الأربعاء, مايو 13, 2026
الأربعاء, مايو 13, 2026
Home » فخ الذاكرة ولعنة الماضي في “متحف الأخطاء” 

فخ الذاكرة ولعنة الماضي في “متحف الأخطاء” 

by admin

 

 قصص فانتازية لمنصورة عز الدين توثق تاريخاً من التشظي

اندبندنت عربية/ نشوة أحمد

في مجموعتها القصصية الأحدث “متحف الأخطاء” (دار الشروق – القاهرة)، تتجول الكاتبة منصورة عز الدين بين الشرق والغرب. تمنح النساء النصيب الأكبر من سلطة السرد، الذي تتراوح ضمائره بين غائب ومتكلم ومخاطب، وإن كانت الغلبة لصوت الأنا المسكونة بماض لا تغادره، وربما هو الذي لا يغادرها.

حضور شائك

يبرز في كل قصص المجموعة حضور شائك للماضي، يلاحق الشخوص في حاضرها، فبينما تصنع “لبنى” في قصة “متحف الأخطاء” معرضاً من صور توثق تاريخاً من الحزن والإخفاق والعقاب، تعلن “بروين” الإيرانية في قصة “نجمة الصباح” تمردها على ماضيها، ترتدي القصير المكشوف متجاهلة برودة باريس، وتصارع جراء تمردها شعوراً بالهشاشة والنبذ في العراء. أما “شيماء” في قصة “رفقة ظلي” فتخالف طبيعة الظبي فيها، ترافق ظلاً حاضراً لرجل غائب، كتميمة تحتمي بها من الخوف والوحدة، على رغم إدراكها أن “إدريس” الذي تحبه، ليس سوى نسخة من صنع خيالها.

المجموعة القصصية (دار الشروق)

وفي قصة “أبعد للمشتاق من إرم” يتكشف أن الحب قد يولد، حين يصبح الحبيب وسيلة لاستعادة الماضي والعودة له. فلم يكن انجذاب “إدريس” نحو فتاته المصرية، إلا لأن حبها أعاد له طفولته المفقودة، وما تسرب عبر السنين من بين أصابعه. في حين يدفع الماضي “آن ماري” في قصة “تفاح نورماندي”، للتمسك بزوجها، الذي يتحول لطفل سعيد مع امرأة أخرى، خوفاً من وحدة عاشتها قبله. وفي قصة “هذا كل ما في الأمر”، تتفق البطلة وصديقتها “مونيك” اتفاقاً ضمنياً على دفن الماضي، وحين تخالف البطلة اتفاقهما، ترحل “مونيك” ولا تعود.

يعود الماضي في قصة “عيون المها” كإرث قمعي، وقيد ينال من حرية الروح، وينتهكها فـ”نجلاء” التي قتلت إنسانيتها مقصلة المجتمع، ما تلبث أن تستنسخ عباءة الأمهات، ترى بعيونهن وتعيد إنتاج المقصلة. وفي قصة “قانون الطفو” تمثل البطلة المجهلة جيلاً كاملاً انهارت أحلامه في الميدان، ليتحول ماضيها إلى كمين، وتصبح محاولة استعادته مغامرة محفوفة بالخطر.

بنية الرمز

تمضي الكاتبة في كل قصص المجموعة نحو توظيف الأحداث، والوقائع، وحتى التفاصيل الصغيرة كحوامل دلالية، فتحول صورة “لبنى” وهي تبكي في عيد ميلادها العاشر، إثر لطمة قوية من الأم، إلى وثيقة تجمد الألم. وتجسد عبر معرض يضم صوراً مماثلة، رغبة أمومية في إحكام السيطرة، خلفت ميراثاً ثقيلاً من حزن، شوه روح البطلة / الابنة، وضعضع إرادتها، ونال من سلامها النفسي، “إضافة إلى صورة عيد الميلاد، علقت صوراً أخرى، يجمع بينها تأبيدها للحظات حزن أو إخفاق ما.

وتساءلت، وهي تفعل عن سر ولع الأم بتوثيق مثل تلك اللحظات” ص17. وفي قصة “جدة بعيدة تبكي في الظلام”، تحيل الكاتبة عبر خطيئة الأم، التي وقعت في حب خطيب ابنتها، والابنة التي وقعت في حب غريب متزوج ولديه طفلتان، والزوج الذي انفصل عن زوجته لعلاقة تربطه بزميلة عمل، إلى نمط متكرر من الخطأ، يحيل بدوره إلى ضعف إنساني، تراه يستحق التعاطف، لا الإدانة والشيطنة.

الروائية منصورة عز الدين (صفحة فيسبوك)

وبالمثل حملت الكاتبة شخصية “نجلاء” في قصة “عيون المها”، أبعاداً رمزية واجتماعية ثقيلة. ومررت عبرها نقداً لنسق اجتماعي يقهر الأنثى، ويمسخ هويتها، ويجعل من جسدها عبئاً عليها، ومساحة مفتوحة للاتهام، مما يحولها في النهاية إلى أداة أخرى في ماكينة الامتهان، تمارس القهر ذاته تجاه غيرها من النساء، “استنتجت بسنواتي القليلة وعدم درايتي بشؤون الكبار، أن للرجال وحدهم الحق في الغضب.

ثم، مع ملاحظتي عدد النساء الحزينات خمنت أن الغضب للرجال والحزن للنساء، واستحال تخميني هذا يقيناً، حين لاحظت أن الذكور من حولي يثورون ويشتمون، في حين تكتفي الإناث بالبكاء” ص 93. كذلك يتجلى الرمز بكثافة في قصة “مهرجان ثربانتس”، بدءاً من استدعاء اسم ثربانتس نفسه الذي كتب روايته “دون كيخوتة” في السجن، وجسد عبرها أوهام الفروسية والبطولات الخادعة، مروراً برغبة مجلس المدينة، في استخدام البطلة / الكاتبة، لإعادة كتابة الرواية نفسها بلا تغييرات جوهرية، وانتهاء باستيقاظها ذات صباح لتجد كلماتها تعاديها، فتكتب عكس ما تريد، ثم تستحيل إلى شهرزاد جديدة تستعيض عن الكتابة بالحكي الشفهي حتى تتمكن من قول ما يعن لها. وتحيل هذه الشفرات إلى قيود تلتف حول عنق الكاتب فتخرس قلمه، وتحوله إلى صنم ثقافي مستلب، ليجابهها هو بالتحايل، كي يتمكن من بلوغ حريته.

تجليات الفانتازيا

تتجلى الفانتازيا في قصص المجموعة كضرورة فنية ينهض عليها القص، تتداخل خيوطها فتثمر في بعض القصص، نسيجاً سريالياً يعكس اضطراب النفس، ومشاعرها المعقدة بين الاغتراب والعجز، وكذا الشعور بالذنب والألفة مع الألم، كما في قصة “قانون الطفو”، إذ ترسم الكاتبة فضاء مكانياً غرائبياً يحمل طابعاً سوداوياً، “بدت البنايات كأطلال تنتمي إلى حضارة اندثرت، ولم تخلف وراءها سوى بقايا مدينة حجرية تتوزع في أرجائها أشجار خروع تعشش فوقها طيور تنعق بلا توقف” ص149.

وفضلاً عن ملامح المكان، تمتد الفانتازيا إلى الأحداث، فيتجسد صوت الأنين الذي يتعقب البطلة ويحيط بها من كل جانب، وكذا المصير الذي تؤول إليه لمرات متكررة داخل البيت الملغم والمهجور. لتتكشف غاية عز الدين في توظيف الغرائبية كمرآة لواقع كابوسي، تتجلى على سطحها أصداء صدمة لم تنقض، منذ أن وقعت في ميدان يعج بالموت، والفقد، والهتافات، والروائح الخانقة، والعيون المتهيجة. وفي قصة “ثوب العالم” تتجلى الفانتازيا عبر الزاهد الصيني الذي قارب عمره 200 سنة، وقانونه الذي يقضي بأن من يطلع على سر من أسراره، لا يراه بعدها أبداً.

اقرأ المزيد

وبينما لم يطلع بطل القصة / الرحالة على أي من أسراره، إلا أنه يختفي، ليرث الرحالة دور الزاهد ويواصل منهجه في الاختفاء. وعبر هذا النفس الفانتازي، تحول الكاتبة السفر المكاني إلى سفر روحي، وتجسد الماضي مرة أخرى كذنب غير قابل للمحو، وقدر محتوم، ودافع للارتحال والهرب. كذلك تبرز الفانتازيا في قصة “مأمورة بما لا نعلم” عبر استدعاء الكاتبة لأسطورة شعبية عن تناسخ الروح البشرية، وانتقالها أحياناً بعد الموت إلى جسد قطة. وتوظفتها عز الدين كمبرر درامي، يفسر تحول حادثة دهس القطة إلى فجيعة وجودية، باعتبارها فقداً ثانياً للرضيعة المتوفاة. وفي قصة “سرحة الغزلان”، تحظى الفانتازيا بدور فاعل في تطور ونمو الأحداث، إذ تتجلى كوسيلة تستعيد من خلالها الزوجة القتيلة “جلبهار” حياتها بعد الموت، وكذا صوتها المفقود لتحكي قصة مغايرة أغفلها شهريار في حكاياته عن الزوجة الخائنة.

هذا الوجود الشبحي للضحية المسحوقة يتيح لعالمين متباعدين أن يتقاربا في مواجهة ميتافيزيقية، عالم الروح المنسية وعالم شهرزاد الخالدة، مما يسمح بتوثيق معاناة مسكوت عنها، وألم لم يلتفت إليه، وكتابة تاريخ آخر لا يكتبه المنتصر، وإنما يكتبه المهزومون والضحايا، “انتزعني ملكك السعيد ذو الرأي الرشيد من حياة تواءمت معها. تزوجني وجعلني ملكة تأمر فتطاع، لكنه سرعان ما مل مني، وهجرني إلى محظياته. إن استدعاني إلى حضرته، لا يكاد ينظر إلي وهو يحدثني. لم يفت ضجره بي على الحاشية وأفراد البلاط، أطاعوني كعادتهم، لكنني بت ألمح في عيونهم لمحة استهزاء لم يكترثوا بإخفائها” ص199.

تقنيات بصرية

فضلاً عن الحضور الكثيف لتقنيات الوصف، تكتسي لغة السرد بسمة بصرية، تتيح بناء العالم القصصي، على نحو يضع ما يقع فيه من أحداث، في مرمى عين القارئ. وتدعم الكاتبة هذه السمة عبر ما تستدعيه من تقنيات سينمائية، فدائماً ما تنزع إلى إبراز لقطة تأسيسية تجسد عبرها جغرافية المكان، والفعل الرئيس الذي يدور فيه، والعلاقات بين الشخصيات، ثم تتجه في لقطة مقربة “كلوز آب”، نحو الموضوع الذي يتصدر المشهد، “رأيتها تقطع شارع بونابرت، ساهية عما حولها، بلغت مقهى دي فلور في سان جيرمان.

هناك، توقفت حائرة” ص 21، “بدأت الحديقة تزدحم، وغابت الشمس موقتاً خلف غيمة داكنة، اقترب غراب من النافورة ووقف على حافتها، ثم بلل نفسه بمائها” ص71. كذلك تبرز تقنية الفوتومونتاج عبر تكوينات بصرية، تشكلها الكاتبة من صور منفصلة ومتباعدة، كما في قصة “قانون الطفو”، إذ تتداعى صور لذكريات متفرقة في مشهد واحد، على نحو يعكس تداخل الأزمنة في وعي البطلة، “واربت باباً ينفتح على ذكريات متطايرة، فغمت أنفي رائحة قرفة ترش على سحلب ساخن. ثم رأيتني بعد أعوام أقف ذات ظهيرة قائظة، في ظل كافورة على الطريق الزراعي الموصل إلى البيت، لكنها لم تكن معي في الميدان حيث الهتافات والرائحة المهيجة للأنف والعينين، وحيث ألقيت نفسي على الأرض تدوسني الأقدام” ص158.

وتواصل الكاتبة استدعاء السينما عبر ما تلتقطه من لقطات اعتراضية، تكسر عبرها الزمن الخطي، باستدعاء لقطة أخرى من الذاكرة أو الخيال. وتتكرر هذه التقنية بفعل كثافة حضور ثنائية الحاضر والماضي، وكذا الواقعي والمتخيل، كما في قصة “ماريز”، “ترقص ماريز فيشرد ذهني بعيداً منها، متخيلاً جسداً غفلاً يتمايل في الفراغ، ويصبح صاحبه ربة وثنية أو كاهنة مقدسة” ص 123. وعبر كل ما تنتهجه في 15 قصة من تقنيات وجماليات، تعيد الكاتبة الاعتبار للهامشي والمنسي، في محاولة للنجاة من فخاخ الذاكرة، لا عبر الهرب منها، وإنما عبر النظر من خلالها.

المزيد عن: كاتبة مصرية مجموعة قصصية الفانتازيا الذاكرة الماضي السرد شخصيات النساء

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00