من فيلم جورج ميلياس المأخوذ عن رواية _من الأرض إلى القمر_ (موقع الفيلم) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: واقعية الخيال في رحلة جول فيرن إلى القمر by admin 29 يوليو، 2026 written by admin 29 يوليو، 2026 13 لم تكن صدفة أن تبدأ السينما رحلتها في عالم المستقبل برواية الكاتب الفرنسي بإرهاصاتها العلمية اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب لم يكن السينمائي الفرنسي جورج ميلياس بعيداً من التطلع إلى المستقبل حين اختار أن يطلق إبداعه السينمائي المبكر جداً عند بدايات القرن العشرين، باقتباس، ولو محدود، لواحدة من روايتين لمواطنه جول فيرن تتعلقان برحلة إلى القمر كانت على أية حال رحلة ذهاب وعودة. فهو، أي ميلياس، كان في مقدوره أن يختار لفيلم خياله العلمي الأول، رواية أخرى تتعلق برغبة الإنسان، ومنذ أقدم العصور، في السفر إلى الكوكب الأقرب إليه والأكثر حضوراً في حياته اليومية، لكنه اختار نص جول فيرن تحديداً لأنه يتلاءم، وليس في نظره هو وحده فقط، مع عصر العلم والتقنية الجديد الذي أتت السينما لتعلن مجيئه في القرن الذي كان قد بدأ لتوه. فإذا كان المبدعون ومنذ العصور الإغريقية قد تنوعوا في مقاربتهم، الروائية غالباً، لمسألة الوصول إلى ذلك الكوكب، فإنهم في غالبيتهم العظمى لم يقربوا المسألة إلا في بعدها الغرائبي الصرف، كما فعل كتاب مثل الإغريقي لوسيانو الساموستي (120 – 180 تقريباً) في كتابه “الحكاية الحقيقية”، أو الفرنسي سيرانو دي برجيراك في “الحكاية الهزلية لدول القمر وإمبراطورياته”، أو حتى عالم الفلك الكبير كيبلر حين جرب حظه مع الكتابة الغرائبية في روايته “الحلم”، وغيرهم. صحيح أن كتابات هؤلاء كان يمكنها أن تفي بالغرض، لكن ميلياس فضل أن يدنو من الموضوع من منطلق علمي خالص يتواكب مع علمية الفن السينمائي، الذي كان أول الفنون ذات الطابع العلمي البحت في العصور الإنسانية الجديدة، حتى وإن كنا ننظر إلى فيلمه “رحلة إلى القمر”، الآن كمنتج غرائبي. جول فيرن (1828 – 1905) (غيتي) العلم والإبداع والحقيقة أن فيلم ميلياس الذي يعتبر البداية الحقيقية للسينما المسماة “الخيال العلمي” إذ حققه السينمائي الفرنسي (1903 – 1905)، (والذي أعاد المخرج مارتن سكورسيزي “اكتشافه” في فيلمه البديع “هوغو”، قبل دزينة من السنوات ونيف)، ليس في كليته فيلماً علمياً، ولا هو كذلك اقتباس حقيقي لرواية جول فيرن. وكذلك لم يكن هم مخرجه ومنتجيه نفس الهموم التي حدت بفيرن إلى إبداع تلك الرواية التي تعتبر من أشهر رواياته. ومع ذلك، يصلح الفيلم دائماً كوسيلة للتذكير بجانب أساسي من جوانب الفكر الذي انطلق الكاتب الفرنسي منه، أسوة بناشره الشهير “هتزل” الذي لم يخف على الإطلاق كونه انطلق من غاية محددة وهو يطلب من كاتبه الأثير أن يكتب تلك الرواية، بأهداف تعليمية خالصة، وليس أن يقدم على نشر عمل إبداعي كتبه فيرن لوجه الإبداع وحده. فالواقع أن رواية “من الأرض إلى القمر” التي صدرت في عام 1865 إنما صدرت ضمن سلسلة روايات تعليمية عنوانها “رحلات استثنائية” كان هتزل يصدرها وغايته منها المزاوجة بين المغامرة والتبسيط العلمي لأهداف تعليمية، إذ كانت السلسلة موجهة أصلاً للقراء الجدد من الصبيان والبنات متواكبة مع بزوغ عصر علم جديد. ومن هنا تتحدث “من الأرض إلى القمر” عن “رواد فضاء مبكرين” هم الفرنسي ميشال آردان، والأميركيان نيكول وإيمباي باربيكان الذين قرروا المشاركة في مشروع علمي فضائي يقوم على جمعهم داخل كبسولة مغلقة بإحكام يتم قذفها نحو القمر كي يصلوا إليه ويستكشفوه ويعلموا البشرية، إن هم عادوا منه سالمين بما سيعرفونه عنه. بوستر فيلم ميلياس (موقع الفيلم) هدف علمي إذاً، كان على جول فيرن أن يضع هذا الهدف المحدد نصب عينيه وهو يكتب حكاية تلك المغامرة التي سيثبت التاريخ أنها لم تكن مجرد إبداع خيال ما، بل كانت إرهاصاً بما سوف تتوصل إليه البشرية بعد ما يزيد قليلاً عن قرن من الزمن. ولسوف يتجلى ذلك البعد على أية حال في كون الكاتب وبعد أعوام قليلة من صدور تلك الرواية، وتحقيقها نجاحاً غير متوقع، سوف يصدر رواية أخرى مكملة لها عنوانها “حول القمر” تتحدث عن مغامرة أخرى لنفس الكبسولة ولنفس الشخصيات إنما هذه المرة، في رحلة العودة إلى الأرض التي كانوا انطلقوا منها. وبهذا يمكن القول إن الأدب الإبداعي وقبل أول رحلة حقيقية قام بها الإنسان إلى سطح القمر أواخر العقد الستيني من القرن العشرين، تناول بالمواصفات العلمية والتفاصيل التي تكاد تكون دقيقة، نفس ما “تنبأ” به فيرن في ثنائيته تلك. وبالتحديد على نمط التفاصيل التقنية التي توقعها. وما كان ذلك، على أية حال، إلا لأن جول فيرن، وبحسب تحليل النقاد والدارسين، إنما كان ابن زمنه، أي ابن عصر العلم والتقنية كما باتت ماثلة، وواعدة من ناحية أخرى، عند أواسط القرن التاسع عشر. وهو الأمر الذي تفسره الباحثة الفرنسية إميلي بيزار بقولها إن “المعارف العلمية والتقنية بدأت تظهر في منتصف ذلك القرن كموضوع منتشر بقوة في أوساط جماهير جديدة من القراء الشبان، الذين راحوا يقبلون على ذلك النوع من القراءة بفضل أساليب التبسيط العلمي التي باتت منتشرة”. اقرأ المزيد “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة اقتباس فرنسي لـ”سيرانو دي برجيراك” حقق “أعجوبة” فنية غير متوقعة الواقع يحاكي الإبداع بيد أن الطريف في الأمر هنا، وبحسب ما تقول الباحثة بيزار، إن فيرن نفسه لم يكن صاحب دراسة علمية هو الذي توجه بدراسته الجامعية إلى الحقوق، لكنه كان غزير القراءة واسع الثقافة وذا فضول يكفيه لكتابة كل تلك الروايات التي أوصلته وقراءه، حيناً إلى أعماق البحار وأحياناً إلى أبعد الأصقاع وإلى باطن الأرض وإلى الجزر المجهولة. ومن هنا نراه لا يتوانى هو الذي يخوض أبطاله أغرب المغامرات وأكثرها خطورة، عن الاستعانة بعلماء الرياضيات والكيمياء والمؤلفات الجغرافية وعلم البراكين، لتكوين كل تلك الصفحات وكل تلك الروايات التي تبقى حصة القمر منها أكبر الحصص شراكة مع أعماق البحار؛ كما تبقى تركيباته في الكبسولات الفضائية من أعظم التركيبات وأقربها إلى الواقع، أسوة بالمواصفات التي ابتكرها فأتى المخترعون العسكريون يحاكونها في تفاصيل التفاصيل، أحياناً في تطابق للرؤى ولكن في بعض الأحيان في استعانة معلنة بما كان هو قد توصل إليه قبلهم بعقود. مفكر رؤيوي والحقيقة أن هذا المنظور المتعلق بتلك المساهمات الأساسية في بزوغ عصر العلم، هو الذي جعل المجلة الفكرية الدورية التي تصدرها مجلة “لو بوان” الفرنسية تختار جول فيرن، وتحديداً من خلال روايته “من الأرض إلى القمر”، كواحد من أولئك الكتاب والمفكرين الرؤيويين الذين جمعتهم في ملف ممتع وعميق تحت عنوان “الرؤيويون” والذي كرست مجمل صفحاته لسبر كتابات وأفكار مدهشة تعبر عن أولئك الذين، وفي رأيها، “توقعوا مجيء العصر الذي نعيش فيه اليوم” كذلك نبهوا من أخطاره وانحرافاته وانزلاقاته ومكامن السوء التي بدأت تعتصره. وحسبنا لكي ندرك المكانة التي رأى هذا الملف أن جول فيرن يقتلها بأدبه “التنبيهي” و”التنبؤي” العظيم، أن نرى كيف وضع اسمه إلى جانب أسماء ألكسي دي توكيل وحنة آرندت وسيمون فيل وجورج أورويل وبول لافارغ واتش. دجي. ويلز وكينز، بوصفهم رفعوا الصوت عالياً منبهين البشرية، عبر كتابات فكرية أو إبداعية ونضالات في المؤتمرات والجامعات وعبر الفنون المتنوعة، مما يفعله الإنسان بنفسه في زمن ها هي الإنسانية تدمر فيه نفسها بنفسها، من دون أن تنتظر تلك العوامل الخارجية تأتيها لتفسد عليها كينونتها، من دون أن تدري من أين تهب عليها، العوامل التي لطالما شكلت عماد أدب الخيال العلمي وتوقعات الكوارث وما شابه ذلك. المزيد عن: المخرج الفرنسي جورج ميلياس جول فيرن الخيال العلمي سيرانو دي برجيراك مارتن سكورسيزي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post في “اندبندنت عربية”: مقاهي بغداد تصر على الحياة وتحضن أجيال الشاشات next post طلاق سياسي بين “الحمامة” و”الجرار” عشية انتخابات المغرب You may also like مصطفى الأنصاري في “اندبندنت عربية”: مصطفى الأنصاري في... 29 يوليو، 2026 في “اندبندنت عربية”: مقاهي بغداد تصر على الحياة... 29 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: أوديسيوس… البطل الهوميري... 29 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الأميركي هوبر يذم... 29 يوليو، 2026 في “اندبندنت عربية”: 13 رواية تتنافس على “البوكر... 29 يوليو، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: من يقين “طروادة”... 29 يوليو، 2026 فاروق يوسف في “الشرق الاوسط”: كاترينا غروس صانعة... 29 يوليو، 2026 شوقي بزيع في “الشرق الاوسط”: هل يمكن للشاعر... 29 يوليو، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الاوسط”: عازفان في لوحة... 29 يوليو، 2026 مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الشاعر شارل شهوان... 28 يوليو، 2026