ثقافة و فنونعربي الرسّام الجميل محمد شمس الدين لم يعد قادرًا على استنشاق الأوكسيجين by admin 28 مارس، 2020 written by admin 28 مارس، 2020 245 “النهار”/ محمد شرف / يرحل الرسّام محمد شمس الدين، باكراً، في الزمن الصعب. وإذ يُخيل إلينا أن هذا الوطن لم يعرف أزمنة سهلة، فإن ما نمر به الآن يتخطّى الموازين التي كنا نقيس على أساسها درجات الصعوبة ووقعها. يأتي خبر رحيل محمد شمس الدين كي يزيد نفوسنا كدراً، هي التي تبحث عن ومضة ضوء في ليل السياسة الحالك، والوضع الإقتصادي المتهالك، وجحيم الأوبئة. لم يكن في مقدورنا إلاّ أن نراكم في ذهننا هذه الأشياء كلّها التي حوّلت حياتنا أخيلة مبهمة، إلى أن جاء غياب محمد شمس الدين كي يكمل تلك الحلقة السوداء التي لا نرى ثقباً نتسلل منه خارج أشواكها. إذا كان ما يبعث على الأسف والحزن المخيّمين على النفس، في ما يختص بالواقعة، فهو ذاك المزيج بين العلاقة الشخصيّة التي ربطتنا بالراحل، والصفات التي كان يتحلّى بها، الموزّعة بين طيبةٍ لا تشوبها شائبة، وعلاقةٍ بالآخر تجهل لغة المصالح الضيّقة، وثقافةٍ فنيّةٍ لائقة. خاصيات عديدة ميّزت محمد شمس الدين عن سواه، لكونه لم يكن يلتزم قواعد مكتوبة، منصوصًا عليها في كتب “الإتيكت”، أكان في الحياة أم في الفن. “شمس”، كما كان يدعوه أصدقاؤه، كان حالة خارجة عن المألوف. الجديّة والعبثية جتمعتا في شخصه، وتصارعتا بخفة، أو بشيء من الضجيج والمزاح أحياناً، بحيث تكون الغلبة لإحداهما أو للأخرى، بحسب ما يقتضيه الظرف والمحيط. هكذا، كانت علاقته بالتشكيل مدار جدال بينه وبين نفسه من جهة، وبينه وبين المحيط من جهة أخرى، ولم تكن على الكثير من الثبات إلاّ حين يخلو إلى نفسه، بعد أن يكون محاطاً بالإصدقاء. يُخيّل إلينا أن شمس لم يكن قادراً على العيش من دون أن يكون محاطاً بخليل، وربما من الأجدى أن يكون محاطاً بسحر أنثى، صديقة أكانت، أم خليلة، أم عشيقة، يبدو أنه لم ينفك يبحث عنها. “قلبي مريض… فاليوم فقدت عشقي تحت الشجرة التي أحب”، كان يقول. في معرضه الأخير الذي شاهدناه، بحسب ما نعلم، ولا ندري إن كان قد أنتج من بعده أعمالاً أخرى، أرفق رسومه بكتابات: شعر وأفكار وهواجس من كل نوع، تشي جميعها بإختلاجات نفس مضطربة. لم يكن قادراً، في أي حال، على العيش خارج هذا الإضطراب، الذي كان يهوى معالجته بكأس وبلفافة تبغ، وبجلسة عامرة قد تمتد إلى أن يغيب الوعي الوجودي، مفسحاً الدرب أمام ضرب من سوريالية، قد نراها عملاً تشكيلياً في اليوم التالي، إذا ما تسرّب الصحو إلى مفاصله، ولم ترتجف يده أمام القماش أو الورق. شغفه بالرسم كان يمكن ملاحظته في غير مناسبة وموقف، وإن كان هذا الرسم منفلتاً من قيود أكاديمية، إلاّ إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وقد كان قادراً على الأخذ بهذا التحدّي. أحبّ الخط وتلاعب به. كان يعمل على خلق البقعة التشكيلية من طريق مراكمة هذا الخط، أو قد يجعله منفرداً من أجل تشييد مفاصل الشكل البشري. وإذا كنا قد أشرنا أعلاه إلى العبثية، فهي لم تغب عن هذه الرسوم، من دون أن تُفقدها الوزن الشعوري، بل كانت عنصراً مساعداً، وضرورياً ربما. ولا يمكن أن ننسى مائياته التي تنم عن شفافية تعتبر شرطاً واجباً لهذه التقنية، التي لا يحسن امتلاكها الكثيرون. كما لن نهمل أيضاً محاولاته في مجال التجهيز التي اتخذت طابعاً شخصياً بكل ما في الكلمة من معنى، إذ كان هو نفسه، أحياناً، جزءًا من العملية، وبطلها الوحيد. “لم أعد قادراً على استنشاق الأوكسجين”، كتب محمد حين كان وضعه الصحي لائقاً، إلى حد ما. كانت حالة شعورية، لكنها انقلبت عطباً بيولوجياً، على ما نعتقد، وإن كان خافتاً، لكن كان ينذر بما لا يوحي الطمأنينة. “نابالم الله أقوى من الخردل… وأرق من الموت السريع”. لقد خانك قلبك يا شمس. كان موتك سريعا، وخلّف لدينا الكثير من الألم. 47 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إلى الحجر الصحي من الحجر الصحي: روسو وروبنسون كروزو و”أنا” كاثرين مالابو next post Our Favourite Microsoft Workplace Templates For Statements With Net Terms You may also like ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ