الأحد, مايو 10, 2026
الأحد, مايو 10, 2026
Home » عالية ممدوح تواجه ذاكرتها الجريحة في “خلوة النقص”

عالية ممدوح تواجه ذاكرتها الجريحة في “خلوة النقص”

by admin

 

رواية تتجاوز أفق السيرة المرضية لتبلغ فضاء فلسفياً وجمالياً مفتوحاً على الأسئلة الوجودية

اندبندنت عربية/ لنا عبد الرحمن

الرواية السيرية “خلوة النقص” تلغي المسافة بين الكاتبة وكتابتها، بين المريضة وراويتها، بين النقص الجسدي والرؤية الوجودية المتفحصة في الحياة والموت. وفي الفصول الأربعة عشر ذات العناوين الداخلية، يتنوع السرد بين النثر والشعر، وتتداخل الضمائر مع تيار الوعي، مما يجعل بنيتها أقرب إلى نص متعدد المسارات، منها إلى رواية بالمعنى التقليدي.

اختارت ممدوح أن تفتتح روايتها بقصيدة لريتا دوف، وهذا الاختيار ليس شكلياً بل هو موقف من طبيعة ما ستقوله. قصيدة دوف تبدأ بتحية ونشيد للذين يرتدون “الثياب البيضاء والقفازات الزرقاء”، ثم تنزلق إلى لغة الجسد والحب والتحلل معاً، “الملفوف يسودّ، والقرنبيط يفكر بأطفاله”؛ ليكون المزج بين المرئي والعاطفي والغائب، وهذا تماماً ما ستفعله ممدوح طوال روايتها؛ تتحدث عن المرض كأنه حب، وعن الحب كأنه مرض، وعن الجسد كأنه نص يُقرأ ويتآكل في آنٍ واحد. اختيار دوف تحديداً ليس عشوائياً؛ فهي شاعرة تكتب من داخل الجسد الأنثوي، ومن داخل الذاكرة والمكان، ومن داخل اللغة وهي تبحث عما لا تستطيع قوله. ممدوح تضع نفسها في هذا التقليد قبل أن تبدأ، كأنها تقول: ما ستقرأه ليس سيرة مرض، بل هو هذا النوع من الكتابة.

في خلوة المستشفى

صدرت سيرة “خلوة النقص”، بعد تجربة مديدة للكاتبة مع المرض والمستشفيات الفرنسية، لكنها تتجاوز أُفق السيرة المرضية لتبلغ فضاء فلسفياً وجمالياً مكثَّفاً. تكتب ممدوح بوصفها روائية متمرسة تعرف كيف تجعل من الألم مادة سردية، ومن الموت شخصية روائية تسكن المتن من دون أن تهيمن عليه.

تتميز الرواية ببنية سردية تقوم على ما تسميه ممدوح صراحة “إشكالية الضمائر”، ضمير المتكلم وضمير المخاطب والغائب يتداخلون ويتصارعون طوال النص. كأن هذا التنوع هو الطريقة الوحيدة الملائمة لرواية تجربة الذات وهي تتشظى بين المرض والذاكرة والمنفى.

الرواية السيرية (دار الآداب)

ضمير المخاطب “أنت” الذي يشغل موقعاً من السرد يحمل دلالة مزدوجة: فهو يُخاطب المحبوب الغائب الذي يتشكّل شيئاً فشيئاً في النص، وفي الوقت ذاته يُخاطب الراوية نفسها، كما يُخاطب القارئ الضمني. هذا التعدد في المرجع يخلق نوعاً من التضامن العميق بين الكاتبة وقارئها، كأنهما يشتركان في مواجهة ما لا يُقال.

في المقابل يظهر ضمير الغائب “هو” بوصفه الموت والمرض معاً، أو ذلك الذي ترفض الراوية حضوره الكامل في نصها. تكتب ممدوح: “الغائب الذي يذكّرني بالموت”. هذا الغائب الذي لا يُسمَّى يُكسب النص طاقة احتجاجية خفية، إذ يرفض الموتُ أن يكون شخصية مريحة. لنقرأ ما تقوله:

“تصوّرت، هكذا ومنذ أبحاثي الأولى حول إشكالية استخدام الضمائر في التخييل السردي، أن هناك تعاطفاً ورأفة كيميائياً وبيولوجياً وعصبياً، ما بين تنامي التدوين والمتن، وأن المؤلف يقترب ويبتعد تارة أخرى وهو ينتظر مجيء بعض الشخصيات، وتعديل خُلق البعض الآخر، وما بين هذا الابتعاد والاقتراب كان الضميران ينغمسان ما بين حياتي ودنو موتي وهما يتفوّهان في أذني كلاماً صادراً منهما، وليس نيابة عن ذلك الذي لا أحبذه؛ الغائب، الذي يذكّرني بالموت”.

فلسفة الحياة

تكتب ممدوح عن المرض كما لو أنها تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والوعي، وبين الألم والكتابة. تقول: “المرض حالة تشريف، أن تكون متألماً وحدك وأنت تنكب عليه وهو يهيل عليك هذا الاستغناء البهيج عن الجميع.”

هذه المفارقة الغامضة، الاستغناء البهيج وسط الألم، تُشكّل لبَّ الرؤية الفلسفية في الرواية. المرض ليس نقيض الحياة، بل هو احتدامها الأقصى. ومع الوصول إلى قاع الوجع تبلغ اللغة ذروة تكثُّفها.

هذه الرواية السيرية  تقوم على ثنائية مكانية جذرية بين بغداد وباريس، لكن  الكاتبة لا تُقدّم هذا بوصفه تعارضاً بسيطاً بين وطن مفقود ومنفى قاسٍ. بغداد في الرواية مكان مريض أيضاً، “مريضة دائماً ولا تتناول الأدوية بانتظام”، وباريس مكان يفرض قوانينه الباردة حد الألم والبكاء.

يقترب النص في أسئلته من الفكر الغربي الممتد من سقراط حين سأل “ما الشجاعة؟” إلى جيل دولوز الذي يكتب عن التلعثم في اللغة لا في الكلام. تستحضر هذين المرجعين صراحة في النص، لكنها تستوعبهما في تجربة عراقية، باريسية خاصة، تصوغها من موقع المرأة المريضة المنفية.

الهوية والذاكرة

في فصل “خلوة النبتة” تتخذ صاحبة “محبوبات”، من النباتات المتسلقة رفيقاً للمرض لا زينة للمكان؛ فهي تسقيها وتمسح أوراقها وتغني لها كما يُعتنى بمريض لا يتكلم. والمفارقة أن الكاتبة تقول صراحة، كلا، لم أفكر بالموت، وهي في اللحظة ذاتها تصف الورقة التي اصفرت وظهرت فيها ثقوب وبدأت تنكمش داخل عزلتها، أي إنها تصف الموت بكل تفصيلاته وهي تنفيه. النبتة هنا مرآة للجسد المريض الذي يهاجر خارج حدوده كما “تقدم النباتات أوراقاً للجوء كما البشر تماماً”، وفي هذه المعادلة الصامتة بين التربة والجسد والأفول، تكمن أكثر لحظات الرواية صدقاً وإيلاماً.

ثمة استمرارية نسائية في النص بين الجدة والراوية، كأن الحكمة في مواجهة الفناء تُورَّث عبر خط النساء. تقول: “أحاول إلقاء جسمي على السرير فيبدأ السعال المتواصل، وألم يمر في الفم وبين الشفتين، فأرفع رأسي وأترك السرير وأعود للنظر إلى السماء، كما كانت الجدة وفيقة تفعل. إنها لم تبغض الألم، فجعلت من وجهها وصوتها يصلحان لذاك النوع من المنطق: إن الألم لا يجوز أن يكون خارج العائلة.”

ولعل ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، اختيار كلمة “جسمي” في هذه الفقرة بالذات، كأن الراوية في تلك اللحظة تنظر إلى نفسها من الخارج، ترى كتلتها المادية الثقيلة التي لا تطاوعها، لا جسدها الحي الذي تعيش فيه تجربة الحياة ككل. وهذا الاختيار قد يكون مقصوداً من ممدوح أو غير مقصود، لكنه في كلتا الحالين يستحق الإشارة إليه.

وتلجأ الكاتبة أسلوبياً إلى السخرية بوصفها سلاحاً دفاعياً أخيراً. تقول صراحة: “لم يبقَ من الأسلحة التي تنسجم مع حالات الطوارئ إلا هذه، أحاول الضحك والسخرية من أي شيء وكل شيء.” وهذا التوصيف، السخرية بوصفها سلاحاً لا ترفاً، يكشف عن وعي بأن الألم لا يُقهر بالجدية وحدها. ثم يبلغ هذا الأسلوب ذروته حين تصف علاقتها بمرضها كأنها علاقة بين لاعبَي ورق: “لو يحبني مرضي كما يجب ولا يتهرب مني، فيكون حاسماً متزناً ويعلن عن مشاعره، في مقدورنا أن نلعب الورق كأفضل اثنين.” هذه المفارقة الساخرة بين لغة اللعب ولغة المرض، هي إحدى أكثر اللحظات درامية في الرواية، إذ تُحوّل احتدام الوجع إلى نوع من الكوميديا السوداء التي لا تُخفف الألم بل تُعريه من هيبته.

الحب والموت

العلاقة بين المرض والحب في هذه السيرة، ليست علاقة تعارض بل علاقة مماثلة وتشابه عميق؛ فكلاهما يُلغي المسافة بين الذوات. تقول: “من الجائز أن الحب أمر غير قادر على شفاء المرض، وعموماً فإن الحب مرض يُضني المحب.”

تتجلى ذروة الحضور العاطفي في مشهد رحيل الراوية عن بغداد، وهو مشهد بالغ الجمال يمتزج فيه الحب والخوف والوداع والمغامرة. بائع الشاي الذي يجري خلف الحافلة رافعاً يده في الليل يصير رمزاً جامعاً لكل ما تركته الراوية وراءها، وكل ما لن تستردَّه.

يحضر في السرد  وعي ميتاسردي؛ إذ لا تتوانى الراوية عن التفكير بصوت عالٍ في عملية الكتابة ذاتها. تتساءل ممدوح عن الحدود بين السيرة الذاتية والرواية، عن دور الضمائر في التخييل، عن إمكانية الابتكار داخل جنس السيرة. هذه الطبقة التأملية تجعل النص نصاً مركَّباً يتحدث عن نفسه ويُشكّل نفسه أمام القارئ.

اقرأ المزيد

اللغة نفسها تصير شخصية في الرواية؛ “رأس اللغة” التي تتوسّل إليها الراوية ألّا تُغادر. المرض الجسدي يُوازيه “مرض اللغة”، والتلعثم الكلامي الذي يُلمح إليه دولوز يُلقي بظلاله على كل مشاهد اللهاث والسعال. اللغة العربية في المنفى لغة هشّة تحتاج رعاية ومحبة، والكتابة ذاتها ضرب من هذه الرعاية.

ومن هنا يحضر الوعي بمصير اللغة في المهجر: “ربما اللغة لا تزال تنتظر بين ثيابنا القديمة ومعاطفنا الخشنة التي تركناها في صناديق مقفلة هناك في بلدنا، وسوف تعود إلينا حين تطبق أجفاننا في هذه البلاد التي لم نولد فيها.”

روافد ثقافية

تبني ممدوح نصها على بناء تناصي ثري يجمع بين مصادر متعددة: شعر والت ويتمان وريتا دوف، وملحمة جلجامش وأناشيد سقوط أور بالأكدية القديمة، ومقتطف من رواد الفكر الغربي كدولوز وفرجينيا وولف وجورج باتاي. هذا التناص يؤدي إلى إعادة بناء عالم الراوية الخاص، المسكون بتعدد الثقافات واللغات والحضارات.

استحضار ملحمة جلجامش وأناشيد أور يُرسي صلة عميقة بين المحنة الراهنة ومحن الإنسانية الأولى؛ فالعراق الذي “أكل الجوع أقوياءه وضعافه وكوت النيران الآباء والأمهات” هو ذاته العراق الذي تتركه الراوية وراءها. الجرح شخصي وتاريخي وحضاري في آنٍ واحد. إذ تتجلى بغداد عبر ذكريات الطفولة التي تملأ النص بالروائح والأصوات والألوان، هذا الوطن لا يُستعاد بوصفه مكاناً جغرافياً فقط، بل بوصفه جسداً كاملاً يُمثّله الجسد المريض للراوية في باريس.

تُنهي ممدوح نصها بسؤال فرجينيا وولف عن القلم المغموس في المداد الأحمر، وبإعلان أن المجموع لن يكون كافياً.

تختار هذه الجملة لتُنهي بها روايتها لأنها تلخّص ما فعلته طوال السرد، جمعت أرقام حياتها: المرض، المنفى، الحب، اللغة، الموت، وحاولت أن تُحصيها وتُضيئها بالكتابة. لكن “المجموع لن يكون كافياً” لأن الكتابة تبدو دائماً أقل من التجربة التي تحاول الإحاطة بها.

هذا القبول بعدم الاكتمال ليس استسلاماً، بل هو أشجع ما في الرواية؛ إنه  المسافة الحقيقية بين الكتابة والصمت، وبين الحياة والموت، وفي تلك المسافة تقطن قوة النص وتفرده.

المزيد عن: روائية عراقية رواية المواجهة المرض الكتابة الذاكرة البعد الفلسفي الوجود السرد

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00