الأحد, يونيو 28, 2026
الأحد, يونيو 28, 2026
Home » جميل مروة : الاتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة (صفحة الكاتب facebook)

جميل مروة : الاتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة (صفحة الكاتب facebook)

by admin

تحليلٌ قانونيٌّ ودستوريٌّ في البنود ومفاعيلها المتقاطعة، وفي مسارات القبول والتعديل والرفض على ضوء الدستور والقوانين اللبنانية

(الموقَّع في واشنطن مساء الجمعة 26 حزيران/يونيو 2026)

 

جميل مروة / كاتب وصحفي لبناني

أولاً — في تكييف الوثيقة وطبيعتها القانونية

جرى توقيع هذا «الإطار» في واشنطن مساء الجمعة 26 حزيران/يونيو 2026، عقب جولةٍ خامسةٍ من المفاوضات برعايةٍ أميركية، في ثلاث نسخٍ أصليةٍ باللغة الإنكليزية، بتوقيع السفيرة اللبنانية لدى واشنطن والسفير الإسرائيلي وبحضور وزير الخارجية الأميركي. من هذه الوقائع وحدها تتفرّع ثلاث خصائص قانونية تحكم كلّ ما يليها.

أولاها أنّ الوثيقة تسمّي نفسها «إطاراً» (Framework)، وتُحيل في بندها الثاني عشر الالتزام المُلزِم — أي «الاتفاقية الشاملة والكاملة للسلام والأمن» — إلى مجموعات عملٍ تُنشأ لاحقاً. فهي إذن، بنصّها الصريح، أداةٌ سياسية-تمهيدية تستبق معاهدةً ولا تُنشئها؛ تُمهّد للسلم ولا تُبرمه.

وثانيتها أنّ التسمية لا تحسم القوة الإلزامية. فاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 لا تُعلّق صفة المعاهدة على عنوانها («إطار» أو «اتفاق» أو «مذكّرة تفاهم»)، بل على نيّة الطرفين ومضمون الالتزام. وأفعال هذا النصّ تتأرجح بين الإلزام الصريح (تلتزم، تتعهّد) والتطلّع (عزم، طموح، نيّة)، وتُحيل تكراراً موجباتها إلى «ملحقٍ أمني» وإلى «اتفاقٍ شامل» مقبلَين. وهو لذلك يقع في منطقةٍ وسطى: يُنشئ موجَب التفاوض بحُسن نيّة، لكنه لا يُرتّب بذاته الموجبات النهائية للسلام.

وثالثتها — وهي الفصل في الأمر — أنّ توقيع سفيرةٍ ليس «إبراماً» بالمعنى الدستوري. فالمادة 52 من الدستور تجعل المفاوضة والإبرام من صلاحية رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح المعاهدة مبرمةً إلا بعد موافقة مجلس الوزراء؛ ومعاهدةٌ من هذا الطراز لا تُبرم إلا بعد موافقة مجلس النواب. فتوقيع السفيرة، دستورياً، توثيقٌ لنصّ لا تعبيرٌ ملزمٌ عن إرادة الدولة اللبنانية. ولهذا بالضبط وصفه رئيس الجمهورية بأنه «خطوة أولى»، وأسنده رئيس الحكومة إلى البيان الوزاري الذي نال الثقة لا إلى معاهدةٍ مبرَمة.

الخلاصة الأولى: هذا الإطار يُلزم لبنان اليوم سياسياً لا قانونياً؛ و«لحظة الحقيقة» الدستورية مؤجَّلة إلى مَوضعين: (أ) أيّ تبنٍّ حكوميّ له أو لملحقه الأمني في مجلس الوزراء، و(ب) المعاهدة الشاملة الموعودة في البند 12. وما لم يُعبَر هذان المَعبران، يبقى الإطار قابلاً للتعديل والرفض بكلفةٍ سياسية لا بمخالفةٍ لموجبٍ قانونيٍّ مبرَم.

ثانياً — تحليل البنود بنداً بنداً ومفاعيلها المتقاطعة

البند 1: الاعتراف، وإنهاء حالة الحرب، والمفاوضات المباشرة

يُقرّر البند اعترافاً متبادلاً بـ«حقّ كلّ دولةٍ في الوجود بسلام»، وعزماً على «إنهاء أيّ حالة حربٍ بينهما بشكلٍ رسمي»، والتزاماً بحلّ القضايا عبر «مفاوضاتٍ ثنائيةٍ مباشرة» بوساطةٍ أميركية، ويصف التقدّم بأنه «لا رجعة فيه». وهنا العتبة التي لم يَعبُرها لبنان منذ سنة 1949: فهدنة رأس الناقورة (23 آذار 1949) كانت اتفاقاً عسكرياً تحت رعاية الأمم المتحدة، لم يُنشئ سلماً ولا اعترافاً، ولم يُنهِ حالة الحرب. أمّا الاعتراف بـ«حقّ الوجود» وإعلان «دولتين متجاورتين ذواتي سيادة» فيلامس مباشرةً الفقرة (ب) من مقدّمة الدستور — عروبة لبنان والتزامه مواثيق جامعة الدول العربية — والموروث السياسي الرافض للتطبيع. كما أنّ «المباشِرة» تنسف الصيغة التي صانها لبنان طويلاً: التفاوض غير المباشر عبر الآلية الثلاثية في الناقورة، أو عبر رسائل أميركية متوازية كما في ترسيم الحدود البحرية سنة 2022.

المفاعيل المتقاطعة: هذا البند هو الجذع الذي تتفرّع منه البنود 2 و3 و5 و8 و12؛ فإن سقط سياسياً سقطت بنيتها معه. ووصفُ «لا رجعة فيه» يصطدم بسابقةٍ لبنانية دامغة — إلغاء اتفاق 17 أيار 1983 — تُثبت أن لا اتفاق «نهائياً» في غياب الإجماع الداخلي.

البند 2: العملية المتبادلة المتسلسلة، والملحق الأمني

يلتزم الطرفان «عمليةً متبادلةً ومتسلسلة بشروطٍ واضحة»، يستعيد بموجبها الجيش اللبناني «السيادة الفعلية» على كامل الأراضي، شريطة التحقّق من نزع سلاح الجماعات غير الحكومية وتفكيك بنيتها، مقابل إعادة انتشارٍ إسرائيليٍّ تدريجي، على أن يُفصَّل ذلك في «ملحقٍ أمني» يُعدّ بدعمٍ أميركيٍّ كامل. إنّ استعادة الدولة سيادتها واحتكارها للسلاح منسجمةٌ في جوهرها مع الطائف والقرار 1701 ومضمون البيان الوزاري. غير أنّ «الاشتراط» و«التسلسل» يجعلان السيادة — وهي حقٌّ أصيلٌ غير قابلٍ للمقايضة، يَسهر رئيس الجمهورية على المحافظة على سلامة الأرض بموجب المادة 49 — محلَّ مقايضةٍ ومشروطةً بأداءٍ تتحقّق منه جهةٌ خارجية، وهو ما يقلب منطق السيادة من حقٍّ إلى مكافأة.

المفاعيل المتقاطعة: يتشابك مع البند 3 (المناطق التجريبية)، والبند 5 (التكييف الإسرائيلي لمشروعية البقاء)، والبند 9 (البرنامج القائم على الأداء). والملحق الأمني هو المتغيّر الحاسم: إقراره قراراً تنفيذياً يستدعي مباشرةً أحكام المادة 65 في موضوعَي «السلم» و«الاتفاقات الدولية».

البند 3: المناطق التجريبية وآلية التحقّق

يقضي بأن يتولّى الجيش اللبناني تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة في «مناطق تجريبية» — اتُّفق على منطقتين منها — تكون آليةً لإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي، على أن تبدأ بعدها جهود الإعمار وعودة المدنيين تحت السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية، بتحقّقٍ أميركي. وفي هذا صدىً مباشرٌ لـ«المنطقة الأمنية» التي نصّ عليها اتفاق 17 أيار 1983 وفِرَق الإشراف المشتركة فيه. والأخطر أنّ ربط الإعمار وعودة الأهالي باستكمال نزع السلاح يحوّل حقوقاً — العودة وإعادة الإعمار — إلى مكافآتٍ مشروطة، فيما يُدخل التحقّقُ الأميركيُّ طرفاً ثالثاً في إدارة الأمن الداخلي اللبناني.

المفاعيل المتقاطعة: يقوم على البند 2، ويغذّي البندين 4 و10، ويخضع لمنطق الأداء في البند 9.

البند 4: احتكار الدولة للقوة ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية

تؤكّد الحكومة اللبنانية التزامها استعادة السيادة الكاملة، وإعادة بناء احتكار الدولة للقوة، ونزع السلاح الكامل والموثَّق لكلّ الجماعات المسلّحة غير الحكومية، وتطلب دعم الشركاء — ولا سيّما العرب — بقيادة الولايات المتحدة. وهذا البند هو الأقلّ إشكالاً دستورياً من حيث المبدأ: فاحتكار الدولة للقوة هو جوهر اتفاق الطائف (حلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها للدولة)، ومضمون القرارين 1559 و1701، ونصّ البيان الوزاري الذي نال ثقة المجلس. الإشكال ليس في النصّ بل في الإجماع: فنزع سلاح حزب الله هو نقطة الانقسام «الميثاقي» الكبرى، وقد رفضه الحزب علناً واعتبره «هديةً للعدو»، وتمسّك بخيار السلاح.

المفاعيل المتقاطعة: يتقاطع مع البنود 6 و7 و9 و11، ويشكّل — مع البند 6 — العمود الدستوري الداخلي للاتفاق.

البند 5: التكييف الإسرائيلي لعملياتها ونفي المطامع الإقليمية

تؤكّد إسرائيل أنّ عملياتها «نتيجةٌ مباشرة» لتهديدات الجماعات غير الحكومية، وأنّ زوال هذا التهديد يُلغي «أيّ حاجةٍ مستقبلية» لوجودها العسكري، وأنها «لا تملك مطامع إقليمية». وهذا بندٌ إسرائيليٌّ بامتياز: فهو يمنح إسرائيل سلطةَ تقدير متى «يزول التهديد»، وبالتالي توقيتَ انسحابها. وبذلك يُفرّغ تبادليةَ البند 2 من مضمونها — وقد أكّد ذلك صراحةً تصريحُ رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن جيشه لن ينسحب من «الحزام الأمني» قبل نزع السلاح. ومن زاويةٍ لبنانية، يحوّل البندُ قرارَ الانسحاب — وهو موجَبٌ دوليٌّ على إسرائيل بمقتضى 1701، وحقٌّ سياديٌّ للبنان — إلى قرارٍ إسرائيليٍّ تقديري.

المفاعيل المتقاطعة: يقيّد عملياً البندين 2 و3، ويُضعف الوعد بـ«السيادة الفعلية» في البند 9.

البند 6: حصرية الدولة في الأمن وفي قرار الحرب والسلم

تؤكّد الحكومة اللبنانية أنّ قواها الأمنية تتحمّل المسؤولية الحصرية عن أمن لبنان ودفاعه، وأنها صاحبة السلطة الحصرية في إعلان الحرب والسلم، وترفض ادعاء أيّ دولةٍ أو جهةٍ من غير الدول استخدامَ القوة نيابةً عنها. وهذا أكثر البنود انسجاماً مع الدستور على الإطلاق: فالمادة 65 تحصر «الحرب والسلم» بمجلس الوزراء مجتمعاً (بموافقة ثلثَي أعضائه)، واحتكارُ الدولة للقوة من ثوابت الطائف. والنصّ هنا يُعيد تثبيت قاعدةٍ دستوريةٍ لبنانية قائمة، موجَّهاً عملياً ضدّ ازدواجية القرار التي يجسّدها سلاح حزب الله وارتباطه الإقليمي.

المفاعيل المتقاطعة: يُسند البندين 4 و7، ويمنح الدولة حجةً دستورية داخلية بوجه ازدواجية القرار الاستراتيجي.

البند 7: حقّ الدفاع عن النفس ومجموعة التنسيق العسكري

يحفظ للطرفين حقّ الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة، مع نفي حقّ أيّ طرفٍ ثالث في ممارسته نيابةً عنهما، ويُنشئ «مجموعة تنسيقٍ عسكري» بمشاركة أميركية. والتحفّظ على حقّ الدفاع عن النفس سليمٌ قانوناً. أمّا عبارة «لا طرف ثالث» فتستهدف الحزب وإيران. وأمّا «مجموعة التنسيق العسكري بمشاركةٍ أميركية» فتثير مسألة السيادة (دورٌ أجنبيٌّ في الترتيب الأمني)، وإن كانت لها سابقةٌ في الآلية الثلاثية في الناقورة؛ وإقرارها قد يستلزم قراراً تنفيذياً في موضوعٍ أمني-دفاعيٍّ حسّاس.

المفاعيل المتقاطعة: يكمّل البندين 3 و6، ويُدخل البُعد المؤسسي الأجنبي إلى التنفيذ.

البند 8: الهدف المشترك وأمن شمال إسرائيل

يجعل الطرفان هدفاً مشتركاً قيامَ «لبنان آمنٍ معاد إعماره» تحت سيادةٍ كاملة، ويُقرّان أنّ «ضمان أمن التجمّعات السكنية في شمال إسرائيل» أمرٌ جوهريٌّ للاستقرار. وهنا يُدمَج أمنُ المستوطنات/التجمّعات في شمال إسرائيل ضمن أهدافٍ لبنانيةٍ مشتركة — وهو تطبيعٌ مفاهيميٌّ يتجاوز إنهاء العداء إلى تبنّي أمن الطرف الآخر هدفاً وطنياً، بما يلامس مجدداً الفقرة (ب) من المقدّمة.

المفاعيل المتقاطعة: امتدادٌ منطقي للبند 1، وتُغذّيه مخرجاتُ البند 5.

البند 9: البرنامج القائم على الأداء والمساعدة المشروطة

تلتزم الحكومة «برنامجاً صارماً قائماً على الأداء» لبسط سيطرة الجيش ونزع السلاح، وترحّب باستعداد الولايات المتحدة للدعم، مع إدراكها أنّ أيّ مساعدةٍ ستكون «مشروطةً بصرامة» بمراحل قابلةٍ للتحقّق وبرقابةٍ مستمرة. وهكذا تُربط استعادةُ السيادة ببرنامج أداءٍ ومساعدةٍ خارجيةٍ مشروطةٍ وخاضعةٍ لرقابةٍ دائمة. والسيادة بطبيعتها لا تُكتسب أداءً أمام مانح؛ وهنا تتحوّل إلى منحةٍ مشروطة. كما أنّ لـ«المساعدة» بُعداً مالياً يستدعي المادة 52: فالمعاهدات التي تنطوي على شروطٍ تتعلّق بمالية الدولة لا تُبرَم إلا بموافقة مجلس النواب.

المفاعيل المتقاطعة: يحكم إيقاع البندين 2 و4، ويتّصل بالبند 10 عبر بوّابة التمويل.

البند 10: حشد الإعمار والدعم الاقتصادي

تحشد الولايات المتحدة، في مسارٍ متزامن، شركاء دوليين لدعم إعادة بناء لبنان وإصلاح بنيته وإنعاش اقتصاده. والبُعد المالي هنا صريح: فأيّ التزاماتٍ ماليةٍ أو إعماريةٍ تُدرَج في الاتفاق الشامل ستكون «معاهدةً تنطوي على شروطٍ تتعلّق بمالية الدولة»، فتغدو موافقةُ مجلس النواب إلزاميةً بنصّ المادة 52. وهو «الجزرة» مقابل «العصا» في البند 9.

المفاعيل المتقاطعة: وجهٌ مقابلٌ للبند 9، ومقيَّدٌ بالبند 11.

البند 11: منع التمويل عن الجماعات غير الحكومية

يلتزم لبنان والولايات المتحدة منعَ تدفّق الأموال إلى أيّ كيانٍ تابعٍ لجماعاتٍ مسلّحة من غير الدول، وتلتزم الحكومة صراحةً منعَ وصول أموال الإعمار إليها. وهذا يفرض على لبنان موجباتٍ تشريعية-تنفيذية داخلية (تجفيف التمويل) قد تستلزم تعديلاتٍ قانونية ورقابةً مصرفية، وتتقاطع مع منظومة العقوبات الدولية، ويمسّ تنفيذها بنيةً اقتصادية-اجتماعية واسعة من المؤسسات المرتبطة بالحزب.

المفاعيل المتقاطعة: أداةُ تنفيذٍ للبندين 4 و9، وشرطٌ ضمنيٌّ على البند 10.

البند 12: مجموعات العمل ومسارات التواصل المباشر

فور التوقيع، تُشكَّل مجموعات عملٍ لصياغة «الاتفاقية الشاملة للسلام والأمن»، وتُنشأ فوراً «مسارات تواصلٍ مباشرٍ ومستمر» بتيسيرٍ أميركي. وهذا هو «الجسر» إلى المعاهدة المُلزِمة. فـ«التواصل المباشر والمستمر» يؤسّس لاتصالٍ دائمٍ مباشرٍ مع إسرائيل، وهو خطوةٌ تطبيعيةٌ بنيوية. والاتفاقُ الشاملُ المنتظَر هو الذي سيستدعي كامل سلسلة المادتين 52 و65: ثلثا مجلس الوزراء، فموافقة مجلس النواب، فالإبرام الرئاسي.

المفاعيل المتقاطعة: هو العتبة الدستورية الفعلية المؤجَّلة، وينبثق من البند 1 ويتّصل بالبند 13.

البند 13: تدابير حُسن النية

يلتزم الطرفان تدابيرَ حُسن نية، منها «وقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية»، والبحثُ عن الرفات وإعادتها والإفراجُ عن المحتجزين. وعبارةُ وقف الأعمال المناوئة في المحافل الدولية التزامٌ يقيّد سيادةَ لبنان الدبلوماسية-القانونية: شكاواه، ومواقفه في مجلس الأمن، ومساراته القانونية المحتملة. أمّا البحث عن الرفات والإفراج عن المحتجزين فبُعدٌ إنسانيٌّ مشروعٌ لا اعتراض عليه.

المفاعيل المتقاطعة: يخدم مناخ البندين 1 و12.

البند 14: الإقرار بالدور الأميركي

يُقرّ الطرفان بالدور الأميركي ويُعربان عن تقديرهما «لرؤية الرئيس دونالد ترامب وقيادته». وهو بندٌ سياسي-بروتوكوليٌّ غير عاملٍ قانوناً، لكنه يثبّت الدور الأميركي بوصفه راعياً/ضامناً، ويُشخصن الاتفاق برئيسٍ أميركيٍّ بعينه — بما قد يربط مصيرَ التنفيذ بتقلّبات السياسة الأميركية الداخلية والانتخابية.

ثالثاً — خريطة التقاطع والافتراق مع الدستور والقوانين

تتوزّع بنود الإطار على ثلاث مناطق: منطقةُ انسجامٍ صريح مع الدستور (احتكار الدولة للقوة وحصرية قرار الحرب والسلم)، ومنطقةُ افتراقٍ حادّ (الاعتراف وإنهاء حالة الحرب والمفاوضات المباشرة وأمن شمال إسرائيل)، ومنطقةٌ رماديةٌ تتعلّق بالسيادة المشروطة والبُعد المالي والدور الأجنبي في التنفيذ. ويلخّص الجدول الآتي هذه الخريطة.

البنود المرجع الدستوري/القانوني الموقع: تقاطع أم افتراق

4، 6 المادة 65 (حصر الحرب والسلم بمجلس الوزراء)؛ اتفاق الطائف (احتكار الدولة للقوة وحلّ الميليشيات)؛ القراران 1559 و1701؛ البيان الوزاري الذي نال الثقة انسجامٌ دستوريٌّ صريح؛ الإشكال في الإجماع لا في النصّ

1، 8، 12 مقدّمة الدستور، الفقرة (ب): عروبة لبنان والتزام مواثيق جامعة الدول العربية؛ سابقة هدنة 1949 (لا اعتراف ولا سلم) افتراقٌ حادّ: عتبةُ الاعتراف والتطبيع لم يَعبُرها لبنان منذ 1949

2، 3، 5، 9 المادة 49 (المحافظة على سلامة الأرض)؛ مبدأ السيادة كحقٍّ أصيل لا يُشترَط؛ سابقة «المنطقة الأمنية» في اتفاق 17 أيار 1983 منطقةٌ رمادية: سيادةٌ مشروطةٌ بالأداء وبتقديرٍ إسرائيلي وتحقّقٍ خارجي

9، 10، 11 المادة 52 (المعاهدات ذات الشروط المالية لا تُبرم إلا بموافقة مجلس النواب)؛ التشريع الداخلي ومنظومة العقوبات بُعدٌ ماليٌّ يُلزِم بمرور البرلمان؛ موجباتٌ تشريعية داخلية

7 السيادة الأمنية؛ سابقة الآلية الثلاثية في الناقورة رماديّ: دورٌ أجنبيٌّ في الترتيب الأمني، له سابقةٌ محدودة

13 سيادة لبنان الدبلوماسية-القانونية في المحافل الدولية افتراقٌ جزئي: تقييدٌ ذاتيٌّ لحقّ التقاضي والشكوى

رابعاً — مسارات القبول والتعديل والرفض دستورياً

1) سلسلة الإبرام الدستورية: مَن يُلزِم لبنان؟

لا يصبح أيّ سلامٍ مع إسرائيل ملزِماً للبنان إلا عبر سلسلةٍ كاملة: المفاوضةُ والإبرام بيد رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة (المادة 52)؛ ولا يُبرَم إلا بعد موافقة مجلس الوزراء؛ ولأنه معاهدةٌ «لا يجوز فسخها سنةً فسنة» وتنطوي على شروطٍ ماليةٍ (الإعمار، المساعدة)، فلا تُبرَم إلا بعد موافقة مجلس النواب؛ ثم يصدر الإبرامُ بمرسومٍ رئاسي. وبما أنّ الإطار الموقَّع في واشنطن لم يَمُرّ بهذه السلسلة، فهو دستورياً ليس معاهدةً مبرَمة، بل التزامٌ تنفيذيٌّ سياسي. وهذا بالذات ما يمنح لبنان مساحةً واسعة لـ«القبول أو التعديل أو الرفض»: لأنّ الأداة المُلزِمة — المعاهدة الشاملة في البند 12 — لم تُبرَم بعد.

2) عقدة الثلثين في مجلس الوزراء («الثلث الضامن»)

لأنّ الإطار يقع في صميم موضوعَي «الحرب والسلم» و«الاتفاقات الدولية والمعاهدات»، فإنّ أيّ قرارٍ لمجلس الوزراء بتبنّيه أو بإقرار ملحقه الأمني يندرج في «المواضيع الأساسية» التي تشترط المادة 65 لإقرارها موافقةَ ثلثَي أعضاء الحكومة. وهذا أمضى مِفصلٍ داخلي: فكتلةٌ وزاريةٌ تملك «الثلث المعطِّل» (الوزراء المحسوبون على ثنائي أمل-حزب الله) تستطيع تعطيلَ التبنّي الحكومي. وهنا تكمن «فجوة الشرعية» التي يتحدّث عنها النقاش العام: الدولة تُوقّع بوصفها الممثّل الشرعي الوحيد، فيما يملك طرفٌ داخليٌّ قدرةَ التعطيل في الميدان وفي مجلس الوزراء.

3) بوّابة مجلس النواب وسلطة رئيسه على جدول الأعمال

معاهدةُ سلامٍ تُنهي حالة الحرب وتنطوي على شروطٍ ماليةٍ تستوجب موافقةَ مجلس النواب المسبقة (المادة 52). ولأنّ دعوةَ الهيئة العامة وتحديدَ جدول أعمالها من صلاحية رئيس المجلس وحده، فإنّ بيده رافعةً إجرائية للتعطيل أو للتأخير حتى لو أقرّ مجلسُ الوزراء. وقد عبّر رئيس المجلس فعلاً عن اعتراضه على «ترتيب الخطوات» وتحذيره من «الفتنة»، وتمسّكِه بثوابت الطائف (المناصفة والشراكة) بوصفها ضمانةَ استمرار الدولة.

4) قيد «الميثاقية» والعيش المشترك

إلى جانب النصاب العددي، يبرز القيدُ العُرفي-الدستوري الأمضى: «الميثاقية». فالفقرة الأخيرة من مقدّمة الدستور تقضي بأنه «لا شرعية لأيّ سلطةٍ تناقض ميثاق العيش المشترك». وعليه فإنّ تمريرَ قرارٍ مصيريٍّ من وزن السلم مع إسرائيل بمعزلٍ عن مشاركة المكوّن الذي يُمثّله الثنائي الشيعي يُعَدّ — في عُرف الحكم اللبناني — خرقاً للميثاق، لا مجرّد خلافٍ سياسي. وهذه أقوى حجةٍ دستورية-عُرفية بوجه فرض الاتفاق فرضاً.

5) القيد الموضوعي: العروبة وعتبة الاعتراف

أمّا القيد الموضوعي فمصدره الفقرة (ب) من المقدّمة (عروبة لبنان والتزامه مواثيق الجامعة العربية) والموروثُ الرافض للتطبيع. صحيحٌ أنّ الإجماع العربي قد تآكل بعد «اتفاقات أبراهام» وأنّ دولاً عربيةً طبّعت، ما يجعل هذا القيد سياسياً أكثر منه مانعاً قانونياً صارماً؛ لكنّ لبنان يستطيع أن يُسنِد موقفه إلى «مبادرة السلام العربية» (بيروت 2002) التي تشترط الانسحاب الكامل وقيام الدولة الفلسطينية قبل التطبيع. كما أنّ كون الاتفاق محرّراً بالإنكليزية حصراً يطرح إشكالاً شكلياً إضافياً في ضوء المادة 11 (العربية هي اللغة الوطنية الرسمية)، يستوجب نصّاً عربياً معتمَداً قبل أيّ إبرام.

6) ميزان السوابق: 1949، 1983، 2022، الطائف

تُنير أربعُ سوابق المسارَ كلَّه. هدنة 1949 تُثبت أنّ بإمكان لبنان أن يُوقّع ترتيباً أمنياً مع إسرائيل من دون اعترافٍ ولا سلم — وهو السقف التاريخي الذي يتجاوزه البند 1. واتفاق 17 أيار 1983 يُثبت أنّ اتفاقاً صدّق عليه مجلسُ النواب يمكن أن يُجهَض: فالرئيس أمين الجميّل لم يوقّع مرسوم الإبرام فلم يدخل حيّز التنفيذ، ثم ألغته الحكومة بقرارها في 5 آذار 1984 تحت ضغطٍ داخليٍّ وإقليمي — وهذه أبلغُ ردٍّ على وصف أيّ تقدّمٍ بأنه «لا رجعة فيه». وترسيمُ الحدود البحرية سنة 2022 يُثبت أنّ لبنان عالج ملفاً يخصّ إسرائيل عبر رسائل متوازية إلى الوسيط الأميركي، متجنّباً التوقيعَ المباشر والاعتراف — وهي صيغةُ «الشكل» التي يفارقها الإطار الحالي بتوقيعٍ ثنائيٍّ بعَلَمين وسفيرين. أمّا الطائف فيُثبت أنّ احتكار الدولة للسلاح (البندان 4 و6) ليس تنازلاً للخارج بل تنفيذٌ لموجبٍ دستوريٍّ داخليٍّ مؤجَّل.

7) الخيارات الثلاثة وأثرها القانوني

القبول: يستلزم استكمالَ سلسلة المادتين 52 و65 كاملةً (ثلثا مجلس الوزراء، فموافقة مجلس النواب للمعاهدة الشاملة، فالإبرام الرئاسي والنشر). وهو اليوم شبه متعذّرٍ سياسياً في ظلّ الثلث المعطّل، وسيطرة رئيس المجلس على جدول الأعمال، ورفض حزب الله المعلَن.

التعديل: هو المسار الأكثر واقعية. يستطيع لبنان أن يُعامل الإطار بوصفه وثيقةً سياسيةً غير ملزمة، وأن يسعى إلى تعديلاتٍ عبر «مجموعات العمل» (البند 12) و«الملحق الأمني» (البند 2) قبل أيّ معاهدةٍ مُلزِمة، فيُعيد التفاوض في التسلسل والتحقّق وتوقيت الانسحاب. وحين تُبرَم المعاهدة الشاملة، تبقى «التحفّظات» متاحةً بمقتضى المواد 19–23 من اتفاقية فيينا — مع التنبّه إلى أنّ التحفّظ على معاهدةٍ ثنائيةٍ يعمل عمليّاً عملَ عرضٍ مقابلٍ يتطلّب قبولَ الطرف الآخر.

الرفض: يستطيع لبنان أن يمتنع عن المضيّ إلى المعاهدة الشاملة؛ والإطارُ، إذ لم يَمُرّ بسلسلة المادتين 52 و65، لا يُرتّب عليه أكثر من موجَبٍ سياسيٍّ بحُسن النية لا التزاماً قانونياً مبرَماً. وسابقةُ إلغاء 1984 تُثبت أنّ بإمكان لبنان أن ينقض حتى ما صدّق عليه برلمانُه. غير أنّ كلفة الرفض باهظة: التفريط بالانسحاب والإعمار، والمخاطرة باستمرار العمليات الإسرائيلية، في ظلّ عدوانٍ متواصلٍ منذ 2 آذار 2026 خلّف آلاف الضحايا وأكثر من مليون نازح.

خامساً — خلاصةٌ تنفيذية

الإطارُ، بصيغته الراهنة، أداةٌ سياسيةٌ تمهيدية لا معاهدةٌ مبرَمة؛ فهو يُلزم لبنان سياسياً لا قانونياً، ويُحيل الإلزامَ النهائي إلى معاهدةٍ شاملةٍ موعودة (البند 12) ستخضع لكامل سلسلة المادتين 52 و65.

بنياً، ينقسم النصّ إلى عمودٍ دستوريٍّ داخليٍّ سليم (البندان 4 و6: احتكار الدولة للقوة وحصرية قرار الحرب والسلم، وهي ثوابتُ الطائف والمادة 65)، وعتبةٍ سياسية-دستورية خطيرة لم يَعبُرها لبنان منذ 1949 (البنود 1 و8 و12: الاعتراف، وإنهاء حالة الحرب، والمفاوضات المباشرة، وتبنّي أمن شمال إسرائيل هدفاً)، ومنطقةٍ رماديةٍ تُحوّل السيادة من حقٍّ أصيلٍ إلى منحةٍ مشروطةٍ بالأداء وبتقديرٍ إسرائيليٍّ للانسحاب (البنود 2 و3 و5 و9).

دستورياً، تتحكّم بمصيره ثلاث رافعاتٍ داخلية متضافرة: ثلثا مجلس الوزراء في «المواضيع الأساسية» (المادة 65)، وموافقةُ مجلس النواب المسبقة للمعاهدة المالية غير القابلة للفسخ السنوي (المادة 52) مع سلطة رئيسه على جدول الأعمال، وقيدُ «الميثاقية» والعيش المشترك في مقدّمة الدستور. وأيٌّ من هذه الثلاث كافٍ وحده لتعطيل القبول أو فرض التعديل.

والأرجح، في ضوء موازين القوى والسوابق، أنّ المسار الواقعي ليس قبولاً ولا رفضاً صريحَين، بل تفاوضٌ على التعديل عبر الملحق الأمني ومجموعات العمل، مع إبقاء الإطار في خانة الوثيقة السياسية غير المبرَمة — تماماً كما حافظ لبنان على «الشكل غير المباشر» في ترسيم 2022، وكما يتذكّر دائماً مصيرَ اتفاق 17 أيار الذي وُصِف بأنه «نهائي» قبل أن يُلغى في أقلّ من عام.

ملاحظة منهجية: هذا التحليل قانونيٌّ-دستوريٌّ في تكييف الوثيقة ومساراتها، لا استشارةً قانونيةً مُلزِمة؛ والتقديرات السياسية المرافقة قابلةٌ للتغيّر بتغيّر موازين اللحظة.

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00