الخميس, مارس 12, 2026
الخميس, مارس 12, 2026
Home » جهاد الزين: تأملات في (ماضي) مستقبل المنطقة (4) .. الأساطير المؤسِّسة للاستخدام المسلّح للبنان

جهاد الزين: تأملات في (ماضي) مستقبل المنطقة (4) .. الأساطير المؤسِّسة للاستخدام المسلّح للبنان

by admin

لبنان الذي دخل الحرب الأهلية عام 1975 بسبب الخلاف على الموضوع الفلسطيني بين اللبنانيين لم يقدِّم عسكريا ولا يستطيع أن يقدِّم أي تعديل في ميزان القوى العسكري العام مع إسرائيل

النهار  اللبنانية – جهاد الزين

يا دماً يتخثّر يجري صحارى كلامْ

يا دماً ينسج الفجيعةَ أو ينسج الظلامْ

إنْقرضْ إنْقرضْ سحرُ تاريخك انتهى

واعْذري واغْفري يا قرونَ الغزالات يا أعينَ المَها

أدونيس

( من مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف)

كان لدى ياسر عرفات خلال إقامته في تونس بعد إرغام الاحتلال الإسرائيلي له على مغادرة بيروت مع الجزء الأكبر من قوات منظمة التحرير الفلسطينية، مكتب متابعة يومي من ضمن هيئة مستشاريه، أحد المستشارين الذين يتقنون اللغة العبرية. كانت مهمة هذا المستشار الاستماع إلى الإذاعات الإسرائيلية وقراءة ما يصل من الصحف الإسرائيلية صباح كل يوم وتزويد ياسر عرفات بتقرير عن الاتجاهات السياسية والعسكرية والاجتماعية في إسرائيل. كان هذا المستشار شخصا محببا وطريفا ولديه في محيط الزعيم الفلسطيني الراحل أصدقاء لاذعون وبودٍّ تجاه شخصه. كانت من جملة التعليقات التي يطلقونها على آرائه، وقد سمعت ذلك لاحقا من أحدهم في باريس، أن “فلان الفلاني يسمع الإذاعة الإسرائيلية ويتأثر بعدد الآراء المتناقضة والمشاحنات والمناقشات بين الإسرائيليين ثم يذهب إلى ياسر عرفات ليقول له صباح كل يوم أن الحرب الأهلية بين اليهود في إسرائيل ستبدأ غدا”.

علّمتنا التجارب أنه لاشيء يصنع الحس الساخر لدى الشعوب والنخب مثل الهزائم. كانت تلك فترة تستعيد فيها النخب الفلسطينية وبمرارة ومن منافيها المتعددة الجديدة يومذاك وبينها باريس، تستعيد تجربتها في لبنان وتضخّها بكمية وافرة من النقد والتهكم. ولكن بقدر عال من التحسّر والحب على زمن بيروت. كان المصريون قد سبقوا الفلسطينيين بخمسة عشر عاما عندما أطلقوا النكات الجارحة والظريفة والذكية بعد حرب حزيران مثل محطة باص نقل الركاب التي سمّوها “محطة المطار السري” تهكّماً على الانكشاف التام للقواعد الجوية المصرية في عام 1967. في حين ستختفي هذه الظاهرة بعد حرب أكتوبر 1973 بسبب الإنجازات الكبرى التي عاد وحقّقها الجيش المصري لاسيما تحطيم خط بارليف الشهير على الضفة الشرقية من قنال السويس ولو لم تكتمل تلك الحرب بانتصار مصري حاسم بسبب المسارعة الأميركية الضخمة إلى دعم الجيش الإسرائيلي.

رؤية الديموقراطية الإسرائيلية على أنها حرب أهلية ونقطة ضعف “جوهرية”(!) في الكيان الإسرائيلي كانت من أخطاء جيل كامل في الصراع العربي الإسرائيلي وليس فقط خطيئة ذلك المستشار الظريف الذي أطلق ذات يوم مقولة “نتائج حرب لم تقع” على أزمة 1978 بين إسرائيل ومنظمة التحرير داخل لبنان والتي توغّل فيها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وعاد بعدها ليشدِّد قبضته على ما سيصبح الشريط الحدودي مضافاً إليه معظم منطقة جزين حتى عام 2000.

منذ العام 1975 لا يحظى اللبنانيون بفرصة بل فرص إظهار قدراتهم المدنية ثقافةً وإعلاماً وسياسةً واقتصاداً وعلوماً وانتشاراً دياسبورياً في دعم قضية الشعب الفلسطيني، على الأقل بشكل كافٍ عبر انشغالهم وإشغالهم بالصراعات المليئة بالسلاح. بهذا المعنى ومن الزاوية اللبنانية تُشكِّل “محطة” 1975 – 1990 منعطفاً لمسار من الخسائر النضالية المدنية في دعم الشعب الفلسطيني لا تزال مستمرة إلى اليوم. حتى لو كانت منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها هي الطرف الآخر في الصراع على الأرض اللبنانية فإن حرب 1975 – 1990 كما ظهرت لاحقا كانت هدرا لفرص ما كان يستطيع لبنان القوي بقوته المدنية أن يقدّمه في خدمة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.

لبنان الذي دخل الحرب الأهلية عام 1975 بسبب الخلاف على الموضوع الفلسطيني بين اللبنانيين لم يقدِّم عسكريا ولا يستطيع أن يقدِّم أي تعديل في ميزان القوى العسكري العام مع إسرائيل بينما القدرات المدنية الهائلة التي يتمتع بها لبنان ومن ضمنها مؤسساته التعليمية والثقافية تخوّله لعب أدوار أهم وأكثر فعالية من الوسيلة العسكرية.

لاشك، والأمور متداخلة ومعقّدة، أن تلك المرحلة أفرزت حمل سلاح لبناني لتحرير الأرض اللبنانية المحتلة فبدأ الحزب الشيوعي اللبناني من ضمن بقايا تشكيلات الحركة الوطنية استخدام السلاح ضد الاحتلال الإسرائيلي وتواكب ذلك مع انطلاق المقاومة الإسلامية و”حزب الله” بزخم إيراني تنظيمي ودعم سوري في حمل السلاح وهي المرحلة التي انتهت في العام 2000 وأسفرت بتلازم الجهدين العسكري والديبلوماسي اللبناني عن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.

قوة لبنان في قوته:

النقطة الأولى هنا هي أن وجود خلاف بين اللبنانيين على فكرة حمل السلاح دعما للفلسطينيين كان على المستوى السياسي خلافا بين النصفين المسلم والمسيحي بينما هو اليوم خلاف بين أكثريات الطوائف المسيحية والسنية والدرزية وقسم من النخبة والجمهور الشيعيّين مقابل سيطرة للثنائي الشيعي على أغلبية شيعية أي عمليا بين أكثرية لبنانية لا تريد حمل السلاح دعما للفلسطينيين بل ترغب بدعمهم مدنيا وبين أقلية ولو كبيرة مصرة على حمل السلاح الذي أصبح جزءا من الصراع العربي العربي والإيراني العربي وليس من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

النقطة الثانية هي أن البيئة اللبنانية لم تكن يوما فارغة من دعم قضية فلسطين، كيف نحصي حركات التضامن هذه قبل تأسيس إسرائيل وبعد تأسيسها. لا نستطيع أن نحصيها حتى لو ظهرت حركات في الاتجاه المعاكس ولكنها محدودة قياسا بالأولى.

ولئن كانت عقدة ذنب الدولة اللبنانية في ما أصبح بنية سياسية داخلية لبنانية مبنية على عقدة الذنب هذه، من ضمن طبعا جو عربي عام، لئن كانت هذه العقدة قادرة وبشكل مبالغ فيه أحيانا، لا بل ونحن نعيد القراءة التاريخية ل”العقدة”، بشكل ظالم في الكثير من الأحيان لميزات لبنان الثقافية والسياسية والإعلامية كمنبر لا مثيل له في معظم العالم العربي، ولربما في العالم، فنادرا في التاريخ الحديث للمنطقة ما أصبحت ملامةٌ تعتمد على مطالبة بدور عسكري وهمي في معظم الأحيان مادةً تُبنى عليها تركيبات سياسية دولتية.

النقطة الثالثة: لم يحن الوقت بعد لقراءة حقيقة ما يجري في هذه المرحلة الراهنة من تاريخ لبنان. قبل 1975 كانت التهمة القاتلة والكاسرة للدولة اللبنانية، هي هدر حقوق المياه الذاهبة لإسرائيل من نهر الليطاني وروافد الحاصباني والوزاني، واليوم من المذهل الانتباه إلى أن شيئاً جوهريا لم يتغيّر عن ذلك الوضع. لا زالت مياهنا مهدورة وتذهب نحو الكيان العبري الذي يستفيد منها وحده عدا بعض المقاهي اللبنانية الشعبية على جزء من مجرى الوزاني. ناهيك عن الانتهاكات اليومية للطيران الحربي الإسرائيلي حتى بيروت وأبعد. فماذا تغيّر عن زمن ما قبل 1975 ؟! أطلق يساريو الجنوب السعداء يومها ب”فضح النظام” على طائرة الاستطلاع الإسرائيلية التي تنتهك أجواءه اللقب الشهير “أم كامل” وما كانوا يعرفون “أي منقلب سينقلبون” فماذا نسمّي طائرات اليوم ولم تكن المسيَّرات قد ظهرت بعد؟

الفارق اليوم لا أحد يتكلّم بسبب نظرية مقاومة عسكرية غير موجودة عملياً.

أين ذهب كل هذا الإرث في الجامعات والصحافة والتلفزيونات والمنابر البيروتية والطرابلسية والصيداوية وغيرها في دعم وتسليط الضوء على معاناة ونضالات الشعب الفلسطيني في بلد تَشارك إرثُه المقاوم العسكري، مع قرار شهير من الشرعية الدولية هو القرار 425 في جعل إسرائيل تنسحب من أراضيه التي احتلّتها. تشاركٌ يُدرس في أرفع معاهد العالم كنموذج لتلاحق نضال غيريللي مسلح مع ديناميكية دولية فعالة ممثّلة بالقرار 425.

النقطة الرابعة:لا يمكن الاستمرار في حكم البلد وتغيير شخصية لبنان التي تحظى بسمات مكانة عالمية رغم كل الفقر واليباس بل والجهل الذين طبعوا ممارسات طبقته الحاكمة المتعددة الطوائف منذ عقود. لا يمكن الاستمرار في ظل أيديولوجية مقاومة عسكرية صارت وهمية بعد العام 2000 وحتى لو تخللتها حرب اختبار قاسية بين القوة الإسرائيلية والنفوذ الإيراني عام 2006 وانتهت بتدمير جزء كبير من لبنان، خصوصا جبل عامل وضاحية بيروت الجنوبية.

لبنان القوي بقوته في الجامعات والمدارس (التي وُلِد منها مشروع لبنان الصغير ثم دولة لبنان الكبير)، والمستشفيات والصحافة بأشكالها المختلفة والمنظمات غير الحكومية والتنوع الطوائفي وما ينتج عن ذلك من تقاليد ليبرالية سياسية وفكرية واجتماعية حتى لو بدا هذا التنوع عبئا سياسياً ثقيلاً بسبب ممارسات الفساد والتخلف وإلحاق الدولة المركزية في بيروت لأكثر ممارسات الطائفيّات السياسية جشعاً وشراهةً توظيفيةً ونهبوية.

الدياسبورا اللبنانية هي طبعا ليس فقط جزءا من هذه القوة في القوة بل هي جزء حيوي قادر على ضخ حيويات الداخل أو بقاياها بديناميكيات متجددة مالياً و خبراتياً حتى لو بدت قدرة هذه الدياسبورا على لعب دور سياسي في الإنقاذ محدودة والأصح مُعرقَلة حاليا إلى أن تسنح ملامح مرحلة جديدة في المنطقة ولبنان.

  • ••••••••••••••••••••••••••

بالنتيجة ينبني الواقع العسكري الإيراني في لبنان على عدد من “الأساطير المؤسِّسة”:

الأسطورة الأولى: المقاومة العسكرية لإسرائيل. غير موجودة عملياً بعد العام 2000 ومقابل ذلك تحويل لبنان إلى قاعدة انخراط في صراعات دول أخرى وخصوصا اليمن.

الأسطورة الثانية: ردع إسرائيل. العكس صحيح فإسرائيل عادت كما كانت قبل 1975 تنتهك يوميا الحدود البرية والجوية والبحرية اللبنانية من دون رادع سواء داخل لبنان أو عبر لبنان لقصف مواقع داخل سوريا ودون أي رد.

الأسطورة الثالثة: الدفاع عن السيادة اللبنانية. وهي فكرة دعائية وظيفية يجري تطبيق عكسها إذا نُظر إلى السيادة من زاوية إرادة أكثرية اللبنانيين الراغبة بعدم استخدام لبنان منصة عسكرية والحاضرة دوماً ليكون لبنان منصةً بل منصاتٍ مدنيّة ثقافية تربوية لدعم الشعب الفلسطيني.

الأسطورة الرابعة: الدخول في الحرب السورية حمى لبنان من امتداد الإرهاب الأصولي الداعشي والقاعدي.

بسبب تعقيد الموقف، فهذه الرابعة ليست أسطورة كاملة! لأن فيها بعض الحقائق العملية. وهذا ما يجب الاعتراف به. لكنها تصبح أسطورة كاملة حين يُنسب التحول الذي طرأ على الوضع السوري للدور الإيراني والتشكيلات التي ضخّها في الصراع، اللبنانية منها والعراقية وغيرها. لأن المنعطف الاستراتيجي الذي قلب المعادلة في سوريا هو التدخل العسكري الروسي. حتى النقطة المتعلقة بلجم امتداد الإرهاب الداعشي فقد سبق للجيش اللبناني في تجربة نهر البارد أن أوقف بل قضى وحده على امتداد أصولي وكان يمكن له أن يقوم بالمهمة نفسها أمام “داعش” و”النصرة”مع العلم أنه ساهم في معارك جرود عرسال مساهمة فعّالة جدا ولو لم يكن وحده فيها في كل المراحل.

لا تعيش المنطقة في الماضي بل تحت سيطرة قوى دافعة نحو الماضي باعتباره تخلفاً وعجزا ودولَ تَسَوُّلٍ على رأسها لبنان. يجب أن نكون حاسمين في اختيار التفوق الحضاري للغرب رغم الظلم الإسرائيلي المتواصل…للشعب الفلسطيني. وهو خيار حتى قوة دافعة نحو الماضي أو ماضي المستقبل إذا جاز التعبير كما هي إيران الحالية، اختارت نخبةٌ ضخمة من نخبها القيمَ الغربيةَ بمعزل عن عدم قدرة هذه النخب على التعبير السياسي عن هذه الإرادة. كان يكفي أن نشهد عبر التلفزيونات والأقمار الصناعية ووسائل التواصل صورَ ملايين الشباب والشابات في شوارع طهران والمدن الإيرانية يرحبون بكامل ذكائهم وحيويتهم بإعلان إنجاز الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران حتى تصلنا الرسالة: فهذا الجيل الشبابي الإيراني، شباب الأمة – الدولة الإيرانية تَعِبَ من الحروب الأيديولوجية والعسكرية والمذهبية والاستعارية (من استعارة) والاقتصادية ويريد السلام والتقدم والانفتاح على الغرب. وكان في الترحيب الغامر بالاتفاق النووي تشجيعٌ شبابي للنظام الديني على تحويل الاتفاق إلى نقطة تحوّل ومراجعة لسياسات أرهقت الدولة والمجتمع الإيرانيين، وفي العمق كنا نقرأ في تلويح الشباب والشابات من نوافذ السيارات في شوارع طهران عام 2015 رسائل رغبةِ لَبْرَلَةٍ سياسية وثقافية بعيدا عن صرامة الأيديولوجيا، طالما عبّرت عن نفسها هذه الروح الشبابية الليبرالية اعتباراً من التسعينات من القرن المنصرم التي تلت انتهاء الحرب مع العراق في الثمانينات السابقة لها.

كيف فهم النظام الديني الرسالة الشبابية عام 2015؟ هل خاف من نجاحه يومها؟ لا نعرف. لكن سنعرف إذا كان للاتفاق النووي أن يتجدّد عام 2022. ففي التخطيط الاستراتيجي للنظام الإيراني، نكهة تلك الرسالة وتأثيرها عليه سلباً أو إيجابًا دور مهم في قرار تجديد الاتفاق أو عدمه بين الاعتبارات والمجازفات الأخرى.

j.elzein@hotmail.com

Twitter: @ j_elzein

 

 

You may also like

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00