لوحة للرسام هادي دلة (صفحة الرسام - فيسبوك) ثقافة و فنون ثقافة عرفان الفضل كما تتجلى في كتاب “أساتذتي” by admin 27 يونيو، 2026 written by admin 27 يونيو، 2026 12 خلدون النبواني يدمج السيرة المعرفية بالسيرة الذاتية احتفاء بصادق جلال العظم ويوسف سلامة اندبندنت عربية / موسى برهومة يحلو لكثر من المثقفين أن يظهروا نفسهم على أنهم عصاميون ومستقلون، بنوا ذاتهم وشكلوا معرفتهم بمعزل عن أسلافهم. لذا تخلو اعترافاتهم (إن هم اعترفوا) من الامتنان ومفرداته، لأن “أناهم” تشكل جداراً شاهقاً وقاسياً يعوق الإقرار بمساهمة الآخرين من الأسلاف والمعلمين في بناء هذه “الأنا” التي فضلت التنافس على الامتنان، لأن الأخير قد ينتقص من المكانة: أنا ابن نفسي فقط! يختار هؤلاء “المارقون” القطيعة مع الأساتذة ممن يجري تجاهلهم في البداية، ثم قتلهم بالمعنى الفرويدي، لا من أجل تجاوزهم الطبيعي (وهذا أمر محمود ومطلوب) بل من أجل قطع الحبل السري الذي يربطهم بماضيهم والفاعلين الأصليين فيه. لأن هؤلاء الفاعلين قد يُشعرون “تلاميذهم” بالضآلة، ويضعونهم في خانة التبعية. بيد أن هذا الأمر “المنبوذ” ليس الخيار الأفضل في سياق صراع الأجيال. فمن حق الكاتب أو المبدع أن يصنع بصمته الذاتية الخاصة، عبر الصراع الإيجابي للأفكار مع الأسلاف، وليس الاقتداء بهم إلى درجة أن يكون ظلاً لهم. وهو ما أثاره وعمقه الناقد الأميركي هارولد بلوم في كتابه “قلق التأثر” (The Anxiety of Influence) الذي نشر عام 1973 (صدر عن دار التكوين، بترجمة عابد إسماعيل)، ويطرح فكرة أن الإبداع لا ينشأ من فراغ، بل من علاقة معقدة بين الكاتب ومن سبقوه. ويصف هذا الصراع بأنه عملية نفسية وجمالية تؤدي، في أفضل حالاتها، إلى إنتاج أدب أصيل، بدلاً من مجرد التقليد. طاقة الامتنان القصوى كتاب “أساتذتي” (دار النهضة العربية) ما أثار هذه التداعيات هو كتاب “أساتذتي” الذي صدر أخيراً للمفكر السوري المقيم في باريس خلدون النبواني، الذي يعمل أيضاً أستاذاً للفلسفة في جامعة السوربون، وفي “الكتاب”، يحرص النبواني على حشد طاقة الامتنان القصوى لأستاذيه صادق جلال العظم، ويوسف سلامة اللذين درساه الفلسفة في جامعة دمشق. أهدى المؤلف كتابه الصادر عن دار النهضة العربية في بيروت إلى “ذكرى يوسف سلامة وصادق جلال العظم، الفيلسوفين الرائعين. كانا أكثر من أستاذين جامعيين لي، بل صديقين حقيقيين حميمين، رعياني ودعماني وأوصلاني إلى ما وصلت إليه (على تواضع ما أنجزت). لهما، لأنهما بنيا جيلاً فلسفياً في سوريا والعالم العربي. لهما، لأنهما خلخلا الثوابت التي صدئت وحطما الأصنام الفكرية. لهما، لأنهما قدما للفلسفة العربية أعمالاً أصيلة حفرت في أعماقنا وشكلت وعينا…”. وتتخلل الكتاب أنفاس سيرة ذاتية وسيرة أخروية تلتقط الأفكار الكبرى للصداقة المعرفية، من دون نزاع على الأفضلية والمكانة، كما أنها تستبطن مدحاً موارباً للذات يتغذى على السيرة المكثفة بالإنجاز والتجاوز لكلا الأستاذين. وهذا سلوك في التفكير مخالف لما أبديناه في مطلع هذه الكتابة التي تود الثناء على ثناء الطالب لأستاذه. فالغصن يتطلع إلى الفضاء، وهذا نزوعه الأصيل، لكنه إن انفصل عن الشجرة، على نحو إنكاري، أضحى عوداً يابساً سرعان ما يتكسر وتتقشر نضارته. سيرة معرفية هذه السيرة المعرفية التي ارتبطت بالعظم وسلامة ذات صلة قد لا تكون مرئية أو مباشرة مع كتاب النبواني السيروي “الغريب” (2023) الذي اشتمل على تأملات في السياسة والمنفى والاغتراب. وفيه يحيل الكاتب إلى ما يسميه “كوجيتو الغريب”: أنا موجود إذاً أنا غريب. يوضح “غريب” النبواني: “أنتمي بحكم الولادة إلى إحدى الأقليات الطائفية في سوريا، والمقصود هنا الطائفة الدرزية، ولكنني حقيقة لم أشعر يوماً واحداً أنني درزي، بل العكس هو الصحيح فقد عشت هذا الانتماء القسري كلعنة أحاول الهرب منها دائماً، وأشعر بالاختناق كلما أراد أحدهم تصنيفي (أي تصفيتي) في دائرة ضيقة مغلقة. وينطبق علي هنا قول أنسي الحاج: “من يصنفك يقتلك”. الخروج من شرنقة تصنيف الذات والآخر هو ما منح النبواني أن يتتبع خطى أستاذيه لا ليقتلهما، وإنما ليؤكد عدم انفصاله عن الشجرة العملاقة التي تعترف بالأشجار الأخرى، فالغابة تتسع لمزيد من الماء والخضراء والذكر الحسن. ويرى المؤلف أن كتاب “أساتذتي”، وهو كناية عن أنهما ليسا أستاذين فحسب، بل متكثرون، “نص لنا نحن الثلاثة حتى ولو حمل زوراً اسمي وحدي على صفحة الغلاف. هو حلقة جديدة من جدل ونقاش لا يزال مستمراً منذ عقود مع أستاذين وصديقين فتحا لطالبهما الحالم قلبيهما وعقليهما وبيتهما ومكتبتيهما ولم يبخلا عليه بشيء من العلم والنصيحة والدعم والمحبة والصداقة”. ويدين النبواني لصادق جلال العظم، لأنه “كان أول من ساعدني على النشر، وكان أكثر من شجعني واحتملني”، إذ تحول من “أستاذ صارم في جامعة دمشق إلى صديق الغربة في أوروبا”. أما يوسف سلامة “فكان الأب، والصديق، والخصم، والحكم. وبإتاحة الفرصة أمامي للسفر إلى فرنسا غير سلامة حياتي الشخصية والأكاديمية على نحو جذري وفتح أمامي أبواب المستقبل الواسعة على وعورتها، والممكنة على رغم إقفالها الغليظة. لقد آمن بي وأنا أحاول لليوم ألا أخيب أمله”. السيرة والأسرار حاول النبواني أن يخلط السيرة المعرفية بالسيرة الذاتية المتصلة بأشخاص يود القراء أن يعرفوا عنهما ما لم يرد في الكتب أو الإعلام. أي أن يطلوا على خفايا هذه الشخصيات من منظور طالب عايشهم وخالطهم وعرف عنهم مزايا أو سجايا أو ملاحظات لا يعرفها العامة. اقرأ المزيد التحولات الفكرية تعيد صنع التاريخ بعيدا من الأحداث الكبرى كتب غيرت النقاشات الفكرية في الربع الأول من القرن الكاتب، وفق ذلك، دمج الشخصي والحميمي مع المنجز المشهر لكل من العظم وسلامة، فعرض لكتبهما ومعاركهما الفكرية (وبخاصة العظم)، وكان ذلك من خلال مقالات وحوارات كان أنجزها النبواني في وقت سابق ونشرت في الإعلام. لهذا غلب ما هو معروف على ما هو مستتر! يستذكر النبواني المعارك الفكرية التي خاضها العظم بعد نشر كتابه المثير للجدل “نقد الفكر الديني” الذي وضع صاحبه في عين العاصفة التي استهلكت نفسه وأعصابه وسكينته. ويلفت مؤلف “أساتذتي” إلى أن العظم أمضى حياته كائناً سرياً يحظر الحديث عن شؤونه الذاتية الحميمية. ويعزو ذلك في مقالة نشرها العظم في صحيفة “السفير” إلى رغبة صاحب “ذهنية التحريم” بأن يحتفظ بالكثير من التفاصيل لنفسه ولذاته “بعيداً من أعين الغرباء. وإلا فما معنى أن أكون ذاتاً لنفسها، وليس لغيرها فحسب؟ فإذا لا بوح، لا اعترافات، لا وجدانيات، لا غراميات، لا وشوشات، لا استغابات، لا نسائيات، لا نميمة، لا عواطف أو انفعالات، بل شخصية عامة تحتفظ لنفسها دوماً وللأقربين أحياناً بخصوصياتها وحميمياتها واستمتاعاتها وطرائفها وسقطاتها ومباذلها”. أما ما أورده النبواني عن يوسف سلامة فبدا أكثر حميمية والتصاقاً وأشد عمقاً في أغوار الفيلسوف الضرير، الذي أبصر بعقله وبقلبه. ويستذكر المؤلف مقولة دوستويفسكي “كلنا خرجنا من معطف غوغول”، إذ يذكر “الحق يقال، كل طلاب يوسف سلامة (لست المحظوظ الوحيد في هذا) قد خرجوا جميعاً من معطفه الدافئ والواسع الذي استطاع احتواءنا جميعاً بمحبة أب يحضن أطفاله”. الطابق العلوي للوعي التجريدي وعن يوسف سلامة الفيلسوف، يقول النبواني إنه استعاض عن الحاسة البصرية المعطوبة بتطوير تأمل ذهني متمرس على التفكر الفلسفي التأملي، ولهذا فقد عاش حياته الفلسفية في الطابق العلوي للوعي التجريدي، أي في عالم المفاهيم والتصورات العقلية. وهو لهذا كان يرى على نحو أوضح وأصفى مما قد يراه جميع من يسكن في الطوابق الأدنى، أي في عوالم الانطباعات الحسية والأفكار البسيطة”. فضيلة كتاب النبواني الكبرى أنه يجعل التواضع في حضرة الأساتذة ضرورة متصلة بالمروءة المعرفية التي سار عليها الأقدمون والراهنون. وقد نشأ علم في العربية عن معاجم الشيوخ، فهارس الشيوخ، وكتب الطبقات والتراجم، التي لم تكن معنية بالتوثيق بمقدار عنايتها ببيان فضل الأساتذة والشيوخ على طلبتهم. ثمة مثل مجري يقول: “إذا قصرت يدك بالمكافأة، فليطل لسانك بالشكر”. المزيد عن: كاتب سوري الأساتذدة عرفان الفضل الإمتنان الفكري صادق جلال العظم يوسف سلامة الفكر العربي دمشق 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post next post إبراهيم العريس في اندبندنت عربية : حكاية إمبراطورة منحت السينما اليابانية عالميتها You may also like مارلين كنعان في اندبندنت عربية : الحياة الطيفية... 27 يونيو، 2026 “ذات الكيمونو الأبيض” تخلط الدم الياباني بالأميركي 27 يونيو، 2026 إبراهيم العريس في اندبندنت عربية : حكاية إمبراطورة... 27 يونيو، 2026 المونديال يخفت شعلة “موازين” في دورته الجديدة 26 يونيو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: المرض والطبيعة والزمن... 26 يونيو، 2026 في “الجزيرة”: الفلسطيني الذي قاد معركتنا في الغرب... 25 يونيو، 2026 سايمون موندي في “اندبندنت عربية”: “بريكست” يترك فاتورته... 25 يونيو، 2026 أنابيل نيوجنت في “اندبندنت عربية” : كتب ينصح... 25 يونيو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: أوبرا “آرميد”… 100... 25 يونيو، 2026 “بوليوود”… نكهة الهند البصرية 24 يونيو، 2026