الأربعاء, أغسطس 12, 2026
الأربعاء, أغسطس 12, 2026
Home » قمر ليس لي… سماء لا تبلّلني في باريس

قمر ليس لي… سماء لا تبلّلني في باريس

by admin

عرب 48 – فسحة / آية رباح

تصفو سماء باريس فجأةً، تعود الأيّام قليلًا إلى الوراء، قليلًا بالنسبة إلى عمر الكون وكثيرًا بحجم عمري، ينسحب الغيم الّذي يصير سماءً أدنى دائمة العبوس في شتاء باريس الطويل. حينذاك، لوقت قصير فقط، يصير المدى سماءً شرقيّة برائحة الياسمين العفويّ، وتستردّ الدنيا حنانها ويصير الوجع أكثر احتمالًا.

لا أدري كيف يصبح للسماء هويّة بحسب الأرض الّتي تظلّلها، ويصير للقمر معنًى أيضًا وفق ذاكرة الأعين الّتي تنظر إليه؛ هنا يختفي القمر بين الأشجار ولا أراه إلّا ساعات الصباح الباكر، بينما هناك، في بلادنا المشرّعة الأبواب على الأحلام، يطلّ القمر من خلف التلال كبيرًا وبرتقاليًّا كأوّل تشكّل العواطف الملتهبة، يصعد السماء بخيلاء تدريجيًّا بين مباني الحيّ المتواضعة، مواسيًا الأزقّة المظلمة بلا كهرباء، ليصير قمرًا فلسطينيًّا يداوي جروح المساء وليالي الانتظار الطويل.

السماء هنا تصنع حوارًا مع الأشجار والأبراج، لكن هناك تصنعه مع البشر حين يطفقون يتحدّثون عن ذكرياتهم، تصير قطعة السماء الصغيرة البادية بين قضبان سجن هويّة البقاء، لأسيرٍ نسي أنّ جدوى الأحلام طريق التحقّق وليست دافعًا خفيًّا لاستمرار حياة بأكملها، ويصير القمر طرفًا ثالثًا في حوار شخصين لا يستطيعان أن يلتقيا، بسبب أسلاك شائكة وأقدار ملتوية، يصل بين نافذتيهما خطّ دافئ من ضوء القمر ليصير هو أيضًا حاضرهما الوحيد.

هناك الغيوم تتشكّل من دخان الوقت ومن لهاث الساعين وراء الغد، من احتراق اللحظات السعيدة ومن تبخّر الدمع الحزين، يصعد البخار حاملًا رسائل الآخرين، وما إن يوصلها إلى الغيم حتّى ينهار من ثقلها الماء المعلّق، هنا يأتي الغيم من المصانع والمدافئ ليصير غيمًا حياديًّا بلا دوافع.

عندما نرحل من بلد إلى بلد لا تتبدّل فقط هويّتنا، لكن أيضًا هويّة الكون، تتلبّس الأشياء أرواحٌ أخرى، وتحلّ فوق الأغصان طيور غير تلك الّتي كانت تغرّد فوق أشجار حدائقنا ونسمعها تنشد نشيدًا وطنيًّا، أو أغنية حنين تعبق بلون الورد ورائحة غد بعيد، يومًا ما سيأتي.

يا الله! كيف يتورّط الغرباء بالفقد؟ وكيف يبحثون في حقائبهم عندما يفرغونها من الكتب والهواتف والبطاقات عن رائحة الرحيل الأولى، عندما وظّبوا كلّ شيء على استعجال دون أن يخافوا الندم ولسعات الموت في طريق بلا عودة؟ كيف حثّوا الخطى خارج البيوت دون أن يفهموا لغة الزمن، الّذي إذا مضى فإنّه يقسو أكثر على مَنْ لم يستمعوا لنبوءاته في مكانهم الأوّل؟

السماء شرقيّة في هذا الأحد، بلا سحب ولا عدوى الأرق بين الطيور الّتي تدور بلا تعب فوق ضفاف السين، بلا ألعاب ناريّة وأبواق سيّارات الشرطة الّتي تحافظ على نظام شاحب، تصير السماء دموع الحنين الّتي هربت واختبأت خلف السحب ثمّ هوت عليّ فجأة. أستمع لأغنية فيروز: “احكيلي عن بلدي… احكيلي…”، لكن لا أحد بقربي ليروي لي أساطير الصمود هناك في كون بلا شهود من البشر وحسب، لكن من كلّ الكائنات.

أقرّر السير في الطرقات، على ضفاف النهر، لأشاهد الغروب الّذي انجلى هذا المساء، أتذكّر فجأة أنّه قبل اثنين وثلاثين عامًا اندلعت الانتفاضة الأولى في فلسطين، لم أكن قد وُلدت، لكن مَنْ قال إنّ حنيننا يتوقّف على الزمن الّذي عشناه؟ الحنين فخّ كبير لتلك الأرض وكلّ تاريخها، كلّ مَنْ سار عليها ومَنْ مات فيها. قبل اثنين وثلاثين عامًا كانت الحجارة توقد الثورات هناك تحت تلك السماء، وكانت سماء الشرق الحزينة هي مَنْ تودّع الشهداء في لحظاتهم الأخيرة، وهم يسقطون بأمل أنّ الحياة الّتي ترحل لها ثمن قريب. في بلادي فلسطين قبل ثلاثة عقود، كان القمر يرسل نوره كي يمسّد التراب فوق قبور الشهداء، ويروي قصصهم الّتي ماتت بعدهم.

اكتسبت سماؤنا وأشياؤنا هناك ملامح مَن عاشوا في ظلّها، أناس أحمل ملامحهم وقلبي ينبض بدمهم إلى الآن، حدّثتني السماء عنهم دون أن أفهم طيلة حياتي هناك، تلك الأحاديث الّتي لا تُتَرْجَمُ فينا إلّا عندما نبتعد، فنكتشف عبر المسافات ارتباطنا بذلك العلوّ ووفاءنا الحتميّ للوعود؛ لهذا فأنا لتلك السماء ولست لسماء باريس. أنا لتلك الدموع الّتي تعود بي إلى هناك كلّما صمتَ الليل وحدّق فيّ فوق النهر قمرٌ بليد لا أعرفه، وأمطرت السماء مطرًا لن يبلّلني أبدًا. أنا لذكرى هذا اليوم العاديّ جدًّا هنا، المليء بذكريات تحفظها السماء جيّدًا إن خذلناها نحن يومًا هناك.

  • آية رباح

  • طبيبة وكاتبة من غزّة، تخرّجت في كلّيّة طبّ فلسطين عام 2017. فازت بعدّة مسابقات للقصّة القصيرة باللغتين العربيّة والإنجليزيّة، وتنشر المقالات والقصص في مواقع ومجلّات فلسطينيّة وعربيّة.

المريد عن : أدب /نص /هجرة /اغتراب /الانتفاضة الأولى /فلسطين /باريس /فرنسا //حنين

 

 

You may also like

10 comments

Buster 11 أغسطس، 2020 - 11:04 م

Having read this I thought it was very enlightening. I appreciate you taking the time and energy to put this information together.
I once again find myself personally spending a lot of time both reading and leaving comments.

But so what, it was still worthwhile! adreamoftrains web host web hosting services

Reply
Randal 13 أغسطس، 2020 - 10:34 م

Hey There. I found your blog the usage of
msn. That is a really well written article. I will
make sure to bookmark it and return to read extra of your useful info.
Thank you for the post. I’ll definitely return.

Also visit my web-site … web hosting companies

Reply
Nidia 24 أغسطس، 2020 - 7:16 م

Hi there, constantly i used to check webpage posts
here in the early hours in the morning, because i like to find
out more and more. cheap flights yynxznuh

Reply
Mickie 5 سبتمبر، 2020 - 8:04 ص

I am not sure where you are getting your info, but good
topic. I needs to spend some time learning much more or understanding more.
Thanks for great information I was looking for this information for my mission.

Also visit my web site :: web hosting service

Reply
Immeste 25 يونيو، 2021 - 7:54 م Reply
pilates woodland hills ca 11 يونيو، 2025 - 10:21 م

772538 97491Some truly excellent articles on this internet website , regards for contribution. 372013

Reply
โคมไฟ 25 يونيو، 2025 - 1:18 ص

711481 147172This is such a terrific resource that youre offering and you give out at no cost. I appreciate seeing internet sites that realize the worth of offering a perfect helpful resource totally totally free. I genuinely loved reading your submit. 776340

Reply
บาคาร่าเกาหลี 20 أغسطس، 2025 - 2:14 ص

182357 159653when i was a kid, i enjoy to receive an assortment of birthday presents like teddy bears and mechanical toys, 425473

Reply
สินค้ากิฟฟารีน 1 أكتوبر، 2025 - 5:45 ص

780664 131441You might discover effective specific development of any L . a . Weight loss program and each and every youre extremely important. To begin with level is an natural misplacing during the too significantly weight. lose belly fat 6711

Reply
Ulthera 4 نوفمبر، 2025 - 1:17 م

843060 377420For anybody who is interested in enviromentally friendly things, may possibly surprise for you the crooks to maintain in mind that and earn under a holder merely because kind dissolved acquire various liters to critical oil to make. day-to-day deal livingsocial discount baltimore washington 211231

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili