بأقلامهمعربي حسن داوود عن «الحياة تحت الصفر» : نشتقّ أشخاصا منا لحمايتنا أو لخدمتنا by admin 22 يوليو، 2021 written by admin 22 يوليو، 2021 310 القدس العربي \ حسن داوود – كاتب لبناني أتساءل، وأنا أقرأ القصيدة الأولى من مجموعة عباس بيضون الجديدة، ما الذي كان يفعل هو، أقصد جسمه، أو رأسه، أو كليهما معا، حين يتكرّر الزمن «على طول هذا اليوم». أو ربما كان الشاعر هو الذي يسأل أولا، إذ يقول إنه أحيانا، «وأحيانا فقط» سنحصل على عطلة أمام التلفزيون». ما الذي كان قبل هذه العطلة إذن، وما الذي سيكون من بعدها. إنها «حياة مُعارة» تلك التي تتكرّر. ربما ما نفعله هو العدّ، عدّ أشباه الأمس، أشياء الأمس. الحياة «عدد يكبر ببطء». عدد نسجّله فقط، لأننا نعدّ، وها أن العدّ وصل إلى عشرين نفثَها القرنُ «عشرين عاما نافقا». هذه، أعوام العمر الأخيرة، «عجزت عن أن تكون ماضيا» حتى إنها لا شيء. سنوات سقطت منا، أو «عقود سنين/ كوجبة أسنان بصقناها». نعيش في زمن لم نعد موجودين فيه. كان علينا، في منافي الغرف التي توزّعنا فيها، أن نقاوم العزلة، بأن نشتقّ أشياء منا لترافقنا، لتؤنسنا أو لتخدمنا؛ شخصا واحدا، شبحا، شيئا مثل هذه (…) الثلاث نقاط، لا ضرورة لأن نعرف ما هو أو ما هي، يعبر أو تعبر من شقّ الباب، ويترك «على المقبض/ نظرته الماحية» أو نشتقّ شخصا «اتكلمّ معه/ ليفسح لي جنبه» على السرير، إذ اللاشيء، حتى اللاشيء، مسكون بالخطر. والرعب كذلك، وهو حين يأتي غالبا ما لا يحتاج موضوعاً. أتساءل وأنا أقرأ قصائد عباس بيضون العشرين كيف أمكن لإحداها، بل لكل منها، أن تستقلّ عن الأخريات، لشدة ما هو صعب تفتيتها من كتلتها الواحدة، أقصد ذلك الاختناق الواحد الذي يصعب أن يسمّى قبل أن نقول إنه يصعب أن يوصف، كما يصعب أن يُكتب، ذلك العيش الذي لا يمكن أن نفعل فيه غير ملاحظة التشابه، وغير عودة التكرار، كيف يمكن أن نخلق له عالمه، بل أن نوزّعه على عشرين قصيدة. النفي في الغرف ذاك ظننَا، مع انحباسنا وتوارينا، إنه لن يكون إلا مرحلة سبات علينا انتظار وقت انقضائها. فقط عند انتهائها، أو الإعلان عن انتهائها، نعود إلى ارتداء ثياب الخروج التي أودعناها الخزائن، واستئناف الحياة التي كانت قد انقطعت. ثم كيف يمكن وصف المنفى، أو المرض، أو العدوى، أو كل هذه معا، في ما كل منها ما يزال في أوج نشاطه. ربما كنا نظن، بل ربما ما زلنا نظن أن علينا أن ننتظر انتهاء ذلك «الشيء» حتى نتمكن من وصفه. أما عباس بيضون فيستطيع أن يستخرج من قطعة الألم، من ذلك النيزك الغامض المتجمعة كتلته، كلاما يقال في فهمه. إنه يفتّته، ساعيا على الدوام إلى بلوغ نواته. يخطر لمن يقرأ هذا الشعر أن يقول إن ما يسوقه إلى ذلك الفهم حاسّةُ الألم، اليقِظة على الدوام، أو ربما هي حواس أخرى تقوم على إيجاد شبه بين شيئين، أو أشياء لم يُنْتَبه إلى أنهما تلاقيا أو تماسّا من قبل. أو ربما هي الأشياء نفسها تنتقل (له) من مكان إلى مكان لم تعتدْه، مثلما حين يقول «ألمُكِ ينتقل إليّ/ إنها أيضا عدوى» أو «لم نعد الآن/ سوى نسخ لهذا النهار الأعزل» أو «نهار واحد ينحني علينا/ عائد من المختبر/ حيث رقّ كثيرا تحت الغسل». كل ما يُقال في وصف هذا النيزك يجيء من مادّته نفسها، إذ لا شيء مما قيل أو كُتب، أو استُعمل من قبل يمكن أن يفيد في وصف ألم إبان حدوثه الأوّل، لذلك، في ما نقرأ شعر عباس بيضون علينا أن نجدّده، أي أن نجدّد قراءتنا له، لأنه يحرص على أن يأخذ اللغة من حيث تتألّف عنده، من دون تلك الطلقة الممغنطة التي تدفع بالكلمة إلى أن تلتصق بالكلمة، من غير انتظار أن تُستدعى إليها. قرأنا قصائد هذه المجموعة قبل صدورها في كتاب، دونا في ذلك كأننا نطّلع على ما يشبه أجندة شعرية لوقائع الوباء وتحولاته فينا. ليست قطعا من شكاوى أو من معاناة تكتب في جمل سريعة على الفيس بوك، بل راية انكسار تُرفع من ذلك الشق في باب الغرفة، لتشاهَد رفرفتها من شقوق أبواب كثيرة أخرى. مجموعة عباس بيضون «الحياة تحت الصفر» صدرت عن دار نوفل في 108 صفحات، لسنة 2021. كلمات مفتاحية حسن داوودعباس بيضون 34 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post دلال البزري من تورنتو : انفجار المرفأ ينْعش ذاكرة الحرب الأهلية next post هل اشترت السعودية والإمارات والمغرب أجهزة تنصت إسرائيلية؟ You may also like عبد الرحمن الراشد يكتب عن: تنصيب خامنئي الثَّاني 11 مارس، 2026 ساطع نورالدين يكتب عن: في الحاجة الملحة الى... 11 مارس، 2026 علي واعظ يكتب عن: رهان ترمب في إيران 11 مارس، 2026 شيرا عفرون تكتب عن: إسرائيل بعد حرب إيران 11 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب عن: الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين 10 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: حرب تغيير الملامح 10 مارس، 2026 داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط... 8 مارس، 2026 دانيال بايمان يكتب عن: هل لا يزال “حزب... 8 مارس، 2026 ريتشارد فونتين يكتب عن: الحرب على طريقة ترمب 8 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: نهاية إيران كقوة... 8 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ