بأقلامهم حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: عن «الانسحاب الأميركي من المنطقة» by admin 24 يونيو، 2026 written by admin 24 يونيو، 2026 8 قد يقال إنَّ انسحاباً أميركيّاً بطعم الهزيمة يُضعف إسرائيل، وهذا جيّد بما فيه الكفاية. لكنْ من هو حاليّاً الطرف الفلسطينيّ الذي يستفيد من إضعاف إسرائيل؟ وهذا ناهيك عن أنّ هذه مسألة واحدة مهمّة من مجموع المسائل المهمّة والكثيرة التي تواجهها شعوب المنطقة، تؤثّر فيها بالتأكيد لكنّها لا تلخّصها. الشرق الاوسط / حازم صاغية مثقف وكاتب لبناني؛ بدأ الكتابة الصحافية عام 1974 في جريدة «السفير»، ثم، منذ 1989، في جريدة «الحياة»، ومنذ أواسط 2019 يكتب في «الشرق الأوسط». في هذه الغضون كتب لبعض الصحف والمواقع الإلكترونية، كما أصدر عدداً من الكتب التي تدور حول السياسة والثقافة السياسية في لبنان والمشرق العربي. تظهرُ في التَّحليلاتِ الغربيّة آراء وتقديراتٌ تدافع عن فرضيّة الانسحاب الأميركيّ من الشرق الأوسط. بعض هذه التحليلات تتحكّم فيه قراءة للمتغيّرات صحيحة وموضوعيّة إلى هذا الحدّ أو ذاك، وبعضها تستولي عليه الرغبويّة المناهضة إمّا للولايات المتّحدة وإمّا لدونالد ترمب وأمزجته، فيما البعض الثالث يعبّر عن ميل راسخ في الثقافة السياسيّة الغربيّة إلى نقد الذات، وصولاً في بعض الأحيان إلى التسربل بمشاعر الذنب. والحال أنَّ الانتكاسةَ الأميركيّة في السنوات القليلة الماضية، والتي توَّجتها «مذكّرة التفاهم»، هي ممَّا لا يُماري فيه متابع عاقل. مع هذا لا بدَّ من التنويه بأنَّ الانسحاب من مكان قد لا يكون بالضرورة هزيمة، والدليل أنَّ انسحاباً كهذا هو، في الولايات المتّحدة، مطلب مزمن لتيّار عريض ذي تقاليد صلبة يُعرف بـ«التيّار الانعزليّ»، وهو في الإدارة الأميركيّة الحاليّة يُمثَّل بمواقع في أعلى هرم السلطة، بما في ذلك نيابة الرئاسة. وهذا فضلاً عن أنّ ما افتتحته «مذكّرة التفاهم» لم يغدُ نهائيّاً بعد، فيما تغيّر العهود يغيّر الكثير من السياسات. على أيّ حال فالذين يتحدّثون عن الانسحاب ويعدّونه هزيمة مطلقة يستعيدون من الماضي القريب صوراً كصورة الانسحاب البريطانيّ من الخليج («شرق السويس») في 1971، أو الانسحابين الفرنسيّين من الهند الصينيّة ثمّ من الجزائر، في أوائل الخمسينات وأوائل الستينات. لكنّ آخرين أشدّ توقاً إلى الملاحم والدراما يذهبون أبعد، فيستشهدون بانهيار الامبراطوريّة الرومانيّة وإمبراطوريّات أخرى. وبالطبع فكلُّ تضخيم لحجم الانسحاب، وتالياً الهزيمة، إنَّما يقود تلقائيّاً إلى تضخيم حجم الانتصار المفترض. في هذا السياق تستعاد محطّات سياسيّة سابقة مهّدت، بما راكمته من فشل، لما آلت إليه الأحوال. فبحسب ستيفن كوك، في «فورين بوليسي» مثلاً، فشلت الولايات المتّحدة في العراق بعد 2003، وفشلت في إنهاء النزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، وقس على ذلك من أفشال. ومن غير إنكار محطّات الفشل تلك، فإنَّ ردَّها الحصريّ إلى الطرف الأميركيّ من دون توزيع المسؤوليّات على نحو عادل لا يساهم بتاتاً في تصويب الصورة. فهل يحجب الفشلُ الأميركيّ في العراق احتقانَ العلاقات الأهليّة وانفجارها بعد عقود من حكم البعث وصدّام حسين؟ وهل ينوب الفشل في توفير السلام مناب العمليّات الإرهابيّة التي شنّتها «حماس» وتوسّع الرقعة التي بات يشغلها في الحياة الإسرائيليّة أقصى اليمين…؟ هنا نبلغ بيت القصيد، وهو الاستنكاف السائد عن النظر إلى الداخل بأدواره وقدراته وتناقضاته وثقافته السائدة، والاكتفاء بالاصطهاج لمجرّد أن أميركا قد تنسحب، و«تجرجر أذيال الخيبة»، على ما يقول فصحاؤنا. والحقّ أنّ تحديد المنسحب، وحتّى المهزوم نفسه، يبقى أقلّ أهميّة من تحديد المنتصر. ذاك أنّ الأوّل لن تلبث هزيمته، ذات التأثير الضخم، أن تتحوّل مع الزمن، وشيئاً فشيئاً، إلى ماضٍ وإلى تاريخ، فيما الثاني هو الذي يستولي انتصاره على المستقبل ويتحكّم فيه. فمن هو الطرف الإقليميّ أو العالميّ الذي سينتصر وينعكس انتصاره علينا إقلاعاً للتقدّم والتحرّر والسلام وامتلاك المصائر الذاتيّة؟ وإذا ذهبنا مع الافتراض القائل إنَّ أميركا ستنسحب و«تترك الأرض لأهل الأرض»، بات مُلحّاً أن نسأل عن القوى المحلّيّة المرشّحة، أو المؤهّلة، للحلول محلّها، وأهمّ من ذلك السؤال عن طبيعة العلاقات السائدة بين دول المنطقة، وعن العلاقات بين الجماعات الأهليّة في كلّ واحد من بلدانها، وعن نوع القوى السياسيّة والشعبيّة التي ستكون مهيّأة لسدّ فراغات لا بدّ أن يتسبّب بها الانسحاب والهزيمة الأميركيّان، وتالياً عن نوع الثقافة السياسيّة في منطقة سبق لها أن أنتجت «داعش» وسبي الإيزيديّات، كما أحلّت قوى سياسيّة أصوليّة في طائفيّتها محلّ أنظمة استبداديّة سقطت. وقد يقال إنَّ انسحاباً أميركيّاً بطعم الهزيمة يُضعف إسرائيل، وهذا جيّد بما فيه الكفاية. لكنْ من هو حاليّاً الطرف الفلسطينيّ الذي يستفيد من إضعاف إسرائيل؟ وهذا ناهيك عن أنّ هذه مسألة واحدة مهمّة من مجموع المسائل المهمّة والكثيرة التي تواجهها شعوب المنطقة، تؤثّر فيها بالتأكيد لكنّها لا تلخّصها. إلى هذا يطالعنا دوماً تفكير تآمريّ في لحظة متطرّفة من اشتغاله بالقول إنَّ الانسحاب الاميركيّ يحل مشاكلنا لأنّ الوجود الأميركي هو ما أنتجها أصلاً. وهذا، فضلاً عن زعم براءة مطلقة ترى في شعوبنا ملايين الملائكة الضحايا، لا يستوقفه للحظة حصاد «التحرّر الوطنيّ» البائس الذي رأى أنَّ علينا طرد المستعمر أو الغريب وكفى الله المؤمنين القتال. وذلك، في أحسن أحواله، تفسير للعالم بسبب واحد وحيد، أو ما يسمّيه الدارسون Monocausalism، حيث ثمّة حتميّة اقتصاديّة أو سياسيّة، بيولوجيّة أو تكنولوجيّة، تقيم وراء كلّ شيء. وغالباً ما شغلَ هذا السَّبَبَ «رأسماليّون أشرار» أو «شيوعيّة هدّامة» أو «يهود» أو «مهاجرون» أو «مؤامرات أجنبيّة». ونحن لا نزال هناك، في ذاك الموقع، فيما بعضنا القليل يتمنَّى أن تنسحبَ من التَّداول طريقة التفكير هذه قبل أن تنسحب أميركا. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post محمود الزيباوي في “الشرق الاوسط” : نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية next post في “الشرق الاوسط”: العراق يضبط أموال اختلاس «تحت الأرض» You may also like غسان شربل في الشرق الاوسط : جنود المرشد... 22 يونيو، 2026 حازم صاغية في الشرق الاوسط : تخصيب «حزب... 21 يونيو، 2026 مناحم مرحافي في المجلة: انتصار إيران أفدح ثمنا... 20 يونيو، 2026 عبد الرحمن الراشد في الشرق الاوسط : هل... 20 يونيو، 2026 ميغافون : زياد ماجد يكتب عن الاتفاق الإيراني... 18 يونيو، 2026 حازم صاغية يكتب عن: أسئلة وتكهّنات في البُعد... 17 يونيو، 2026 حازم صاغية يكتب عن: إيران ولبنان في لحظة... 17 يونيو، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: أخطر بند في... 14 يونيو، 2026 رضوان السيد يكتب عن: كراهية الحرب… وكراهية الغرب! 12 يونيو، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب في الشرق الاوسط عن:... 10 يونيو، 2026