرمز للإنسان التائه والباحث عن هويته في عالم فقد يقيناته الكبرى، أو كتجسيد للحنين إلى أرض الآباء والجذور كما في شعر يواكيم دو بيليه، إذ أصبحت الرحلة الطويلة وما أثمرته من خبرة وحكمة مرآة لتجربة الشاعر نفسه، الذي عبر في قصيدة شهيرة عن الشوق العميق إلى الوطن. هكذا أعاد الشعراء والروائيون المعاصرون قراءة شخصية اوديسيوس. فالكاتب والشاعر اليوناني جيورجيوس سفريس (1900-1971) رأى في اوديسيوس تجسيداً لمعاناة اليوناني الحديث، ولتجربة المنفي الذي يحمل في داخله رغبة العودة إلى وطنه رغم جراح التاريخ وآلامه، جاعلاً من شخصيته رمزاً لذاكرة جماعية مثقلة بالخسارات، لكنه في الوقت عينه حافظاً لقيم الحياة واللغة والإنسانية. أحدث ترجمة عربية للاوديسة أنجزها محمد مظلوم (دار الجمل) أما في الرواية الحديثة، فقد بلغ هذا التحول ذروته مع رواية الكاتب والروائي الإيرلندي جيمس جويس (1882-1941)، الذي نقل ملحمة اوديسيوس من فضاء البحر والمغامرات الخارقة إلى الحياة اليومية للإنسان المعاصر. فبدلاً من رحلة البطل عبر البحار، نتابع في دبلن رحلة داخلية ونفسية يقوم بها رجل عادي يدعى ليوبولد بلوم الذي أصبح نظيراً حديثاً لاوديسيوس، والذي تحولت المعارك الأسطورية معه إلى صراعات داخلية، بحيث صارت الرحلة بحثاً عن المعنى والهوية والارتباط بالآخرين. ومن خلال هذا التداخل بين الأسطورة والواقع، أثبت جويس أن اوديسيوس نموذج إنساني عابر للعصور، يعبر عن القلق الوجودي المرتبط بالغربة والرغبة في العودة والسعي الدائم إلى إيجاد مكان في العالم. اقرأ المزيد رجوع أوديسيوس برفقة كفافيس وريتسوس في فيلم “العودة” أين تقع “إيثاكا” مدينة “يوليسيس” في إلياذة هوميروس؟ إيرلندا ما زالت تخذل جيمس جويس مرة بعد أخرى ختاماً، إن استمرار حضور اوديسيوس في السينما الحديثة والآداب العالمية ليس سوى دليل على أن هذه الشخصية تجاوزت حدود الأسطورة لتغدو رمزاً إنسانياً خالداً. فهي تختزل كل العناصر التي لا يزال الفن يبحث عنها: الرحلة، والصراع، والمغامرة، والتحول الداخلي، ومواجهة المجهول، والسؤال الدائم عن معنى الحياة والوجود. لكن الأهم من كل ذلك أن اوديسيوس ظل يمثل الإنسان الذي يشق طريقه في عالم مضطرب ويقاوم قوى تفوقه، وأن رحلته في البحر تشبه رحلة الإنسان العابر في عالم مليء بالتغيرات والاختبارات والباحث عن مكان ينتمي إليه وعن هوية يحافظ عليها وسط التحولات، لذا بقي اسمه حياً في الثقافة العالمية، لأنه يعلمنا أن الإنسان لا ينتصر دوماً لأنه الأقوى، بل لأنه يعرف كيف يفكر، وكيف يتحمل، وكيف يحافظ على إنسانيته وسط المحن. فاوديسيوس نموذج للإنسان الذي يواجه العالم بكل تناقضاته. وهذا ما يفسر تعدد القراءات التي أحاطت بشخصيته عبر العصور. فقد رآه اليونانيون القدماء بطلاً يجمع بين الشجاعة والحكمة، واتخذه الرواقيون مثالاً للصبر والثبات أمام الإغراء، بينما جعلته الأزمنة اللاحقة رمزاً للرحلة الإنسانية الدائمة، وللسعي إلى المعرفة، والحنين إلى الوطن، والانتصار على الصعاب. المزيد عن: هوميروس الأوديسة ملحمة الإريق البطل أوديسيوس جيمس جويس العودة الوطن الحبيبة الهوية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الأميركي هوبر يذم الفرنسيين ويستلهم فنهم next post خليدة بوفدش أول امرأة تنتخب رئيسة لمجلس النواب الجزائري You may also like إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الأميركي هوبر يذم... 29 يوليو، 2026 في “اندبندنت عربية”: 13 رواية تتنافس على “البوكر... 29 يوليو، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: من يقين “طروادة”... 29 يوليو، 2026 فاروق يوسف في “الشرق الاوسط”: كاترينا غروس صانعة... 29 يوليو، 2026 شوقي بزيع في “الشرق الاوسط”: هل يمكن للشاعر... 29 يوليو، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الاوسط”: عازفان في لوحة... 29 يوليو، 2026 مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الشاعر شارل شهوان... 28 يوليو، 2026 عبده وازن في “اندبندنت عربية”: زياد الرحباني لم... 28 يوليو، 2026 “المجلة” في ذكرى رحيله الأولى… زياد الرحباني الذي... 28 يوليو، 2026 “سيرانو” لإدمون روستان: عندما يعلّمنا الفن كيف نفكّر 5 فبراير، 2026