بأقلامهم دلال البزري من تورنتو : لبنان الجنّة لبنان النار by admin 30 يوليو، 2026 written by admin 30 يوليو، 2026 11 لا شيء يغير في لبنان عُرفاً ذا صفة “دستورية”، يفرض أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً ورئيس الحكومة سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية يعترف لبنان بعدد قياسي من الطوائف. ثماني عشرة، منها الطائفة اليهودية. ولكل طائفة حقوق قانونية متساوية في الأحوال الشخصية والتعليم والأوقاف والجمعيات والأعمال الخيرية. كثيرون يشبّهون لبنان بسويسرا وبلجيكا والبوسنة والعراق وإيرلندا الشمالية. ولكن كل واحدة من هذه الدول تستوفي شرطاً، وتفتقر إلى شرطين أو ثلاثة. ثم، انظر بعد ذلك إلى تلك الاستثنائية: لا شيء يغير في لبنان عُرفاً ذا صفة “دستورية”، يفرض أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً ورئيس الحكومة سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً. وملحق بهذا “العُرف” الأقرب الى الأبدي، قانون انتخابي، لا تتغير فيه إلا الغنائم الطائفية لصالح تعديل بسيط لمصلحة أو ذاك أو ذاك من الزعماء الطوائف، ارتفعت أسهمه إثر هذه الواقعة أو تلك. وعلى كل حال، وكما أثبتت الوقائع، يستطيع اللبنانيون أن يتدبّروا أمرهم من دون كل أولئك الرؤساء. سواء كانوا من خارج “السرب” أو داخله. كم من السنوات مرّت من دون رؤساء، من دون الحاجة إلى خدمات “الدولة” التي يمثلون. لأن لدى الطوائف، بالقانون وبغيره، مستشفياتها، وبلدياتها، وكهرباءها، ومدارسها، وجامعاتها، وأوقافها، وأحزابها ومحاكمها للأحوال الشخصية، وإعلامها، وشبكاتها الاقتصادية ومجتمعاتها الخيرية و”المدنية” والأهلية، إلخ. لماذا؟ لأن للدولة اللبنانية العميقة معنىً خاصاً واستثنائياً أيضاً: من القمة حيث يتربع “شريك” في السرب، وحتى القاعدة، حيث أشدهم تواضعاً، أقلهم إرثاً أو عدّة او إمكانات… التوزيع شبكي طوائفي، يعتمد قوة الحزب أو الزعيم في فرض “الموظف” هنا أو هناك. في جميع الإدارات العامة، الجيش، القضاء، الجامعة الرسمية، (غير الرسمية أصلاً تابعة لطائفة)، في الأجهزة الأمنية، وسط عمال المرافق الرسمية الحدودية… القاضي، المدير العام، الضابط، الوزير، وحتى حمّالو المطار… جميعهم يمثلون طائفته، لا دولته. محاصصة طائفية واستغناء عن “الدولة”. وديمقراطيتنا توصف بـ”التوافقية” لحجب عنادها غير الديمقراطي وأزلية تقسيم العمل بين طوائفها “الكبرى والصغرى”. ولكن أيضاً لدينا انتخابات وتعدّدية دينية وحزبية وإعلامية وبرلمان وحكومات. هذا كله، ونحن أكثر من كتبَ ونادى بالعلمانية من بين العرب جميعاً. أكثر من تنوّع بالكتابات العلمانية، وأكثر من تنوّع في الانتماءات الدينية لأصحابها. تفوقنا على مصر وسورية وتونس والعراق. في معظم القرن الماضي، وظّفنا تنوعنا الطائفي وحرياتنا، كتبنا ونشرنا ممنوعات علمانية، انتقدنا الطائفية وفنّدناها ودعونا إلى تبنّي المواطنة وإقامة ديمقراطية حقة ودولة حديثة وحقوق النساء، وانتقدنا أكثر من غيرنا السلطة الدينية. وتوغّلنا في الجذور التاريخية للنظام الطائفي، وفي عوائق بناء الدولة الحديثة، وتقدمنا بحلول إصلاحية أو ثورية تتجاوز هذا النظام. لم نكتفِ بالإنتاج الفكري. أسّسنا أحزاباً علمانية تقدّمية، تفوّقت كمّاً ونوعاً وحشداً على نظيراتها العربيات. لا تنظر إليها اليوم، وقد هرمت وانكمشت أكثر من هذا: لم نكتفِ بالإنتاج الفكري. أسّسنا أحزاباً علمانية تقدّمية، تفوّقت كمّاً ونوعاً وحشداً على نظيراتها العربيات. لا تنظر إليها اليوم، وقد هرمت وانكمشت. كان لها عصر ذهبي، وهيمنة على العقول الشابة ومنافسة قوية بينها وبين أعتى التقليديين. اليوم نذكُرها كما لو كانت أثراً بعد عين: شيوعيون، بعثيون، قوميون عرب، ناصريون، مناصرون للقضية الفلسطينية… اختفوا من المشهد. وإن حضروا، فباهتون، معتذرون عن طريقتهم القديمة المتهالكة في التفكير. والأكثر نشاطاً بينهم يخترع ما يخرجه من هذه الطريقة، باختراعه “طريقاً ثالثاً”، أو “خياراً ثالثاً”. الغالبية العظمى من المنضوين تحت جناح هذه الأحزاب والتيارات كانوا من الشباب الشيعي. عوامل كثيرة أخرجتهم من الفقر والتهميش. أعمقها: التعليم الرسمي المجاني، إرث الرئيس فؤاد شهاب، واضع مدماك الدولة المهدورة. وهدر إرث الدولة ملازم لهدر إرث التيار العلماني والتقدمي… الذي أتاح للشباب الشيعي التحول، من الحرمان الى كتلة تتمتع بديناميكية خاصة، منفتحة على الحداثة… تمكن مثقفوها خلال عقدين (الستينيات حتى الثمانينيات) من الإنتاج الفكري حول الماركسية والقومية العربية والسوسيولوجيا والفلسفة والشعر الحديث. مع هذا، كانت الطائفية الأقوى. كل هذا التنوع كل هذا الانفتاح، كل هذا التعدّد، كل هذه الحريات، كل هذ التمكّن المعرفي… لم يمنع انهيار لبنان الجنة. لم يمنع الشباب الشيعة من الانخراط في “بيئة” حزب الله. ومن إطفاء الأصوات المعارضة له، إلا بصفتها “شيعية”، “شيعية معارضة”… لم يمنع حزب الله من اختراق الدولة السطحية، ومن دخوله البرلمان والقضاء والأمن والإدارات العامة… ومن سيطرة شبكته الخاصة على كل الشبكات الأخرى، ومن تنصيبه مجموعات، رجال أعمال، وجوهاً إعلامية، من خلقه زعماء أبديين، صغاراً وكباراً… من وقوفه ضد انتفاضة تشرين (أكتوبر 2019)، من اتخاذه قراره المنفرد بخوض خمس حروب، فوق تلك التي أدخلته سورية دعماً لبشّار الأسد، من إغلاقه على عقول الشباب والفتيان الشيعة بمعتقدات الركض خلف هذه المعارك بانتظار المهدي، ومن تقديم الشيعة قرباناً طوعياً للموت والدمار. حزب الله قادم من مجتمع تعدّدي ديمقراطي منفتح، بينما الحشد الشعبي قادم من نظام صدّام حسين الدموي المركزي تنظيم شيعي آخر يلقي الضوء على التجربة الاستثنائية أيضاً لحزب الله. أقصد الحشد الشعبي العراقي، العسكري المنتمي إلى الطائفة الشيعية. الحزب قادم من مجتمع تعدّدي ديمقراطي منفتح. الحشد قادم من نظام صدّام حسين الدموي المركزي. كان من المنطقي أن يكون الحزب متعدّداً، ذا مرجعيات متعدّدة، نظراً إلى ما سبق وعرضناه عن لبنان عشية نشأته، وأن يكون “الحشد الشعبي” ذا قيادة “صدامية” واحدة… لكن لا: الحزب واحد، وقيادته واحدة عقوداً. مرجعيته إيران، وفي المقابل، الحشد ائتلاف فيه عشرات الفصائل (منظمة بدر، عصائب الحق، كتائب حزب الله، حركة النجباء، سرايا العتبات الدينية)، ومرجعيتها ليست واحدة، بل اثنتان: إيران والسيستاني. الأولى مرجعية عراقية يحمل أنصارها لقب “تيار النجف”، الذي يشدّد على سيادة الدولة العراقية. والثانية إيرانية، يحمل دعاتها اسم “تيار “المقاومة الاسلامية”، الذي يتبع الولي الفقيه الإيراني. نقطة أخرى: حزب الله مستقل عن الدولة، والحشد يتبع الدولة ويموَّل من الميزانية العامة. عكس الصفة اللبنانية المفترضة، الحزب أكثر تماسكاً وانضباطاً. فيما الحشد الشعبي ينضوي تحت جناحه مجموعات عسكرية غير منضبطة، وقيادته غير مركزية. يمكننا الإسهاب في المقارنات والمفارقات. يمكننا مثلاً توسيع نطاق التساؤل: كيف أن الديمقراطية الأميركية، وهي الأكبر والأقوى، أتت برئيس لا يؤمن بالديمقراطية، يحسد المستبدّين، يقوم يومياً بإجراءات، ويدلي بتصريحات، ويصدر قوانين ومراسيم تناقض هذه الديمقراطية، بما يشكل خطراً عليها. يمكننا أيضاً شرح المقارنات وحلّ المفارقات بتفسيرها. ولكن، هل تحمينا هذه الممارسات الذهنية من كمائن ينصبها لنا التاريخ، إذا بقينا مطمئنين إلى توقعاتنا، إلى تراكماتنا، إلى أنساقنا أو سياقاتنا؟ فهل من جنة على هذه الأرض؟ أو نار؟ حتى لو كانت هذه الجنة لبنان؟ المزيدعن: الطائفحزب اللهالحشد الشعبي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post يوسف دياب في “الشرق الاوسط”: أسلحة ومتفجرات لـ«حزب الله» وسط حي سكني في بيروت next post حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: طريقتان في إدانة الإباديّة الإسرائيليّة You may also like حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: طريقتان في إدانة... 30 يوليو، 2026 روبرت ساتلوف في Washington institute: لقاء ترامب وعون..... 28 يوليو، 2026 فرزين نديمي في washington institute: تغيير الحسابات القسرية... 28 يوليو، 2026 جون هالتوانغر في “المجلة”: كيف يمكن أن تسير... 28 يوليو، 2026 أكاديمي أمريكي: ترمب يبتز العالم بالهيمنة الافتراسية 4 فبراير، 2026 حازم صاغية يكتب عن:حجج التدخّل في إيران وحجج... 4 فبراير، 2026 احمد علي الزين يجدد وداعه: “نحن يا صديقي... 4 فبراير، 2026 غسان شربل يكتب عن: ترمب والمرشد والضريح 2 فبراير، 2026 أروب موخرجي يكنب عن: العصر الإمبراطوري الجديد 2 فبراير، 2026 دانييل و. دريزنر – إليزابيث سوندرز عن :... 1 فبراير، 2026