بن جونسون (1582 - 1637) (الموسوعة البريطانية) ثقافة و فنون مسرحية هزلية كادت تضع بن جونسون قبل شكسبير by admin 10 مايو، 2026 written by admin 10 مايو، 2026 18 “فولبوني” تناقلتها الأيدي والخشبات وصولاً إلى تسفايغ خلال القرن الـ20 اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب في عدد من الكتب والدراسات، وحتى لاحقاً في أفلام وبرامج تلفزيونية كان موضوعها مسرح شكسبير وعوالمه في العصر الإليزابيثي البريطاني عند بدايات القرن الـ17، قيل لنا دائماً إنه لئن كان لشاعر الإنجليز الأكبر في ذلك الحين، صاحب “هاملت” و”روميو وجولييت” وتحف أخرى لا تزال تعيش بيننا بعد “ولادتها” بما يزيد على نصف ألفية من السنين، إن كان له في زمنه منافس في الكتابة المسرحية في الأقل، أرعبه فعلاً وأيقظ حذره منه ذات لحظات من حياته ومساره المهني، فإن ذلك المنافس لم يكن سوى بن جونسون (1572 – 1637) الذي كان، ظاهرياً على أية حاله، صديقه. ويبدو وكأن تعبير “الصديق اللدود” إنما اخترع لينطبق على العلاقة بينهما، ولكن الحقيقة أن بن جونسون، إن لم يكن أقل موهبة من شكسبير، فإنه كان أقل حظاً منه. ومن هنا على رغم كتاباته الكثيرة وعيشه أعواماً كثيرة بعد زميله، لم يوفق بأن يبقي التاريخ على ذكراه من خلال عدد من المسرحيات يضاهي ما بقي من شكسبير. ففي حين بقي من شكسبير كل نتاجه حياً يدرس ويقدم ويعد حتى اليوم المتن المسرحي الأكبر والأهم في العالم، لم يبق من بن جونسون سوى أقل من 10 مسرحيات لا تزال تذكر جيلاً بعد جيل بل يقدم أقل من ثلاث أو أربع منها فقط بحيث تبقى حية إلى جانب مسرحيات المنافس الكبير. مسرحية للثعلب ولعل في إمكاننا أن نقول إن مسرحية واحدة فقط من تراث جونسون لا تزال حية حقاً حتى اليوم تقدم ويعاد تقديمها وتعد عملاً باقياً ويتناسب مع مزاجات الجماهير المتعاقبة جيلاً بعد الآخر، وكأنها كتبت في الأمس فقط مع أنها قدمت في المرة الأولى عام 1606 لتنشر في العام التالي. وهي لم تكن من ابتكار كاتبها الذي كان حينها في الـ34، بل كانت حتى مقتبسة عن الكاتبين المسرحيين اللاتينيين بلوتون ولوقيانوس، إضافة إلى استعارات كثيرة فيها من حوارات باتروني صاحب “ساتيريكون” الشهيرة. رسم يمثل تقديما قديما لمسرحية فولبوني (ويكيميديا) وأبرز ما تتشابه فيه “فولبوني” مع ذلك المسرح اللاتيني هو إسناد البطولة فيها إلى فولبوني الذي جعل الكاتب عنوان المسرحية على اسمه لكنه الحق الاسم بتوصيف يصر عليه عادة مقدمو المسرحية في لغتها الإنجليزية الأصلية وهو “الثعلب” بحيث إن عنوانها في لغة الإنجليز هو “فولبوني الثعلب” حتى وإن كانت ترجمتها إلى لغات أخرى تكتفي بعنوان “فولبوني” وهو ما يحافظ للنص على مفاجآته وشيء من الغموض حتى ولو كان في وسعنا أن نتساءل عما إذا كان ثمة غموض حقيقي يمكن بعدما يحيط بمسرحية تعد من أشهر الهزليات التي عرفها المسرح الإليزابيثي، إلى درجة أن عدداً لا بأس به من النقاد المتخصصين في ذلك المسرح يفتون بأنها تفوق في جمالها وقوتها هزليات شكسبير نفسه مجتمعة. تسفايغ على الخط وهذا ما كان عليه رأي الكاتب النمسوي شتيفان تسفايغ الذي أعاد كتابتها على طريقته المسيسة في القرن الـ20 في نص يفضله الفرنسيون على النص الأصلي، ولا سيما منذ اقتبسه كاتبهم جول رومان في فرنسية شديدة الأناقة من مزاياها أنها نثرية لا شعرية كما هي حالها لدى بن جونسون، كذلك تخلو من الابتذال اللغوي الذي تتسم به المسرحية في أصلها الإنجليزي. طبعة قديمة من “فولبوني” (أمازون) المهم أن العمل حي ويقدم في مكان أوروبي ما بشكل منتظم غير مرة في العام، بل ثمة لحد علمنا اقتباس له في نوع من كوميديا موسيقية ربما كان عرضها الأول في برودواي ذات عام، من دون أن ننسى اقتباس السينما لها مرات ومرات ولا سيما السينما الفرنسية، فما الذي في “فولبوني” يبرر هذه المكانة التي تفردت بها في تراث بن جونسون؟ الحقيقة، وبكل بساطة أن في هذه المسرحية كل ما من شأنه أن يثير إعجاب المتفرج الذي كان يبدي سأمه في زمن المسرح الإليزابيثي من طغيان اللغة الشعبية الفاحشة والمواضيع المفتعلة والمواقف المبتذلة وغيرها من أمور كانت مستعارة في ذلك الزمن من أردأ أعمال التهريج الإيطالي الذي وصل لندن من طريق من خيل إليهم أن تلك الأعمال التي يستعيرونها هي الترجمة الحقيقية للكوميديا ديل ارتي التي كانت في ذروة تألقها. الفن ضد الابتذال ففي لندن الشعبية كان مستوى الجمهور قد انحدر في مطالبته بمسرح كوميدي آتٍ من “بلاد الشمس الساطعة” كنوع من ترفيه يتناسب مع سوقية طبقة من الناس تأتي إلى المسرح لكي تشاهد وتشارك في ما يساعدها على التعبير عن نفسها بالشتائم وما يدانيها. وكانت اللغة والمواقف، الفضاء الأرحب لاستجابة ذلك الجمهور واستدرار شلناته وبنساته، وهو يدرك أن الغاية هنا لم تعد التفاعل مع المسرح كفن، بل إجبار هذا الأخير على الانصياع لرغبات المتفرجين. اقرأ المزيد هكذا عاد بن جونسون الأكثر شهرة من شكسبير “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد أشباح الماضي تدمر حاضرنا في مسرحية “يظل ظل” ولعل في إمكاننا أن نعثر على تلابيب هذا التفاعل غير الخلاق حتى في بعض مسرحيات شكسبير الهزلية ولا سيما منها ما اقتبسه عن الأدب الشعبي الإيطالي – كما الحال مع “ديكاميرون” بوكاشيو على سبيل المثال. ولعل الغاية الأولى التي حركت بن جونسون وفي الأقل لكتابة “فولبوني” إنما كانت تلك الحال التي كان يسعى إلى التصدي لها، بمعنى أنه هنا ابتعد كثيراً من ذلك “التهريج المبتذل” الذي كان هو نفسه يأخذه حتى على شكسبير ليعيد للغة المسرح الهزلي شيئاً من رصانة، يحاول عبرها أن يعود للارتقاء بمستوى الجمهور محاولاً أن ينأى بالمسرح عن سوقية لغة الشارع. وهو للتمكن من ذلك عرف بالتأكيد كيف يشتغل على الحبكة، جاعلاً إياها قادرة على أسر المتفرجين وإبقائهم على مقاعدهم بدلاً عما اعتادوه من الوقوف في الممرات وحول الخشبة مباشرة متدخلين في النص والحوارات كما يروق لهم. الوصفة الناجحة بالنسبة إلى بن جونسون كان سر التصدي للابتذال يكمن إذاً، ليس في الانفصال عن الجمهور، ولكن في الترفيه عنه كما يريد تماماً ولكن عبر اشتغال على موضوع جذاب ومثير للاهتمام، يتعلق هنا بما يمت إلى الحياة العادية للناس بصلة أي المال والعائلة والوراثة وغيرها من أمور نعرف كم من مؤامرات وضروب صراعات عائلية تحركها وتتحرك بها عادة. وفي هذا السياق عرف بن جونسون كيف يجدد من خلال التمسك بعناصر يحبها الجمهور كخلو النص من نهاية سعيدة وأخلاقية، وعدم معاقبة الشرير وما إلى ذلك. وبهذا ومن خلال اشتغال ذكي على النص واللغة أولاً وأخيراً، تمكن بن جونسون، وليس في “فولبوني” وحدها على أية حال، من أن يعيد خلق المسرح الهزلي الإليزابيثي وإغراء الجمهور بأن يتابعه، من دون أن يجد هذا الجمهور نفسه قادراً أو حتى راغباً، في الوقوف في الصالة والزعيق وما شابه ذلك. المزيد عن: بريطانيا إيطاليا فرنسا المسرح بن جونسون شكسبير 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post جعجع: المفاوضات يجب أن تنتهي إلى وضع طبيعي ودائم على الحدود لا لتهدئات مؤقتة next post السينما تبهج ليالي تعز اليمنية بعد سنوات الصراع You may also like يورغن هابرماس: “كان لا بد من القيام بما... 10 مايو، 2026 صلاح جاهين… مبدع الريشة والقلم 10 مايو، 2026 السينما تبهج ليالي تعز اليمنية بعد سنوات الصراع 10 مايو، 2026 عالية ممدوح تواجه ذاكرتها الجريحة في “خلوة النقص” 10 مايو، 2026 السلطة العاشقة إذ تكتب تاريخ الشغف المحتدم 10 مايو، 2026 سينما عربية بتمويل أجنبي… فتش عن الرسالة 10 مايو، 2026 لوحة السوريالي رينيه ماغريت “بطلة” فيلم هوليوودي 10 مايو، 2026 رحيل «عميد الأغنية المغربية»… عبد الوهاب الدكالي يودع... 10 مايو، 2026 عبده وازن يكتب عن: “يوميات” الروائي محمد طلوعي... 8 مايو، 2026 بين كونراد وفلوبير و”أحلام” الاستعماري المجهضة 8 مايو، 2026