آين راند (1905 - 1982) (غيتي) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: آين راند من روسيا البلشفية إلى أميركا الرأسمالية by admin 1 أغسطس، 2026 written by admin 1 أغسطس، 2026 19 الروائية “الأميركية” تغيب ثم تستدعيها الظروف حين تدعو الحاجة الطارئة إلى “فكرها” اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب هي بعد كل شيء من طينة أولئك المفكرين – الأدباء الذين مهما غابوا عن الأسماع والأبصار، ثمة ما يدعو إلى استعادة ذكراهم وذكرى أعمالهم ونشرها من جديد في مناسبات محددة. هي تلك المناسبات التي تدعو الحاجة إليها. فيبدو المستدعى ملائماً لأدوار يؤديها، وتبدو كتاباته مناسبة تماماً لتلك الأدوار، لكن هذا المفكر، وبعد أن يؤدي الدور المطلوب منه، يسارع بالاختباء بعيداً من واجهة الصورة كأنه لم يكن فيها ولم يمر بها أصلاً. آين راند هي في هذا السياق، من ناحية، المعادل النسائي الأميركي لجو ج أورويل، على سبيل المثال، لكنها في الوقت نفسه، نقيضته بالنظر إلى أن الإنجليزي الكبير، وصاحب “1984” و”مزرعة الحيوانات” حتى ولو حدث لفكره أن يستدعى لظروف تحتم ذلك، فإن ذلك الفكر لا يغيب عن الصورة بتاتاً، مقابل غياب آين راند، في هذه الأيام مثلاً، بعدما استعيدت إلى الواجهة مع حلول الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الثانية معيداً في طريقه هيمنة الاقتصاد التجاري كأبشع ما في المبادرة الفردية في تسيير شؤون العالم. وهكذا، مثلاً، بعدما بات أدب راند خلال العام الماضي ملء الأسماع والأبصار لمناسبة الانتصار الانتخابي الذي حققه العائد مظفراً إلى سياسات بلده الأميركي، ها هي تغيب الآن تاركتنا نتساءل: ترى هل يحين موعد عودتها قريباً؟ ومع ذلك رحلت آين راند عن عالمنا عام 1982 عن عمر يناهز الـ77 كواحدة من كبار مفكري النزعة الفردية والحس الطبقي المركانتيلي في الأدب العالمي. ابنة الشمال الروسي هل ترانا قلنا، الأدب العالمي؟ بالكاد يبدو هذا صحيحاً، وذلك بالنظر إلى أن آين راند ليست في الحقيقة سوى أليسا زينوفييفا روزنباوم التي حين ولدت عام 1905 كانت روسية ابنة لعائلة موسرة من عاصمة بلاد “الموسكوب” في ذلك الحين، سانت بطرسبورغ، وتزامنت ولادتها مع تلك الثورة الروسية الأولى لتعيش صباها في زمن الثورة الروسية الثانية، البلشفية وتنطبع بها والمأساة التي ستصحبها طوال حياتها هي التي ستكون ذكرياتها اللاحقة منصبة على صيدلية أبيها في المدينة وقد شهدت بأم عينيها مجموعة من الثوار الشيوعيين يستولون على صيدلية ذلك الأب، باسم “الشعب” طبعاً. وذلك في مشهد رأته بنفسها ولن يبرح خيالها أبداً بل سيسيّر حياتها بأسرها حتى اللحظات الأخيرة من تلك الحياة وكانت قد كفت منذ زمن بعيد عن أن تكون أليسا زينوفييفا لتصبح إلى أبد الآبدين، آين راند. في الأقل منذ ما بعد عام 1926 الذي هاجرت فيه في حمى أسرتها الصغيرة ومع ملايين الروس إلى الغرب لتصبح أميركية تماماً وواحدة من كبار الكتاب المدافعين عن كل ما هو أميركي، ولا سيما في مضمار السياسات الاقتصادية هي التي ستضحى خلال الربع الثالث من القرن الـ20 واحدة من المدافعين، وليس في الأدب الروائي وحده، عن القيم الفردية والمشروع الرأسمالي الصغير في مواجهة النمط الجماعي من مشروع الدولة المركزية، وهو ما سيمهد الطريق بالطبع لمجيء أمثال الرئيس دونالد ترمب إلى رأس السلطة الأميركية. آين راند دعت إلى الترمبية إذاً، قبل عقود من ظهور ترمب… واستعيد أدبها لدى تنصيب هذا الأخير في ولايته الثانية من دون أن يبدو من ناحيته أنه عرف شيئاً عن ذلك الأدب. ومن دون أن تتنبأ هي على أية حال، خلال أعوامها الأخيرة بوصوله وفكره إلى السلطة العليا في وطنها الثاني والنهائي، فما هو هذا الأدب؟ كتاب آين راند “نبع الحياة” (أمازون) مشروع فلسفي؟ هو أولاً وأخيراً أدب روائي في معظمه. أدب جعل من آين راند واحدة من أكثر الشخصيات الفكرية الأميركية إثارة للجدل في القرن الـ20. وهو مشروع يتأسس على النفور العميق الذي واكب حياتها بعدما صدم صباها، من كل ما يمت بصلة إلى الشيوعية وكل أشكال السلطة الجماعية. وهذا المشروع الأدبي الذي قام وتواصل انطلاقاً من ذلك النفور سيحمل أخيراً، وقد بات له رداء المشروع الفلسفي، اسم محدد هو النزعة الموضوعية. وهي النزعة التي، سواء كان ذلك في روايات الكاتبة، أو في نصوصها الفكرية الأخرى، تقوم على عدة مبادئ أساسية، كما يحلل دارسوها، من أهمها أن العقل إنما هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة كل حقيقة ممكنة، وأن الإنسان ينبغي أن يعيش وفقاً لمصلحته التي تمليها عليه عقلانيته لا وفقاً لمبادئ تتحدث مثلاً عن التضحية بالذات من أجل الآخرين. ومن هنا، ودائماً بحسب أولئك الدارسين، دافعت عن الرأسمالية الحرة بوصفها “النظام السياسي والاقتصادي الوحيد الذي يحترم حرية الفرد وحقيقته الطبيعية” وهي التي ترى أن “الإبداع والابتكار يصدران دائماً عن أفراد مستقلين، وأن المجتمعات لا تزدهر إلا عندما تترك للأفراد حرية العمل بعيداً من أية تدخلية سلطوية”. والحقيقة أن ليس ثمة دراسات فكرية متكاملة حملتها آين راند هذه الأفكار، بل هي دمجتها بوصفها مواضيع أدبية في عدد من رواياتها التي ستضحى الأكثر شهرة ومن أهمها “نبع الحياة” و”الإضراب”. ولعل في مقدورنا أن نقول هنا إن الموضوع الجوهري في كلتا الروايتين إنما هو تلك الكراهية التي ملأت حقائب أليسا زينوفييفا فيما كانت تغادر سانت بطرسبورغ طفولتها وصباها إلى فراديس العالم الحر، وملأت رأسها بحيث يمكن لهاتين الروايتين أن تعتبرا نوعاً من تصفية حساب عاطفي حتى وإن كانت أولاهما تتحدث عن شخصية مهندس معماري هو هوارد روك الذي يرفض تقديم أية تنازلات لمعايير المجتمع ولا سيما حين تتعارض مع قيمه الاخلاقية، وبخاصة مع قناعاته الإبداعية، فيما تبدو الثانية نوعاً من النص المضاد على سبيل المثال لتحفة فيكتور هوغو “البؤساء”. فإذا كنا نعرف أن رواية الكاتب الفرنسي الكبير قد جعلت من الأريحية والتضحية بالذات عالمها الأخلاقي، بل الفكري الكبير، فان رواية راند “الإضراب” الضخمة على أية حال، جعلت البطولة المطلقة لكبار السادة الصناعيين الذين لم تجعل لهم الكاتبة سوى هاجس واحد هو الإنتاج. الإنتاج المتواصل، المكثف الضخم الذي تزداد وتيرته باعتباره قيمة اجتماعية إنسانية كبرى. وفي هذه الرواية “الديستوبية” (والديستوبيا هي في الأدب قلب للتاريخ رأساً على عقب، كما نعرف) تقدم لنا راند أميركا متخيلة تعيش أزمة حاسمة في تاريخ معاصر إذ بات يحكمها عدد من سياسيين محترفين تافهين لا هم لهم بصورة يومية سوى الحيلولة دون ترك الأبواب مفتوحة أمام مبدعين مبتكرين من أفراد أذكياء نشطين همهم اليومي الابتكار والتجديد. وهم أشخاص يحملون أسماء فردية ويديرون اقتصادات البلد من خلال إدارتهم شركات تتماشى مع ما يجب على القيم الأميركية أن تكونه: دامني تاغارت الذي يدير شركة سكة حديد عائلية، وهانك بيرين الذي يحقق ابتكارات مدهشة في عالم التعدين التقليدي واليس فيات الذي يتمكن من العثور على البترول واستخراجه في مناطق لم يكن أحد يتوقع وجوده فيها. اقرأ المزيد سنكلير لويس تنبأ بترمب وجورج أورويل شرحه المعركة القاتلة التي اندلعت باكرا بين الثورة البلشفية والمبدعين الروس ضد جماعية ماركس وهكذا، إذا كان الاقتصاد يقوم لدى ماركس على رأسماليين يستغلون العمال، فإن ما تقترح علينا راند هو عكس ذلك تماماً: أن العمال في رواياتها هم الذين يستغلون الرأسماليين الأغنياء. في رواياتها ليست الدولة الشمولية سوى داعية شريرة تصادر كل الطاقات الخلاقة لتعيد توزيعها على أولئك الذين لم يبذلوا أية جهود لإنتاجها، فتضحية الفرد في سبيل المجموع ليست لديها فضيلة من الفضائل. ومن هنا فإن فلسفة هذه الكاتبة التي أرادت لنفسها أن تكون مفكرة مناهضة تماماً للماركسية، إنما تقوم على مبدأ أخلاقي فحواه أن الأنانية وحدها جديرة بأن تعتبر فضيلة حقيقية. ومن ثم فإن تلك الصرخة التي يطلقها في لحظة ما، جون غالت، وهو واحد من الشخصيات الرئيسة في رواية “الإضراب” (1975) وهو يقول: “أقسم على حياتي وعلى حبي لحياتي، بألا أعيش أبداً لما فيه مصلحة وفائدة سواي، وألا أطلب من سواي أن يبذل أية تضحية في سبيلي”. ويمكننا أن نقول مع الباحث الفرنسي جوزيف ليكاريه هنا، إن أهمية صرخة آين راند المدوية هذه، إنما تتأتى من كون الكاتبة قد أطلقتها كفعل إيمان في زمن كان فيه مجرد الحديث عن “أنانية” من هذا النوع جريمة أخلاقية. أطلقتها من دون أن تبالي ومن دون أن تتوقع أن زمناً سيأتي بعد ثلثي قرن وأكثر تصبح تلك الصرخة فعل إيمان يركب هامة البيت الأبيض نفسه عند نهايات الربع الأول من القرن الـ21. المزيد عن: آين راند جو ج أورويل روسيا البلشفية فيكتور هوغو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post جمال نعيم في “اندبندنت عربية”: هل تستطيع الحضارات أن تعود إلى الوراء؟ next post علي عطا في “اندبندنت عربية”: رحلة البيتزا من نابولي عصر النهضة إلى زمن العولمة You may also like “بوبية” فيلم جزائري يستلهم العشرية في كوميديا سوداء 1 أغسطس، 2026 جمال نعيم في “اندبندنت عربية”: هل تستطيع الحضارات... 1 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: السجال المستعاد حول... 1 أغسطس، 2026 عبد الكريم الحجراوي في “اندبندنت عربية”: مقاربة بانورامية... 1 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: سيمفونية بيتهوفن الثامنة... 1 أغسطس، 2026 الرقصات الشعبية في مصر… تمايلات الهوية 31 يوليو، 2026 مصطفى الأنصاري في “اندبندنت عربية”: كيف أيقظت “الأوديسة”... 29 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: واقعية الخيال في... 29 يوليو، 2026 في “اندبندنت عربية”: مقاهي بغداد تصر على الحياة... 29 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: أوديسيوس… البطل الهوميري... 29 يوليو، 2026