المجتمع المملوكي (مواقع التواصل الاجتماعي) ثقافة و فنون مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: مهدي مسلم يرصد بالفرنسية سوسيولوجيا المجتمع المملوكي by admin 13 يوليو، 2026 written by admin 13 يوليو، 2026 18 النصوص الفقهية والأدبية شواهد تكشف عن البنى الاجتماعية والذهنيات السائدة اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN يفتح هذا الكتاب للقارئ العربي والغربي معاً، نافذة على البنية المهنية والاجتماعية لمجتمع المماليك في مصر وبلاد الشام، من خلال استعراض مفصل لما يقارب 113 مهنة ووظيفة كانت تشكل آنذاك الهيكل العملي للحياة اليومية. ينتمي هذا الكتاب إلى الدراسات التي تعيد تناول المصادر التراثية العربية في ضوء المقاربتين التاريخية والاجتماعية، فتُقرأ النصوص الفقهية والأدبية بوصفها شواهد تكشف عن البنى الاجتماعية والذهنيات السائدة في البيئة التي نشأت فيها. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الموضوع الذي اختاره مهدي مسلم، الأستاذ الباحث في الجامعة الحرّة في بروكسل والجامعة الكاثوليكية في لوفان، ولا سيما تركيزه على نص السبكي، إذ إن مؤلفه لم يقصد تدوين التاريخ وفق معناه التقليدي، وإنما قدم تأملاً أخلاقياً واجتماعياً في أسباب فقدان النعم، متخذاً من وصف الوظائف والمهن والمناصب كالسلطنة والمشيخة والدلالة والسياسة وغيرها من طبقات الناس في المجتمع المملوكي مدخلاً لفهم الخلل الأخلاقي والسياسي الذي أصاب عصره، مبيّناً أن دوام النعم مرتبط بشكر الله والعمل الصالح، وأن زوالها يحدث بسبب الظلم والفساد والمعاصي. الوصف الاجتماعي يجمع نص السبكي بين النصيحة الدينية والتوجيه الأخلاقي والوصف الاجتماعي. فيه يستند إلى القرآن والأحاديث النبوية وأقوال العلماء لتدعيم آرائه. لكن قبل كل شيء يعكس هذا النص اهتمام علماء العصر المملوكي بمراقبة الحياة العامة ونقدها، علماً أنه يهدف قبل كل شيء إلى توجيه الناس إلى السلوك القويم. كتب تصدير كتاب “المهن والوظائف في المجتمع المملوكي” الباحث ومدير الدروس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس جان-شارل دوسين. كتاب عن المجتمع المملوكي بالفرنسية (فناك) يقوم الكتاب على بنية علمية واضحة تتوزع على أربعة أقسام، إذ يقدم القسم الأول دراسة عن حياة تاج الدين السبكي ومسيرته العلمية والفكرية وعلاقاته وأدواره القضائية في القاهرة ودمشق. فيظهر أن السبكي لم يكُن مجرد فقيه تقليدي، بل كان شخصية فكرية منتظمة في الصراعات السياسية والمذهبية، هو الذي نشأ في أسرة علمية مرموقة، وارتبط بكبار علماء عصره، وتولى أيضاً مناصب قضائية ودينية مهمة، مما جعله شاهداً على تحولات السلطة في أواخر العصر المملوكي البحري وعلى التوترات الفكرية والمذهبية بين فقهاء المذاهب المختلفة. أما القسم الثاني، فيخصصه الباحث لتحليل “معيد النعم ومبيد النقم” من ناحية طبيعته الأدبية وسياقه التاريخي. فيبيّن أن النص لا يمكن فهمه بمعزل عن الظروف السياسية المضطربة التي عاشها السبكي، خصوصاً بعد وفاة السلطان الناصر محمد بن قلاوون وما تلاها من صراعات على السلطة بين الأمراء المماليك. فخلال تلك الفترة دخلت الدولة المملوكية مرحلة من عدم الاستقرار السياسي، إذ تعاقب على الحكم عدد من السلاطين الشباب في فترات قصيرة، مما انعكس سلباً على بنية الدولة والإدارة والمجتمع. وأدرك السبكي هذا التدهور، فحاول تفسيره من خلال رؤية أخلاقية تربط بين فساد الأخلاق وفقدان النعم الإلهية. إختلال التوازن في هذا السياق، يتخذ السبكي من تحليل وظائف المجتمع وسيلة للكشف عن اختلال التوازن الاجتماعي. فالمجتمع، في نظره، يتكوّن من طبقات ومجموعات مهنية متكاملة، ولكل منها دور محدد في الحفاظ على النظام العام. لكن عندما يفسد أصحاب المناصب أو يقصرون في أداء واجباتهم، فإن ذلك يؤدي إلى اختلال هذا النظام وإلى انتشار الظلم والفوضى. إذاً فضلاً عن وصف المهن والوظائف كالعلماء والقضاة والولاة والتجار والكتاب، يقدم الكتاب نقداً اجتماعياً مبطناً للنخبة الحاكمة وللتحولات التي أصابت المجتمع المملوكي. وفي القسم الثالث يورد المؤلف الترجمة الفرنسية الكاملة للنص الأصلي التي تتميز بالدقة والوضوح ونقل المعاني الأصلية للنص مع الحفاظ على طابعه البلاغي. يبدأ السبكي نصه بمقدمة ذات طابع أخلاقي وديني، يطرح فيها سؤالاً أساسياً، كيف يمكن استعادة النعمة التي فقدها الإنسان؟ ويجيب أن السبيل إلى ذلك يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة، معرفة سبب فقدان النعمة والتوبة عن التقصير وإظهار التواضع لله. ومن خلال هذه الفكرة الأساسية ينطلق في استعراض الوظائف المختلفة داخل المجتمع، موضحاً كيف يمكن لكل مهنة أن تكون سبباً في حفظ النعم أو في زوالها. لكن القيمة الأساسية لنص السبكي تكمن في بعده الأخلاقي وفي الكم الكبير من المعلومات التي يقدمها عن الحياة المهنية خلال العصر المملوكي. فالنص يذكر عدداً كبيراً من الوظائف التي تراوح ما بين المناصب العليا في الدولة مثل السلطان والوزير والقاضي، والمهن الحرفية البسيطة كالحائك والقصّاب والنجار. ويورد كذلك وظائف تبدو غريبة ربما بالنسبة إلى القارئ المعاصر مثل حامل الراية أو حامل البريد السلطاني أو مسؤول الإسطبلات. ويكشف هذا التنوع المهني عن مدى تعقيد الجهاز الإداري والاجتماعي في الدولة المملوكية. أما القسم الرابع من الكتاب، فيضم فهرساً مفصلاً بالمهن المذكورة في النص مع شروح تاريخية دقيقة لكل منها. ويُعد هذا القسم من أهم إضافات المؤلف، إذ لا يكتفي بترجمة الألفاظ، بل يقدم شرحاً لكل مهنة ووظيفة ودورها في المجتمع. فيوضح مثلاً كيف كان الجزّار يشتري الماشية من الأسواق ثم يذبحها في المسالخ المخصصة قبل بيعها في الأسواق، وكيف كانت هذه المهنة تخضع لرقابة المحتسب لضمان جودة اللحوم وعدم الغش في بيعها. شرح المطلحات ويشرح أيضاً طبيعة بعض الوظائف المرتبطة بالبلاط السلطاني مثل “الشرابدار” المسؤول عن إعداد المشروبات في قصر السلطان، أو “الجوكندار” الذي كان يحمل عصا لعبة “البولو” الخاصة بالسلطان أثناء المباريات. ومن خلال هذه التفاصيل، يرسم الكتاب صورة حيّة للحياة اليومية في المدن المملوكية الكبرى مثل القاهرة ودمشق. فيها يظهر المجتمع كشبكة معقدة من الوظائف والمؤسسات التي تتداخل فيها السلطة السياسية مع المؤسسات الدينية والاقتصادية. وتكشف هذه المهن عن البنية الهرمية للمجتمع، حيث تحتل النخبة العسكرية والإدارية قمة الهرم، يليها العلماء ورجال الدين، ثم التجار والحرفيون، وصولاً إلى الفئات الفقيرة والمهمشة. اقرأ المزيد قاهرة المماليك تكشف عجائبها: نظام مائي متكامل وبقايا مسجد ريم بسيوني تغوص في تاريخ المماليك برخائه وظلمه ويسلط الكتاب الضوء كذلك على الأزمات الاجتماعية التي شهدها العصر المملوكي مثل انتشار الفقر والتسول نتيجة الأوبئة والمجاعات والاضطرابات السياسية، بعد تعرض المدن المملوكية لبعض الكوارث كجائحة الطاعون المتكررة وتراجع النشاط الزراعي، مما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة من السكان بحثاً عن العمل. وأسهمت هذه التحولات في تضخم فئة الفقراء والمتسولين، مما أثار قلق العلماء والسلطات على حد سواء. من الناحية المنهجية، يجمع الكتاب بين الدقة التاريخية والقدرة على تحليل النصوص التراثية في سياقها الاجتماعي. فالكاتب لا يكتفي بترجمة النص، وإنما يضعه في إطار أوسع من خلال المقارنة مع مصادر تاريخية أخرى مثل كتابات المقريزي أو العمري. ويسمح هذا الأسلوب بفهم النص كجزء من تقليد فكري أوسع يهتم بدراسة المجتمع وتنظيمه. كذلك، يتميز الكتاب بجهد توثيقي واضح، سواء في الإحالات إلى المصادر التاريخية أو في الشروح اللغوية للمصطلحات، مما يجعله مرجعاً مهماً للباحثين في تاريخ الإسلام الوسيط، وكذلك للمهتمين بتاريخ العمل والمؤسسات في المجتمعات العربية التقليدية. خلاصة القول إن هذا الكتاب يقدم إضافة نوعية إلى الدراسات المعاصرة حول العصر المملوكي، لأنه ينقل اهتمام الباحث من تاريخ السلاطين والحروب إلى تاريخ المجتمع نفسه. فبدلاً من التركيز على الأحداث السياسية الكبرى، يسلط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية وعلى الأدوار التي قام بها الحرفيون والموظفون والعلماء في تشكيل المجتمع. ومن هذه الزاوية، يتحول النص التراثي إلى وثيقة اجتماعية تكشف عن عالم غني ومعقد من العلاقات المهنية والمؤسساتية، مستبقاً “مدرسة الحوليات” التاريخية التي تأسست عام 1929 على يد مارك بلوخ ولوسيان فيفر والتي أحدثت ثورة في منهجية البحث التاريخي عبر الانتقال من سرد الأحداث السياسية والعسكرية إلى دراسة التاريخ الشامل، الاجتماعي والاقتصادي والبنيوي. هكذا يعيد مهدي مسلم إحياء نص قديم، مدخلاً إياه في النقاش العلمي المعاصر حول تاريخ المجتمعات الإسلامية، معرّفاً الغرب إلى هذه المجتمعات ونصوص كتابها ومفكريها، من خلال الترجمة الفرنسية للنص العربي والتحليل التاريخي والفيلولوجي، والقراءة النقدية للماضي التي تفتح أفقاً جديداً لفهم تطور المجتمعات الإسلامية والعربية عبر التاريخ. المزيد عن: المماليك المجتمع التاريخ دراسة بالفرنسية البنى الاجتماعية النصوص الفقهية الأدب الذهنيات السائدة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أمال شحادة في “اندبندنت عربية”: جهود أميركية لتهدئة جبهة لبنان وتل أبيب تتحسب لتهديد إيران next post الجلوس طويلاً قد يزيد خطر الإصابة بالسرطان You may also like شكوفه آذر لـ”المجلة”: الثقافة بديل العنف في تاريخ... 13 يوليو، 2026 في “المجلة”: 6 أفلام مغربية ترمم الواقع وتعري... 13 يوليو، 2026 إرادة الإنسان وحريته تصادرهما سلطة تدعي حمايتهما 13 يوليو، 2026 سينما “رعاة البقر”… وثائق بصرية للتوحش 13 يوليو، 2026 التوجهات الجمالية تحتفي بالنقص لتبدل مفهوم المثالية 13 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: سؤال الهوية عند... 13 يوليو، 2026 المسرح المغربي يودع محمد الزيات بعد مسيرة امتدت... 13 يوليو، 2026 “باكرومز”… من العوالم الخلفية إلى تبوء عرش التذاكر 11 يوليو، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: لماذا تهيمن نظرية... 11 يوليو، 2026 في “اندبندنت عربية”: الكتابة والذكاء الاصطناعي.. من الخصومة... 11 يوليو، 2026