مات ديمون بدور أوديسيوس في فيلم كريستوفر نولان _الأوديسة_ (يونيفرسال بيكتشرز) ثقافة و فنون كلاريس لاغراي في “اندبندنت عربية”: ملحمة نولان تبلغ ذروتها مع “الأوديسة” by admin 25 يوليو، 2026 written by admin 25 يوليو، 2026 35 تتردد في الفيلم أصداء “أوبنهايمر” و”ميمنتو” وحتى أفلام “باتمان” التي في رصيده، إذ يختزل المخرج البريطاني في هذه الملحمة السينمائية الضخمة أبرز هواجسه الفنية التي طالما انشغل بها في أعماله اندبندنت عربية / كلاريس لاغراي مراسلة ثقافية @clarisselou أوديسيوس هو الرجل الذكي والمخادع، المحبوب والملعون في الأسطورة اليونانية. لكنه، في رؤية كريستوفر نولان، هو أيضاً جيه روبرت أوبنهايمر، وهو باتمان، وهو ليونارد شيلبي بطل فيلم “ميمنتو” Memento، وهو كل بطل آخر مثقل بالأعباء وممزق بالتناقضات ظهر في أفلامه. لم يكن نولان يوماً مخرجاً يميل إلى الاعترافات الشخصية أو البوح المباشر، لكن معالجته لـ”الأوديسة” The Odyssey، إحدى أقدم الحكايات التي وصلتنا من العصور القديمة، تبدو على نحو لافت أكثر أعماله حميمية. فمن هذه الملحمة التي ولدت قبل نحو 3 آلاف عام، يستخلص خلاصة هواجسه الفنية الأكثر رسوخاً، وفي مقدمها سعي الإنسان إلى إخضاع الزمن والقدر لإرادته، ليصوغ منها مواجهة خالصة بين الأمل واليأس. فنحن نقاتل بكل ما نملك من أجل من نحب، لكن ماذا لو لم يكن ذلك كافياً؟ وماذا لو أصبح طريق الدمار بلا عودة؟ وتبدو هذه الحميمية مفارقة بحد ذاتها أمام الحجم الهائل للفيلم، فـ”الأوديسة” هو أول فيلم روائي يصور بالكامل بكاميرات “آي ماكس” وعلى أشرطة بمقاس 70 ملم، مما يجعله عملاً ضخماً غير مسبوق بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وهو أفضل ما قدمه نولان حتى اليوم، والفيلم الذي يستحق أن يكون العمل الذي يحدد هويته الفنية. يبتكر أوديسيوس الذي رسمه نولان ويجسده مات ديمون، فكرة حصان طروادة وهو يؤمن بصدق بأنها ستكون نقطة التحول في الحرب التي يخوضها الشقيقان مينلاوس (جون بيرنثال) وأغاممنون (بيني سافدي)، في صراع دموي لاستعادة هيلين (لوبيتا نيونغو) زوجة مينلاوس من أيدي الطرواديين. لكنه، تماماً كما حدث مع أوبنهايمر وقنبلته الذرية، يدرك لاحقاً أن خرقه قواعد الحرب دفع التاريخ نحو مسار أكثر قتامة. اقرأ المزيد ما بعد “أوبنهايمر”: كيف يتعامل كريستوفر نولان مع “الأوديسة”؟ “قنبلة” كريسوفر نولان في “أوبنهايمر” تحصد جوائز الأوسكار كريستوفر نولان يدير ظهره للمؤثرات البصرية بينوش وفاينز بين “الأوديسة” وهواجس الإنسان المعاصر يرافقه رجاله، بقيادة يوريلاخوس الذي يؤدي دوره هيمش باتيل، في رحلة العودة إلى الوطن في إيثاكا، إذ تنتظره زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي) وابنهما تيليماخوس (توم هولاند). غير أن غضب الآلهة يقوده إلى طريق محفوف بالأخطار، مليئة بقرارات مستحيلة لا تقل قسوة عن الاختيار الذي واجهه باتمان بين إنقاذ أعظم أمل لمدينته أو إنقاذ المرأة التي يحبها في “فارس الظلام” The Dark Knight. وفي النهاية يصل إلى جزيرة تحكمها كاليبسو (تشارليز ثيرون)، إذ تبدأ ذكرياته، كما حدث مع ليونارد في “ميمينتو”، بالتلاشي والانفلات من قبضته. بوصفه إنجازاً خالصاً في مجال الاقتباس، حقق نولان ما كنت أعتقد، بصراحة، أنه يكاد يكون مستحيلاً. فبصمته حاضرة في كل تفاصيل الفيلم، إنه عمل هوليوودي فكري وصارم ومشحون بالقوة، لكنه في الوقت نفسه لا يتخلى لحظة عن التزامه بالنص الأصلي وفهمه العميق له. لا يوجد هنا قرار واحد يبدو عشوائياً أو غير محسوب، ولا أظن أن هناك اختياراً واحداً لا يستطيع نولان نفسه الدفاع عنه بسهولة، وهو أمر قد يثير، كما يتخيل بعضهم، استياء بعض أركان الإنترنت التي لا تعترف كثيراً بالقواعد. وعلى رغم أن انتقاد نولان بسبب إلباس أوديسيوس وتيليماخوس السراويل قد يبدو مغرياً (وهو أمر كان سيعد قمة الهمجية بالنسبة إلى اليونانيين القدماء)، فإن العمل الذي قدمته مصممة الإنتاج روث دي يونغ ومصممة الأزياء إيلين ميروينيك يمنح الفيلم هوية بصرية متكاملة خاصة به (وفي ملاحظة جانبية، من المؤسف أنه لا بد من الإشارة إلى ذلك: فإن أولئك العنصريين الذين اعترضوا على اختيار لوبيتا نيونغو كانوا سيصابون بصدمة كبيرة لو عادوا إلى العالم القديم واكتشفوا مدى قلة اهتمامه بلون بشرة البشر. فلا يمكن التذرع بـ”الدقة التاريخية” في مواجهة أمر لم يكن جزءاً من مفاهيم ذلك العصر، بل هو نتاج لاحق نشأ في سياقات مسيحية). آن هاثاواي وتوم هولاند في فيلم كريستوفر نولان “الأوديسة” (يونيفرسال بيكتشرز) تتداخل في الفيلم تفاصيل مستوحاة من العصر البرونزي ومن اليونان القديمة في عصرها العتيق، من رأس تمثال لامرأة شابة على “النمط الكوري” kore-style statue [نوع من التماثيل يمثل فتاة أو شابة واقفة ترتدي ثياباً طويلة، وقد شاع في الفن اليوناني خلال العصر العتيق]، إلى الزخارف الحلزونية الميسينية، لتشكل جميعها جماليات بصرية مبسطة ومحملة بالرموز. وهي جمالية تبدو، قبل أي شيء آخر، متأثرة بتاريخ المأساة اليونانية على خشبة المسرح، ولا سيما العرض الذي يحمل عنواناً يحيل إلى الملحمة وهو “الأوريستيا” The Oresteia الذي قدمه بيتر هول عام 1981. فالفيلم يركز على “الأوديسة” بوصفها عرضاً أدائياً وحكاية تنتمي إلى تقليد شفهي يتطور باستمرار، لم يضف نولان إليه سوى توقيعه الخاص. وتكمن جرأة نولان في قدرته على نقل أفكار العالم القديم عبر لغة حديثة. فموسيقى لودفيغ غورانسون التصويرية تتخلى عن التوزيع الأوركسترالي التقليدي لمصلحة مزيج صاخب من آلات إلكترونية والطبول، يحاكي إيقاع الطقوس الدينية، ويكتمل ذلك بظهور مغني الراب ترافيس سكوت في دور شاعر. أما أنتينوس، الذي يؤديه روبرت باتينسون، وهو واحد من مجموعة من الخطاب الذين اقتحموا منزل بينيلوبي، فيشير إلى أوديسيوس الغائب بصفته “والد تيليماخوس”. ولم لا؟ كما تقول إيميلي ويلسون، التي قدمت ترجمة لـ”الأوديسة” إلى الإنجليزية عام 2017: “لم يكن هوميروس يبدو تقليدياً في نظر اليونانيين”. وبالمثل، يحتضن نولان الجوانب السحرية في الحكاية، لكنه يعيد تقديمها من خلال قوالب هوليوودية معاصرة، إذ يمنح المخلوق الأسطوري سيلا، الذي ينتزع البحارة من سفنهم، طابع أفلام الخيال العلمي، بينما يستعير من أفلام الكوارث طريقة تجسيد حضور الآلهة، الظاهر غالباً عبر العواصف العاتية، وأحياناً من خلال عين أثينا (تجسدها زندايا) التي تراقب كل شيء. أما تحولات الساحرة سيرسي (سامانثا مورتون)، فتأتي بروح رعب جسدي تذكر بأسلوب فيلم “ذئب أميركي في لندن” An American Werewolf in London. أوديسيوس (مات ديمون) يبتكر فكرة حصان طروادة مؤمناً بصدق بأنها ستقلب مسار الحرب في فيلم كريستوفر نولان “الأوديسة” (يونيفرسال بيكتشرز) وعلى مستوى الأداء، لا توجد حلقة ضعيفة في هذا الطاقم. ينجح مات ديمون في تحقيق توازن بين كبرياء بطله وثقله الداخلي وتأملاته الشعرية. أما توم هولاند، الذي يقدم أفضل أداء في مسيرته، فيرسم بفاعلية رحلة نضج تيليماخوس وتحوله. ويقدم جون ليغويزامو أداء مؤثراً للغاية في دور الراعي الأعمى إيومياس. لكن النساء هن من يتركن الأثر الأكبر، آن هاثاواي وسامانثا مورتون وتشارليز ثيرون وزندايا ولوبيتا نيونغو التي تؤدي أيضاً دور كليتمنسترا شقيقة هيلين، يخطفن الأضواء بوضوح. فعلى رغم امتلاكهن قوى الإلهات والساحرات والملكات، فإنهن يواجهن أيضاً مصائر فرضتها حروب الرجال: أن يكن ضحايا أو جوائز أو أرامل. ومن هذا الصراع تنبع حدة خاصة في أصواتهن، غضب هادئ لكنه مركز ومكثف. تدور أحداث “الأوديسة” بحسب الرواية التقليدية، في أواخر العصر البرونزي، وهي الحقبة التي انتهت بانهيار اجتماعي أصاب عدداً من الحضارات في حوض البحر المتوسط. ولا نعرف على وجه الدقة أسباب ذلك الانهيار، هل كان نتيجة الحروب، أم الكوارث البيئية، أم ربما أزمة اقتصادية. لكن نولان يربط هذه النهاية مباشرة بأحد المحاور الأساس في نص هوميروس: انتهاك مفهوم الـ”زينيا” Xenia، الذي يترجم في الفيلم إلى “قانون زيوس”، وهو مبدأ مؤسسي للضيافة كان عنصراً حاسماً في العلاقات الدبلوماسية بين تلك الحضارات الكبرى. وبالنسبة إلى الجمهور المعاصر، يمكن فهمه بصورة أقرب باعتباره تجسيداً لفكرة الاحترام والإنسانية الأساس. ومن وجهة نظر المخرج، فإن حصان طروادة، ذلك القربان الخادع الذي أخفى في جوفه جنوداً يستعدون لمذبحة مباغتة، لا يقل انتهاكاً لهذا المبدأ عن أولئك الخطاب الذين يعيثون فساداً في منزل أوديسيوس أثناء غيابه. والأسوأ أن هذا الانتهاك ينتشر كأنه عدوى. وهنا ندرك فجأة لماذا يتحدث جميع أبطال “الأوديسة” بلكنات أميركية، فنولان يفكر في إمبراطورية معاصرة انتهكت مفهوم الـ”زينيا” مراراً، عبر قنابلها الذرية ووقف إطلاق النار الزائفة، ويتساءل عما إذا كانت تلك الإمبراطورية نفسها تواجه انهياراً وشيكاً. إنها الخلاصة التي كثيراً ما حملتها أفلام نولان: الزمن يتحرك في دوائر، ونحن عاجزون أمام مساره. إخراج: كريستوفر نولان. بطولة: مات ديمون وتوم هولاند وآن هاثاواي وروبرت باتينسون، ولوبيتا نيونغو وسامانثا مورتون وزندايا وتشارليز ثيرون. التصنيف الرقابي: 15 عاماً فما فوق. المدة: 173 دقيقة. يعرض فيلم “الأوديسة” في صالات السينما البريطانية. © The Independent المزيد عن: فيلم الأوديسة المخرج كريستوفر نولان هولييود 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أنطوان أبو زيد في “اندبندنت عربية”: ليوناردو شاشا يروي حكاية راهب زيف “صحائف مصر” next post الليبيون بين ثروات نفطية ضخمة وواقع معيشي صعب You may also like أنطوان أبو زيد في “اندبندنت عربية”: ليوناردو شاشا... 25 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الملك يبحث عن... 25 يوليو، 2026 قلاع جبل عامل وموقع فلسطيني في حمى “اليونسكو” 25 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: مكتبات فرنسية تغلق... 25 يوليو، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: “ما وراء الإطار”... 25 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية” : “بؤساء” فيكتورهوغو... 25 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: “العصر الذهبي” يدرج الممثلين... 24 يوليو، 2026 مأزق السيناريو في السينما العربية 24 يوليو، 2026 بحثاً عن حضور اللغة العربية في الآداب الأفريقية... 24 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الفرنسي فيرنيه يستكمل... 24 يوليو، 2026