ثقافة و فنونعربي “فرويد” على “نتفليكس”: دجل أدبي وتضليل علمي by admin 27 أبريل، 2020 written by admin 27 أبريل، 2020 264 المدن/ يارا نحلة / لم تظهر شخصية “فرويد”، أب التحليل النفسي وأكثر النفسانيين جدلاً حتى يومنا هذا، مثيرةً بما فيه الكفاية بالنسبة لصنّاع سلسلة “فرويد” الحديثة على “نتفليكس”. ولم يحظَ فكره الثوري آنذاك والخلافي اليوم، في ميدان الجنس والجنسانية، بإهتمام مؤلفي الفانتازيا التلفزيونية المعدّة للإلتهام الجماهيري الفوري، فأفرغوه من كل مضمون بإستثناء الجنس، وأسقطوا عن فرويد صفة “العالِم”، ليضحي مؤسس المدرسة النفسية الأولى، في عدسة “نتفليكس”، ساحراً ومشعوذاً. أقلّ ما يقال عن سلسلة “فرويد”، وهي من تأليف مارفين كرين وبنجامن هيسلر وستيفان برونر، أنها مضلّلة وذلك بدءاً من إستعارتها لإسم فرويد كعنوانٍ لها، وإقحامه في قصةٍ لا ينتمي إليها. أما طريقته العلاجية المركّبة فقد اختُزلت إلى صورة كاريكاتورية وخيالية عن التنويم المغناطيسي. ولم تعمد السلسلة إلى إستعادة سيرة فرويد، أو الأثر الذي خلّفه على علم النفس المعاصر، بل تقصّدت إبقاء تاريخه في الظلّ مقابل بثّ الخيال والخرافة في الأحداث. تجري الأحداث في فيينا في أواخر القرن التاسع عشر، وتتداخل معها الوقائع السياسية التي تأتي بأسرة هنغارية غريبة (مؤلفة من أخ وأخته وإمرأة قاما بتبنيها منذ الطفولة) إلى الإمبراطورية النمساوية هرباً من بطش المملكة في هنغاريا، وهذا بالرغم من إنحدار الثنائي من الأسرة التي أطلقت شعلة الثورة ضد النمسا. وبالرغم من حملهما لواء السلام والصداقة بين الدولتين، يتضح منذ البداية أن لهذه الأسرة مخططات مريبة، تشمل السيطرة على العقول وإخضاع البشر إلى أهوائها. ولبلوغ هذه الغاية، تستخدم الأسرة سلاحاً فتاكاً هو التنويم المغناطيسي الذي تتمرّس فيه، فتحوّل عبره الناس إلى أدوات لتحقيق رغباتها وأهدافها الملتوية. أين فرويد من كل هذه الغرائب؟ في الحقيقة، ليس فرويد أكثر من إمتداد لقصة هذه الأسرة، وخصوصاً الفتاة التي تبنتها، أو بالأحرى إخطفتها، من أجل إستخدامها في مشروعها الإنتقامي. تخضع هذه الفتاة إلى حلقات مستمرة من التنويم المغناطيسي كما تمارسه بدورها على أشخاص آخرين مما يجعلها تحيا في واقعين مختلفين إنشطرت بفعلهما شخصيتها إلى شخصيات متعدّدة. وهنا يأتي دور فرويد في تفكيك العقد والأوهام، ونزع الحجاب السحري والأسطوري عنها. إلا أنه بدلاً من ذلك يغرق هو الآخر في نزواتها وخيالاتها ويضحي واحداً من عوارضها الهستيرية. فرويد “نتفليكس” ليس الرجل المسنّ ذي النظرة الأبوية واللحية الشائبة التي توحي بالحكمة. فقد إختارت السلسلة إبرازه كشاب يافع ووسيم وإستبدلت غليونه بالكوكايين. لم تتطرق إلى أي من النظريات أو الأسس التي أرساها في علم النفس وفنّ تحليلها. على سبيل السخرية، قدّم فرويد نفسه في الحلقة الأولى كـ”دجال يهودي”. وفي الحقيقة، برهن فرويد نتفليكس أنه ليس أكثر من ثمرة دجل أدبي حوّلته إلى نسخة مبتذلة عن “شيرلوك هولمز”. لم يبذل المؤلفون أدنى جهد في خلق شخصية صادقة للطبيب العصبي الذي نظّر للشخصية وحقّق في دينامياتها المعقّدة وحلّ بعضاً من ألغازها. صوّروه، في المقابل، كمحقّق بوليسي أحمق، سهل الخداع والتلاعب به، ومطارد ساحرات عاشق للنساء والكوكايين. تتعاقب الأحداث باعتباطية دون أي سياق يؤطرها أو يبث فيها بعض المغزى. وما ينقص من تماسك في الحبكة تم التعويض عنه بالكثير من المشاهد المحشوة بالسحر الأسود، والجنس، والدم المنسكب. يبالغ المؤلفين في مدّ الأحداث بالإثارة والعواطف المتأججة الخارجة عن السيطرة، وهي إحدى طرق تعريف الهستيريا. ربّما لم تفلح السلسلة في تحليل وتفكيك الهستيريا، وفق مقاربة فرويدية، لكنها نجحت بالتأكيد في تجسيد هذه الهستيريا، بقصةٍ مضطربة وشخصيات أكثر إضطراباً. بالرغم من أنه لا يتعدّى كونه عملاً تجارياً معدّاً للتسلية، يشكّل مسلسل “فرويد” خطورة لا سيّما حين يتمّ وضعه في سياق الحرب الناعمة التي يشنّها النظام النيوليبرالي على المدرسة النفسية التحليلية نظراً لصعوبة إستثمارها على غرار الطرق والمناهج العلاجية الأخرى. تشارك اليوم هذه السلسلة، عن قصد أو عن غيره، في محو تاريخ التحليل النفسي وطمس إنجازاته ونزع الشرعية عن فلسفته، وهي فلسفة تسعى لتخليص النفس الفردية من إرتهانها للبنى السلطوية. تزرع نتفليكس في أذهان الأجيال المستهلكة لآلتها الدعائية أن هذه الفلسفة ليست أكثر من سحر أسود. أما الطب الحقيقي، فهو في عيادات المعالجين النفسيين المعاصرين، المطبعين بالكامل مع النظام العالمي بكل بناه السلطوية. 200 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هل تخلف كيم يو أونغ أخاها في حكم كوريا الشمالية؟ next post صرّافو لبنان يحتكرون السيولة.. هل من دور لحزب الله؟ You may also like كوستوريتسا يعود إلى الدراما العائلية وأسئلتها الكبرى 19 يونيو، 2026 الممثلة التونسية الوحيدة تواجه الجمهور برقة قاسية 19 يونيو، 2026 كيف كان الناس يعيشون الحبّ في زمن السلاطين؟ 18 يونيو، 2026 إبراهيم العريس يكتب عن: الألماني كيستن واصل مقارعة... 18 يونيو، 2026 مهى سلطان تكتب عن: ديفيد هوكني رائد الفن... 18 يونيو، 2026 “التياترو” فودفيل مسرحي مصري برؤية حديثة 18 يونيو، 2026 إبراهيم العريس يكتب عن: سيرة الطاعون الأسود في... 18 يونيو، 2026 رواية “ختم خزعل” تستعيد أحواز عربستان من الذاكرة 18 يونيو، 2026 قضية إبستين بوصفها إشكالا فلسفيا وسوسيولوجيا 17 يونيو، 2026 روائيون أميركيون يعيشون صراعا وجوديا بين الروغبي والفوتبول 17 يونيو، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ